.

شعارنا مع الآثار: عزيزى الأجنبى اسرقنا براحتك.. برضه هتقع ونجيبها تانى

Foto

كيف اتضح أن الآثار المهربة ليست مسجلة لدينا أصلًا؟ كيف خرجت الآثار من ميناء الإسكندرية؟ وعلامَ يدل ذلك؟


جاءت قضية تهريب الآثار الكبرى التى تم الإعلان عنها قبل أيام فى إيطاليا لتعيد الضوء مجددًا إلى قضية الإهمال الشديد فى التعامل مع الآثار فى مصر.

بالطبع وكأى قضية مثارة، حاول البعض إثارة بعض الأكاذيب لأسباب سياسية من نوعية الإيحاء بأن عملية التهريب متورط فيها دبلوماسيون مصريون أو أن الآثار خرجت بعلم وتواطؤ الدولة، ولكن بغض النظر عن هذه الأكاذيب فإن القصة أو بالأحرى ما اتضح منها تظل مخيفة للغاية حتى فى غياب تلك الأكاذيب.
فالواضح أن عدد القطع الأثرية المصرية التى ضبطت ضمن تلك الحاوية كبير جدًّا، ومن الواضح أنه تم ضبطها فى حاوية دبلوماسية بالفعل، ومن الواضح أنها إما خرجت من ميناء الإسكندرية وإما على الأقل عبرت من الميناء وإن كان خروجها منه هو الأرجح، ومن الواضح أن الآثار غير مسجلة لدى السلطات المصرية أساسًا بما يعنى أنها ليست مسروقة من متاحف بل هى نتيجة عمليات تنقيب وبيع وتهريب حديثة وليست عملية سرقة آثار مسجلة.
وبترتيب تلك الحقائق معًا فإن هذا يعنى أن دبلوماسيًّا تابعًا لدولة ما، وهى غالبًا دولة أوروبية، قد استخدم صفته الدبلوماسية فى مصر على الأرجح أو فى بلد ثالث (إذا ما اتضح ذلك لاحقًا) كغطاء لعملية تجارة آثار مع مجموعات من تجار الآثار، ثم قام بتهريبها من مصر فى اتجاه إيطاليا بغرض بيعها بعد ذلك داخل الأراضى الأوروبية.
كما أن ضخامة عدد الآثار يعنى أننا لا نتكلم عن عملية محدودة قام بها ذلك الدبلوماسى الأجنبى مع بعض المغامرين من لصوص الآثار، ولكنها تكشف عن أنها عملية منظمة جدًّا مع عصابات منظمة للآثار فى مصر وربما فى دول المنطقة، خصوصًا فى سوريا والعراق، حيث أشارت تقارير مختلفة فى السنوات الماضية إلى تورط تنظيم داعش فى نهب الآثار السورية والعراقية وبيعها فى السوق العالمية، للحصول على تمويل، وأشارت تقارير صحفية فى الأيام الماضية إلى أن مدينة ساليرنو الإيطالية التى تم ضبط الحاوية فيها هى بالفعل مركز رئيسى لنشاط تجارة الآثار القادمة من المناطق التى سيطر عليها «داعش».
بالطبع قد سارعت الجهات الأثرية فى مصر إلى التأكيد أن كون الآثار غير مسجلة يعنى أن التقصير ليس من جانبها باعتبار أن ما هى مسؤولة عنه بشكل كامل هو الآثار المسجلة لديها والمخزنة فى المتاحف أو المخازن، أما ما يتم الاشتباه فيه كقطعة أثرية فإنه يتم استدعاؤهم لمعاينته وبيان حقيقته، وهو ما لم يتم طبعًا فى حالة الشاحنة المهربة، ومن جهة أخرى سارعت «الخارجية» لنفى أن يكون الدبلوماسى المتورط مصريًّا، ورغم أن كل هذه الأعذار صحيحة فإنها لا تغير أن إتمام عملية بيع وسرقة وتهريب بهذه الضخامة على الأراضى المصرية كليًّا أو جزئيًّا، ونهب آثار مصرية بهذا الكم، وتورط دبلوماسى أجنبى، وخروج أو حتى عبور الحاوية من ميناء الإسكندرية هو بالتأكيد مسؤولية الجهات المصرية أيًّا كانت، وسواء أكانت وزارة الآثار أم وزارة الخارجية أم شرطة السياحة والآثار أم شرطة الموانى أم الجوازات أم أية إدارة تابعة لوزارة الداخلية عمومًا، فإنه فى النهاية المسؤولية تظل تقع على الجانب المصرى بشكل أساسى.
وفى الواقع فالمشكلة أكبر من ذلك فهى مشكلة ثقافة بشكل عام، فمثلًا قبل نحو عام شاهدنا كيف تم التعامل مع تمثال المطرية الأثرى وكيف كان واضحًا فى ذلك الموقف وفى مواقف أخرى عدم احترامنا لقيمة آثارنا أو لما يعبر عن هويتنا المصرية بشكل عام بعد عقود من تحقير الهوية المصرية وملء المجتمع المصرى بالدروشة.
وقبل شهور أثيرت قضية زوجة دبلوماسى أسترالى سابق، اتضح أنها هربت الكثير من الآثار المصرية إلى أستراليا فى أثناء فترة خدمة زوجها بمصر قبل عقود، وهو ما يوضح أيضًا أن الغطاء الدبلوماسى فى تهريب الآثار من مصر هو طريقة شائعة وفعالة منذ عقود طويلة، فماذا كانت خطط مواجهة هذا الموضوع من قبل الدولة المصرية؟
وقبل بضعة أسابيع تم ضبط تابوت أثرى مصرى فى مطار الكويت وخرج من مطار القاهرة بالشحن الجوى فى واقعة أثارت الدهشة وما زالت.
وبالتالى فإن من الطبيعى أن نتساءل: ماذا سنفعل إذا لم تتعاون معنا الدول الأخرى بشأن استعادة الآثار؟ بالتأكيد هناك اتفاقات دولية وما شابه، لكن فى الحقيقة ليست كل دول العالم قد وقعت على اتفاقات اليونسكو، كما أن تجارة الآثار ليست ممنوعة تمامًا فى كل دول العالم بل مسموح بها فى دول كثيرة والفيصل بالنسبة إلى الدول الموقعة على اتفاقات اليونسكو هو كون الآثار جاءت إلى بلد آخر بطريقة شرعية (بيع وشراء رسمى) أم لا.
كما أن إهمال الآثار فى مصر أصبح يفتح الباب لحجج مضادة تقول إن الآثار ستكون محل اهتمام أكبر بالخارج، وهو وإن كان منطقًا يحمل تحقيرًا للذات، لكنه لا يخلو من بعض المنطق، خصوصًا عندما نتكلم عن الآثار باعتبارها تراثًا للبشرية ككل وليست تراثًا مصريًّا للمصريين خصوصًا، ولكن بالطبع فإن التعامل بهذا المنطق يسىء لنا كمصريين فى الأساس، كما يحملنا بالضرورة خسائر اقتصادية وسياحية نتيجة لعرض القطع والآثار بشكل دائم خارج البلاد.
ليست القضية إذن فى أن يتهرب هذا أو ذاك من المسؤولية، القضية هى أن الدولة عمومًا لم تظهر لنا أية رؤية واضحة ومتطورة بشأن الحفاظ على الآثار رغم تكرار حوادث مختلفة متعلقة بالموضوع فى السنوات الماضية، وفى كل مرة تعالج الموضوع بطريقة هروب كل جهة من المسؤولية وكأننا نوجه رسالة إلى الأجانب مفادها حاولوا سرقة آثارنا كما تشاؤون، فحتى لو نجحتم فدولتكم قد تقبض عليكم ونسترد آثارنا، وعندها سنشكر دولتكم مستمتعين بدور المتفرج.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات