.

ملامح خريطة الانتقالات الحزبية سابقة التجهيز

Foto

ما الأحزاب التى ستمارس دور المعارضة فى الخريطة الحزبية الجديدة؟ كيف يمكن اعتبار كل ما يجرى مجرد هندسة لشكل الحياة السياسية؟


بدأت فعليا الخريطة الحزبية الجديدة الجارى إعدادها منذ شهور تحت مسمى دعم وتنمية الحياة السياسية والحزبية فى التبلور والظهور إلى العلن خلال الأيام القليلة الماضية، بالذات مع تصاعد ما يمكن تسميته بموسم الانتقالات النيابية إلى حزب مستقبل وطن، بالتزامن مع إعلانه دمج جمعية من أجل مصر ضمن صفوفه، وهو ما يبدو خطوة فى إطار صراع يبدو متصاعدا على من يتولى موقع حزب السلطة خلال المرحلة المقبلة، فى الوقت ذاته الذى تتواصل محاولات تتويج حزب الوفد على عرش المعارضة الحزبية بالذات بعد الانتخابات الأخيرة التى فاز فيها المستشار بهاء أبو شقة برئاسة الحزب وهو فى الوقت ذاته رئيس لجنة الشؤون الدستورية بمجلس النواب، والذى قاد الاجتماع الأخير لعدد من الأحزاب يبدو أنه سيتم تصديرها خلال الفترة المقبلة باعتبارها المعارضة الرسمية. 

ورغم أن كل الحديث عن تطوير الحياة السياسية وتفعيل دور الأحزاب، وبما فى ذلك المقترحات حول أولوية الدمج بين الأحزاب المتشابهة سياسيا وفكريا، وما إلى ذلك من مقترحات تطرح على مدار الأسابيع والشهور الماضية، كلها قد لا تبدو محل خلاف جوهرى من حيث المضمون، لكن فى الوقت ذاته فإن الخلاف يظل قائما حول طبيعة وطريقة وأسلوب تنفيذ تلك المقترحات، وما دور السلطة وحدود تدخلها فيها، فضلا عن احتمالات فرض بعض المسائل بقوة القانون عبر مشروعات تشريعية تقترح وتقدم خلال الفترة المقبلة، بما يحول الأمر لمحاولة فرض أمر واقع بدلا من كونها محاولات تطوير للوضع الراهن.. لكن فضلا عن ذلك فإن كل هذه الخطوات والأفكار والمقترحات مجتمعة لا تقدم حلولا حقيقية لجوهر أزمة الحياة السياسية والحزبية فى مصر بل تزيد من عمقها، فى ظل الإصرار على أن تكون مشاهد الحياة السياسية والحزبية مشاهد سابقة الإعداد والتجهيز ومصنوعة عبر تدخلات من أطراف أو أجهزة لا يفترض أن لها أدنى علاقة بالحياة السياسية. 
ولعل ما شهده الأسبوع الماضى من هجرة جماعية لعدد من النواب من بعض الأحزاب للانضمام إلى صفوف حزب مستقبل وطن، وفى الوقت ذاته الذى كان فيه الحزب يعلن عن تغييرات فى هيكله التنظيمى بعد الاندماج مع جمعية من أجل مصر التى خرج منها حملة كلنا معاك من أجل مصر فى الانتخابات الرئاسية الماضية، فضلا عن ضم عدد من القيادات الحزبية السابقة مثل حسام الخولى من الوفد، يشير بدرجة كبيرة إلى أمرين بالغى الأهمية، أولهما أن هذه الهجرة النيابية الواسعة تؤكد ما سبق أن حذر منه كثيرون من أن غالبية النواب الممثلين لكتل حزبية فى البرلمان ليسوا تعبيرا حقيقيا عن أحزاب سياسية بقدر ما هو تعبير عن قدر من تلاقى المصالح مع تنسيقات بعض الأجهزة التى لعبت دورا رئيسيا فى صياغة مشهد انتخابات مجلس النواب الماضى، ولعل تعدد الانتقالات للنواب من حزب لآخر أو استقالات نواب من أحزابهم، تؤكد تماما أنه لا توجد من بين الهيئات البرلمانية ما قد يعبر عن بنية حزبية حقيقية باستثناءات قليلة للغاية، وهو ما يعد فى جوهره أحد النتائج المباشرة لعملية هندسة وصياغة الانتخابات السابقة والتدخلات فيها، وما يبدو أنه يجرى منذ الآن الإعداد لمشاهد مماثلة مع إعادة التشكيل الجارية للخريطة الحزبية والتى سيكون لها أثر مباشر سواء على الخريطة البرلمانية الحالية أو على إعدادات وتحالفات الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد عامين. 
أما الأمر الثانى الذى تعد تحركات الأسبوع الماضى أحد المؤشرات المهمة عليه، هو أن هناك خلافا واضحا بين أطراف وأجهزة وشخصيات حول مفهوم حزب السلطة أو الأغلبية، الذى بدأت رحلة البحث جديا عنه بعد مشاهد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبينما بدا فى الفترة الماضية أن ائتلاف دعم مصر هو الأقرب للعب هذا الدور بعد طرح فكرة تحوله إلى حزب، إلا أن خلاف بعض الأحزاب المشاركة فى الائتلاف من ناحية، ثم الضربة المبكرة التى وجهها حزب مستقبل وطن بتحركاته الأخيرة وإعلانه عن حضوره الأسبوع الماضى، تبدو بمثابة صراع مبكر حول الطرف الذى يمكن أن يلعب دور حزب السلطة أو الأغلبية، خصوصا أن حزب مستقبل وطن الآن يعزز وضعه برلمانيا بقوة، وصحيح أنه لم يصل بعض لدرجة امتلاك الأغلبية البرلمانية كما يحاول بعض قياداته الترويج، إلا أنه أصبح بلا منازع الكتلة الأكبر الآن داخل المجلس الحالى، بل وداخل الائتلاف أيضا، بما يعنى أن أى تنازع بين كتلتى الائتلاف ومستقبل وطن قد تؤثر بشكل مباشر على وضع الائتلاف برلمانيا وسياسيا أيضا. 
وإذا كان هذا الصراع قائما فى مساحة حزب السلطة أو الأغلبية، ولعل ملامحه ستتضح خلال الفترة المقبلة إذا ما كان سيتواصل سيناريو تحويل ائتلاف دعم مصر إلى حزب أم التراجع عن تلك الفكرة والاكتفاء بمحاولة تقديم مستقبل وطن كحزب كبير برلمانيا وجماهيريا، فإن الأمور على الضفة الأخرى تبدو أكثر هدوءا ووضوحا، فحزب الوفد يبدو أنه الحزب المتوج على عرش المعارضة الرسمية المرتقبة فى ظل الخريطة الجديدة، خصوصا بعد انتخابات رئاسة الحزب الأخيرة، ثم انضمام بعض الشخصيات مثل المتحدث العسكرى السابق الذى أعلن عن انضمامه للحزب مؤخرا، ولعل الدعوة لاجتماع عدد من الأحزاب بمقر الوفد الأسبوع الماضى والحديث عن تفعيل التعددية الحزبية وأهمية بناء كتلة سياسية جديدة وكذلك الدعوات للقاء الرئيس مع الأحزاب للاستماع لرؤيتها وبدء تشكيل لجنة تنسيقية بين الأحزاب والحكومة، كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن أحزاب الوفد والتجمع والنور ومعهم الغد الذى خاض رئيسه الانتخابات الرئاسية الأخيرة وعدد آخر من الأحزاب سوف يمثلون كتلة المعارضة الرسمية فى الخريطة الحزبية خلال المرحلة المقبلة. 
وبقدر ما تعكس كل هذه التحركات والخطوات اهتماما واسعا بفكرة إعادة تشكيل وبلورة الحياة الحزبية خلال المرحلة المقبلة، فإنها فى الحقيقة تؤكد تماما أن المنهج المعتمد هو التدخلات المباشرة للسلطة وأجهزتها فى صياغة هذا المشهد وهندسته قبل إخراجه للنور، وهو ما يمثل قفزا مباشرا على جوهر ومعنى «الحياة السياسية» التى لا يمكن أن يتم تصنيعها فى غرف مغلقة ولا أن تكون نتيجة تصورات طرف واحد فى المجتمع، لذا فإن كل ما يجرى الآن يبقى فى إطار تحسين الشكل وليس المضمون، ووضع إطار لا ملء الفراغ، مع استمرار منهج التدخلات واعتبار الأجهزة طرفا فى صياغة العملية السياسية بما يؤدى فى النهاية لتفريغها فعليا من أى مضمون، ويصبح زيد مثل عبيد، وأحزاب الموالاة مثل معارضتها، بينما يبقى خارج كل تلك الأطر، المؤيدون الحقيقيون أصحاب الرؤية لكن المحافظين فى الوقت ذاته على مساحة من الاستقلالية، بنفس القدر الذى يبقى به المعارضون الجذريون أصحاب وجهات النظر البديلة والتصورات المختلفة، ويبدو أن كلا النوعين ليس مرغوبا فى وجودهما فى إطار الحياة السياسية والحزبية التى يجرى تصنيعها الآن على قدم وساق. 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات