محمد صلاح.. نجم رياضى عربى مسلم يواجه العنصرية والإسلاموفوبيا ببساطة

Foto

كيف يغير محمد صلاح فى وجهة النظر الغربية فى العرب والمسلمين؟ لماذا احتضنته جماهير ليفربول؟ لماذا صلاح أكبر من نجم كرة قدم عالمى؟


ترجمة: أميرة جبر عن «نيويوركر»

 

فى فبراير، كشفت الجماهير الصاخبة لفريق كرة القدم الإنجليزى ليفربول الستار عن نشيد جديد تكريما لجناحهم النجم، اللاعب المصرى محمد صلاح. وقبض المشجعون، الذين سافروا إلى البرتغال من أجل مباراة فى دورى الأبطال أمام بورتو، على أيديهم وقفزوا صعودا وهبوطا وفى أيديهم أكواب البيرة بينما غنوا نشيدا على لحن أغنية عام ١٩٩٦ الناجحة «Good Enough» لفريق البوب الإنجليزى «دودجى»:

مو صلاح لا لا لا لا
مو صلاح لا لا لا لا
لو حلو كفاية ليك
حلو كفاية ليا
لو سجل كام جول كمان
هابقى مسلم أنا كمان
وفى الدقيقة ١٣ من هذه المباراة، ارتدت ضربة من العارضة فثبت صلاح الكرة بقدمه اليمنى ونقرها من فوق حارس بورتو باليسرى وأخذ لمسة برأسه ثم رشق الكرة فى الشبكة. كان هدفا بارعا، هادئا ومقداما، هدف صلاح الـ١٣ فى الموسم لصالح ليفربول. وبعد المباراة، انفجر فيديو «هأبقى مسلم أنا كمان» على شبكات التواصل الاجتماعى، وحصل على ملايين المشاهدات من بين جمهور ليفربول المنتصر، ولكن كذلك جاءت جحافل من مشاهدين لا صلة لهم بكرة القدم على الإطلاق.
وقد شهد صلاح موسما افتتاحيا رائعا مع ليفربول.. ومن الممكن تتبع جانب كبير من طفرة ليفربول إلى التوقيع مع صلاح. فهذا العام، حطم صلاح الرقم القياسى فى الدورى الممتاز لعدد الأهداف فى موسم مكون من ٣٨ مباراة، واعترف به لاعب العام من قبل رابطة اللاعبين المحترفين، وفاز بالحذاء الذهبى لأكبر عدد من الأهداف فى الدورى الممتاز.
غير أن صلاح أكبر بكثير من نجم كرة قدم عالمى. فقد أصبح واحدا من أكثر مسلمى العالم ظهورا، والأندر من ذلك أنه من خلفية عربية واضحة. واعتاد أغلب المشاهير من ذوى الخلفيات المسلمة، من عارضة الأزياء جيجى حديد إلى لاعب كرة القدم الفرنسى الجزائرى زين الدين زيدان الذى يدير ريال مدريد حاليا، أن يختلطوا بسهولة أكثر مع الثقافة العلمانية. فى المقابل، يربى صلاح لحيته ويتحدث الإنجليزية بلهجة ثقيلة ومتدين علنا. وبعد تسجيله للأهداف يسجد فى أرض الملعب وبشكل أقل وضوحا يرفع إصبعه لإلقاء الشهادة فى إيماءة أشبه بأن تصلب. وتظهر حساباته على شبكات التواصل الاجتماعى إيمانه، بصورة أمام الكعبة، وتعليقات بإيموجى «رسوم تعبيرية» للشهادة، وبصورة للحرم المكى. وابنة صلاح البالغة من العمر ٤ سنوات سميت نسبة للمدينة المقدسة، ولقبه العربى «أبو مكة». أما زوجته فهى محجبة مثلها مثل غالبية المسلمات المصريات.
وفى مصر صممت فوانيس رمضان على هيئة صلاح، ومنحته السعودية مؤخرا أرضا فى مكة لكونه «ممثلا رائعا للإسلام فى بريطانيا». وقال لى محمد على، العضو المصرى بنادى مشجعى ليفربول الرسمى فى السويد، إن احتضان العرب المسلمين للاعب ليفربول يدفعه حقيقة «أنه يشبهنا». وقال لى كمال ماشجارى، مشجع ليفربول الذى كثيرا ما يرتاد نفس المسجد الذى يرتاده صلاح، إنه عندما يراه المسلمون يرون شابا «يرتاد المسجد، ويسجد ويصلى فى أرض الملعب، وكثيرا ما تسلط عليه الأضواء، ولا يخفى دينه». وأضاف أن صلاح لا يطرح فكرة سياسة: «هذا مجرد من هو ومن كان دوما».
وفى أثناء نشأته فى إحدى قرى دلتا النيل لعب صلاح كرة القدم بالطريقة التى لعبها بها أغلب الأطفال المصريين من جيله، باستخدام بضعة شرابات قديمة محشور بها قمصان «مهرية لبس» على شكل كرة. وقال مؤخرا خلال حوار على التليفزيون المصرى: «أتذكر الطفل ذا الـ١٠ سنوات الذى كان يشاهد دورى الأبطال فى بيته». وتحدث عما يجب أن يشعر به المصريون عندما يشاهدونه كما كان هو يشاهد نجوم كرة القدم الآخرين الذين لم يشاركوه خلفيته. وقال: «بالنسبة لهم، أنت شخص من بلدهم. يرون ما استطعت تحقيقه». وأكثر ما يسعده الآن هو أن يدرك مصريون آخرون بأن هم أيضا بإمكانهم تحقيق ذلك.
وقال لى بوب برادلى، مدرب فريق لوس أنجلوس والذى مرن صلاح: «كان لدينا معسكرات ومباريات ودية، ومن أول معسكر كان بإمكانك رؤية أن صلاح مميز، وعمل بجد، تلك السرعة والانفجارية والأهم الذكاء والتواضع الشديدان. كان يريد أن يتعلم». ولكن عندما بدأ صلاح مسيرته الدولية مع بازل كان بالكاد يتحدث الإنجليزية وعانى ليجد طريقه. وقال للموقع الإلكترونى لفريق ليفربول: «لم أكن أعلم أين أستطيع العثور على الطعام أو أى شىء». وترك بازل من أجل تشيلسى ولكنه لم يحصل على فرصة كبيرة ليثبت نفسه فى الملعب، وقضى أغلب وقته معارا فى الخارج. وجاء اختراقه فى أثناء إعارته لروما حيث أنهى الموسم كهداف الفريق. وفى يونيو ٢٠١٧ انتقل إلى ليفربول.
وكونه متدينا ومع ذلك غير مسيس هو جزئيا ما جعل صلاح جذابا لقاعدة جماهيرية فى غالبيتها من البيض فى دورى إنجلترا الممتاز. وقال لى خالد بيضون، عالم القانون ومؤلف «الإسلاموفوبيا الأمريكية»: أعتقد أن جزءا من سحر صلاح هو أنه ليس شخصية سياسية ظاهريا تتناول الإسلاموفوبيا فى إنجلترا. إنه قادر بفاعلية على تقليص الرؤى السلبية للمسلمين وعلى تحدى الإسلاموفوبيا» بمجرد كونه نفسه. وقال إيرل جنكيز، مشجع ليفربول القديم، إن صلاح يذكره بجون بارنز المولود فى جمايكا، أول لاعب أسود لليفربول. فقال جنكنز إنه عندما انضم بارنز للفريق فى عام ١٩٨٧ «هدد البعض بتمزيق تذاكرهم الموسمية». لكن فى النهاية احتضنته جماهير ليفربول: «أعتقد أن الأمر نفسه يحدث مع مو والإسلام».
لطالما كان التعسف العنصرى مشكلة فى كرة القدم الدولية. فكثيرا ما نعثر على العلم الكونفدرالى يلوح وسط الجماهير فى المباريات الإيطالية. وفى عام ٢٠١٣، حكم على ٦ من مشجعى تشارلتون أثليتيك لنشرهم عنفا تدفعه العنصرية عندما غنوا فى ١٩٩٣ أغنية تحتفل بوفاة ستيفن لورانس، الشاب الأسود الذى قتل من قبل شخص يؤمن بتفوق البيض على الملونين. وفى مارس فى سانت بطرسبرغ صرخت الجماهير بهتافات عن القردة فى وجهى اللاعبين الفرنسيين بول بوجبا وعثمان ديمبيلى. وفى نفس هذا الشهر أرسلت خطابات مجهولة لعدد من المنازل فى بريطانيا أعلنت ٣ أبريل «يوم معاقبة المسلم». لم يذكر أحد أى عنف، ولكن الخطابات كانت أدلة إضافية على صعود تيار الإسلاموفوبيا فى بريطانيا. ففى لندن، المدينة التى انتخبت عمدة مسلما، زادت جرائم الكراهية ضد المسلمين بنسبة ٤٠٪ بين عامى ٢٠١٦ و٢٠١٧.
وما إذا كان لاعب كرة قدم، حتى وإن كان محبوبا بقدر صلاح، يستطيع أن يكون لديه تأثير على شىء خبيث كالعنصرية فهذا أمر مطروح للسؤال. ويشكك جوزيف مسعد، المؤرخ وأستاذ الدراسات العربية الحديثة بجامعة كولومبيا. وقال لى: «صلاح فائز، والجميع يحب الفائز. منذ بضع سنوات حصل زين الدين زيدان، ابن المهاجرين الجزائريين، على إشادات مفرطة من العرب والمسلمين والأفارقة بالإضافة إلى رفقائه الفرنسيين، ولكن شهرته لم تخفف من الإسلاموفوبيا القائمة فى التيار السائد من الثقافة الفرنسية، وأشكك بقوة فى أن شهرة صلاح ستقلل بأى شكل إسلاموفوبيا التيار السائد فى الثقافة البريطانية».
ومع ذلك، فكمصرية ومسلمة من غير مشجعى كرة القدم أعيش على بعد محيط، لاحظت صعود صلاح النيزكى وفكرت فى ما قد يفعله لتغيير وجهة النظر فى العرب والمسلمين حول العالم. وكثيرا ما وجدت نفسى -فى المطارات أو فى المترو- أفكر: هل أبدو عربية جدا؟ هل ملابسى خاصة بعرق؟ هل ينبغى أن أحاول الاختلاط؟ وما يلفت النظر بالنسبة لى فى ما يتعلق بصلاح، والذى يبدو عربيا ومسلما أكثر منى بكثير، هو أنه لا يبدو مهتما بمحاولة الاختلاط فى أى شىء. إنه ببساطة نفسه. وهذا، أكثر من أى شىء فعله على أرض الملعب، هو أكثر ما أعجب به.


——

 

ياسمين الصياد
صحفية مصرية حرة مقيمة فى نيويورك، حاصلة على ماجستير فى الصحافة ودراسات الشرق الأدنى من جامعة نيويورك الأمريكية، عضوة فريق تحرير جريدة «نيويوركر»، وسبق لها العمل كباحثة فى البرامج التنموية للأمم المتحدة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات