.

الحجم العائلى ليحيى الفخرانى

Foto

لماذا يشكو البطل هجر عائلته رغم أنه تركهم خلفه سعيًا وراء حلمه الشخصى؟


يوحى عنوان «بالحجم العائلى» بإعلانات المنتجات الغذائية، وبالتحديد وجبات الطعام وزجاجات العصائر والمياه الغازية كبيرة الحجم، قليلة الثمن، هذه المنتجات التى تكفى عائلة، ورغم حضور الطعام كإحدى متع الحياة، وربما المتعة الوحيدة الباقية لبطل مسلسل «بالحجم العائلى»، فإن العمل يركز على الحجم العائلى للمشاعر بين أفراد الأسرة الواحدة، ويبدو الحجم العائلى لمشاعر البطل يكفى جميع من حوله، ومنذ اللقطات الأولى نشعر بالحب الغامر الذى يكنه السفير السابق نادر التركى «يحيى الفخرانى» نحو عائلته التى يحاول التقرب إليها، فى الوقت الذى يتهرب منه أفرادها بحجج مختلفة.

ينتمى المسلسل الذى كتبه محمد رجاء وأخرجته هالة خليل إلى دراما الرجل المسن، وهذا النوع من الدراما يركز على هموم ومشكلات شخصيات تعانى الوحدة، وتبحث عن دفء العائلة المفقود، والبطل فى المسلسل اختار العزلة العاطفية، وافتتح مشروعا سياحيا ليحقق حلمه الخاص، ولكنه فقد تواصله اليومى مع عائلته التى فضلت حياة القاهرة عن حياة الأب وعالمه، والحبكة الرئيسية حتى الآن هى محاولة الأب جذب زوجته وأبنائه لعالمه، حتى ولو لعدة أيام كل عام.
بعيدا عن موضوعات المسلسلات المكررة والنمطية حول محاربة الإرهاب والفساد يحاول «بالحجم العائلى» تقديم حدوتة اجتماعية بسيطة، من خلال كوميديا عن العلاقات العائلية، وهى ليست فكرة جديدة تماما، ويحيى الفخرانى الذى يعانى إهمال أبنائه فى عام 2018 قدم فى نهاية السبعينيات دور الابن العاق أمام عبد المنعم مدبولى، الذى جسد دور الأب فى مسلسل «أبنائى الأعزاء شكرا»، وفيه يعيد الموظف المُحال بالمعاش اكتشاف شخصيات أبنائه الحقيقية، والمسلسل من تأليف عصام الجمبلاطى، وإخراج محمد فاضل، ولكننا أمام عملين مختلفين فى التفاصيل الاجتماعية، ففى حين كان الأب فى مسلسل السبعينيات موظفا بسيطا كافح لتربية أبنائه وتعليمهم، نجد الأب فى «بالحجم العائلى» دبلوماسيا ثريا لكنه اختار العيش بعيدا عن الحياة الأرستقراطية فى المدينة، وبعيدا عن عالم الدبلوماسية، وبعيدا عن عائلته نفسها، لكنه يشكو طوال الحلقات من غيابهم عن حياته.
اختار الأب فى «بالحجم العائلى» أن يفعل ما يحبه، وهو الطبخ، وأقام فى قرية سياحية أنشأها فى مرسى علم، ورغم استمتاعه بحياته التى أصبحت بعيدة عن الرسميات فهو يحن لأبنائه وأحفاده وزوجته التى رفضت مشاركته حياته الجديدة، وظلت فى المدينة تمارس دورها كسيدة مجتمع راقٍ.
يركز المسلسل فى حلقاته حتى الآن على الصراع بين نادر التركى وزوجته ثريا «ميرفت أمين»، هو يحاول بكل الطرق جمع عائلته لقضاء إجازة رأس السنة فى كل عام لكنها تفسد تلك المحاولات بإقناعها الأبناء بعدم السفر، ولا يجد هو سوى ادعاء المرض ليجمع عائلته حوله.
نرى الأب فى الحلقات الأولى وهو غارق فى الاستعداد لحضور أبنائه، يشترى بنفسه الطعام، ويقوم بطهيه والإشراف على تجهيزه، فى المشاهد التى استخدمت فيها المخرجة هالة خليل اللقطات القريبة لعملية تجهيز الطعام تصويرا لحب البطل للطعام، وهو المتعة الوحيدة التى بقيت له كما يقول لزوجته فى إحدى الحلقات، وهذه اللقطات التأسيسية أدخلت المشاهد فى عالم نادر التركى الخاص، فحبه للطبخ جزء من شخصيته وعالمه، وهو حب لصنع أكلات شهية هدفها إسعاد الآخرين، وهذا جزء من شخصية نادر التى تتناقض مع قراره بالعمل بمجال السياحة بعيدا عن أسرته، فهذا القرار الأنانى لا يجعله مثاليا كما يظهر على الشاشة.
العالم الذى ترك نادر من أجله عالمه الأرستقراطى وعائلته وعمله كدبلوماسى يبدو على الشاشة مبهجا وملونا، خصوصا حينما يقوم نادر بطهى الطعام لايف لمتابعيه على السوشيال ميديا، لكن هذا النوع من اللقطات توارى مع الوقت، وأصبح الطعام مجرد ديكور فى خلفية المشاهد.
الحبكة الرئيسية للعمل ليست فكرة عقوق الأبناء، وجفاء مشاعر الزوجة المتغطرسة، بل فى الصورة الحقيقية لعائلة نادر التركى، وهى الصورة المثالية التى يظنها، على عكس الحقيقة، هو لا يعرف أى تفاصيل عن أزمات أبنائه ومشكلاتهم، وتحاول الأم إبعاد أبنائها عن والدهم حتى لا يكتشف تلك المشكلات، ويرى صورة مغايرة لصورتهم المثالية فى خياله، وربما أبرز تلك المشكلات إنجاب ابنته الصغرى من دون زواج، وادعاء العائلة أن الطفل الرضيع ابن الأخ الأكبر إيهاب وزوجته أميرة، وموجات الأكاذيب التى تتضمن إخفاء طلاق الابن الآخر لزوجته وهى ابنة خالته أيضا، وحتى إخفاء الابنة الكبرى أنها تدخن وتشرب الخمر، وحينما يضطر كل هؤلاء للبقاء بجوار الأب عدة أيام يحتاج الجميع إلى الاتفاق على الأكاذيب التى تحجب عن الأب حقيقة مشكلاتهم.
هذه التيمة مع اختلاف بعض التفاصيل تذكرنا بفيلم قدمه روبرت دى نيرو عام 2009 فى فيلم بعنوان Everybody's Fine «الجميع بخير»، وهو عن أب أرمل يحمل صورة مثالية عن أبنائه الذين لم يلتقِ بهم سنوات طويلة، وكل منهم يعيش فى مدينة مختلفة، ويقرر دعوتهم للقدوم إليه وتناول العشاء معه، لكن لا أحد يحضر، وكل منهم تحجج بعذر، ويقرر هو الذهاب لكل منهم، رغم تحذيرات طبيبه، بسبب مرضه، ويحاول الجميع إخفاء مشكلاتهم الحقيقية عن أبيهم، خصوصا تورط شقيقهم فى قضية مخدرات، ويبدأ الجميع فى نسج سلسلة من الأكاذيب، هدفها الظهور أمام الأب بنفس الصورة المثالية التى يحملها لهم فى خياله، والفيلم الأمريكى نسخة من فيلم إيطالى أخرجه جوزيبى تورناتورى عام 1990 بعنوان Stanno tutti bene وكلا الفيلمين ركز على التناقض بين الصورة التى يتخيلها الأب عن أبنائه وحقيقتهم، والمواقف الكوميدية التى نشأت نتيجة أكاذيب الأبناء للظهور أمام الأب بالصورة المثالية، وإخفاء مشكلاتهم الحقيقية، كما رصد الفيلمان الصورة المعاصرة للمجتمع الحديث، والعلاقات المعقدة بين أفراد العائلة الواحدة، ومشاعر الوحدة التى يعانى منها البطل العجوز، وأزمة اكتشاف رجل فى سن الشيخوخة أن عالمه العائلى المثالى يتداعى، ولا وقت لديه لترميمه وإصلاحه.
تبدو الحدوتة فى «بالحجم العائلى» أكثر بساطة، وأقل عمقا، ورغم وصول عدد حلقات المسلسل إلى نصفها تقريبا يعانى المسلسل من الاستغراق فى المواقف والمفارقات الكوميدية المكررة، وهى مواقف يمكن اختصارها دون تأثير على الأحداث.
حتى الآن يعتمد مسلسل «بالحجم العائلى» على كاريزما يحيى الفخرانى، الذى نجح فى خلق شخصية مبهجة رغم شعوره الشخصى بالوحدة، وعلى النقيض تقدم ميرفت أمين شخصية السيدة الأرستقراطية المتسلطة التى تستخدم كل صور التآمر والتدليس لتحافظ على صورتها اللامعة البراقة أمام الجميع، وبشكل خاص أمام زوجها، فجزء من صراعهما يتمحور حول رغبتها فى إثبات نجاحها فى تربية أبنائهما وحدها، ومحاولة استعادة دفء العلاقة بينهما.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات