.

قناع بلون بشرتى.. الغيطانى يفتش عن مصر فى باريس!

Foto

إلى هذا القناع تكون الوجهة الغيطانية التى يتجه إليها الغيطانى ما أن تطأ قدمه مقر إقامته حتى يغادره، حتى ولو لم ينل قسطًا من النوم.. يتوجه إلى اللوفر «ليزور قناعه» الذى يشبهه، كأول شىء


يفتش الغيطانى عن مصر حتى وهو فى باريس، ويكتب تحت عنوان «قناعى الفرعونى فى متحف اللوفر» عن طقسه الخاص ما أن تطأ قدماه باريس. طقس استكشاف باريس سيرًا على الأقدام.. اعتاد الغيطانى منذ عقود طويلة أن يقيم فى منطقة الحى اللاتينى.. بدأ بالسان ميشيل، ثم السان جرمان.

يقول إن السان ميشيل تذكره بالحسين، الأزقة والبيوت العتيقة التى يبدأ المشى منها إلى نهر السين، ويمر بجسر أوستر ليتز الذى وصفه الطهطاوى ضمن حديثه عن قناطر باريس، ثم حديقة النباتات، فالسانميشيل، فكنيسة نوتردام، حتى يصل إلى ميدان الكونكورد، حيث المسلة المصرية التى قيل إنها نُصبت بعد عودة الشيخ رفاعة إلى مصر عام ١٩٣١، أما نقلها من مصر فقد تم عام ١٨٢٩، لما أهداها محمد على إلى الملك شارل العاشر، وأقيمت فى مكانها تحت حكم الملك فيليب.

المسلة التى تزن مئتى طن هى أول ما يحج إليه الغيطانى فى باريس، ويصف لنا قاعدتها ذات الرسوم المُذهبة والطريقة التى نقلت بها عبر البحار، مضيفًا أننا إذا وقفنا خلفها وتطلعنا إلى قوس النصر سوف نجد أنهما على خط واحد.

الوجهة الثانية للغيطانى هى متحف اللوفر الذى يخصص له وقتًا مهما تعددت الزيارات أو طالت، ليمكث فى قسم الأجداد، قسم المصريات، متأملاً «أجدادى الراقدين فى لفائف الكتان، هؤلاء الراحلون الذين سعوا إلى الخلود قبل ألوف السنين، هل كان أحدهم يتصور أنه سوف يعرَض يومًا فى باريس أو روما أو لندن أو نيويورك أو تورينو أو بودابست؟»، ثم يتساءل الغيطانى: «ربما أنحدر من صلب أحدهم»، ويتحول السؤال إلى وجهة أخرى: «فى القسم الخاص قناع يشبهنى».


إلى هذا القناع تكون الوجهة الغيطانية التى يتجه إليها الغيطانى ما أن تطأ قدمه مقر إقامته حتى يغادره، حتى ولو لم ينل قسطًا من النوم.. يتوجه إلى اللوفر «ليزور قناعه» الذى يشبهه، كأول شىء.. أعرف طريقى إلى الجناح المصرى، أمام المدخل تمثال مصرى قديم عندما رأته ابنتى أول مرة منذ سنوات، قالت إنه يركع مثلنا، مثل المسلمين. أطلعتها على السجدة.. مصرى من فنانى قرية الدير البحرى «سنجر رع» يسجد فى جوار نهر فى حقول بارو «اسم الجنة عند القدماء الأجداد»، اجتاز المدخل مباشرة إلى القسم الخاص بأدوات التحنيط فى الفترينة المتصدرة للقاعة.

قناع من خشب، تمامًا بلون بشرتى، ربما لا تتفق ملامحه معى، لكن النظرة نابعة منى، عينان تحدقان إلى اللا نقطة، إلى حيث لا يمكن التحديد، إلى ما وراء كل مرئى.. تلك نظرتى، هكذا يصير حالى عندما أتخلص من كل شائبة تتعلق بى. الشفتان مضمومتان تمامًا، كما أفعل عندما يستفزنى حالى.. إلى جوار القناع كثيرًا ما أقف لصورة أبادله النظر.. فى مكتبى أعلق صورة نجح محمد ابنى فى التقاطها متجنبًا انعكاس زجاج الفترينة عليها، فكأننى أقف فى المرآة. للأقنعة عندى حديث طويل. آخر ما كان يوضع فوق المومياء، ملامح الراحل ترحل دونه عبر الأزمنة التى لن يوجد فيها.. بعد اللوفر، يشترى الغيطانى مجلة «باريسكوب» التى تحوى جداول كل العروض الفنية من سينما إلى مسرح على مدى أسبوعين.. يلف المكتبات معتمدًا على ذخيرة ثقافية غير محدودة وإلمام محدود باللغة، يوظفهما معًا شارحًا الكيفية. لزيارات المكتبات جداول ومنهج وتصنيف، يميز بين المكتبات ذات الفروع، والأخرى المتخصصة فى التصوير أو الفوتوغرافيا، كتلك الواقعة فى السان سوبليس، والتى أمدّته بمدد من كتب التصوير، أو مكتبات الفن التشكيلى التى نقل منها مئات العناوين إلى مكتبته بالقاهرة، وكوّن بنفسه مكتبة غنية تخص أخبار الأدب. فى شارع «رو دى زيكول» على مقربة من لوموند، مكتبة متخصصة فى السينما وجدت فيها أفيشات من أفلام الأربعينيات فى السينما المصرية.. أفيشات كانت تطالعنا فى الحوارى والأزقة.. كيف وصلت إلى هنا؟ وكيف احتفظت بها تلك النوعية من المكتبات.

يسير الغيطانى إلى مقهى الفلور والدوماجو، أشهر ملتقى تاريخى للمثقفين الذين يتعرف عليهم من صورهم التى حفر تحت كل منها الاسم والفترة الزمنية التى عاشها، إلى الجوار مكتبة «هين»، حيث الطابق الثانى مخصص للفن التشكيلى، بعدها مكتبة للكتب القديمة فى الفن، لى، وهناك مكتبات مشابهة على القرب من نهر السين.. يبحث الغيطانى عن اللوحات وخصوصًا الفن الحديث، يستوقفه عنوان «سنوات الجنون» على مجلد ضخم يضم بول سيزان وفان جوخ وحتى الحركة السيريالية وما وراء الواقع. لا يميل الغيطانى إلى فن العصور الوسطى.. تعلق باثنين فقط، أحدهما تمت عوالمه إلى ما وراء الواقع حول الأحلام، يعتبره الغيطانى «رائدًا»، وهو جيروم بوتسى من بلاد الفلامنك، هولندا.. الفنان الثانى هو بيتر بروجا وهو الأقرب إلى قلب الغيطانى، ولفت أنظار الغيطانى إليه الكاتب الكبير علاء الديب، عندما كتب علاء عن رواية «حارة الزعفرانى» فى مجلة صباح الخير، قائلا إن بها شخصيات تشبه عوالم بروجل.. بدأ الغيطانى بعدها رحلة البحث عن بروجل ليكتشف بينهما مقدارًا لا حدود له من الحميمية.. من أغرب ما يسجله الغيطانى من تجارب باريسية دخوله المسرح ليحضر مسرحية ليونسكو بالفرنسية التى لا يجيدها، وهى حكاية تستحق. فى الحى اللاتينى تقع جامعة السوربون والكولاج دى فرنس، وأشهر المكتبات والمعاهد، وأيضًا فى أزقته مسارح عتيقة منها مسرح هوشيت الذى كان يعرض مسرحية الكراسى ليونسكو، والتى تعلن اللافتات عن استمرار عرضها منذ اثنين وخمسين عامًا.. لا تتغير المسرحية وإن تغير الفنانون.. كم مرة توقف أمام شباك التذاكر متأملاً ما كُتب فى الصحف عن المسرحية من مقالات عبر كل هذه السنوات! كم مرة فكر أن يدخل ثم تراجع.. حزم أمره أخيرًا مدفوعًا بحبه ليونسكو، وقرر حضور العرض المسرحى دون لغة ولا معاونة. انتظم فى طابور التذاكر.. ولما حظى بمقعد أحس أنه فى «زمن آخر».. القرون الوسطى فى الجدران المغطاة بزخارف قرمزية، ويبدأ العرض الذى يدخلنا إليه الغيطانى بكل حواسه ومدركاته فكأننا كنا معه فى تجربته الفريدة من نوعها: يتلقى عرضًا مسرحيًّا وبلغة غير التى فى رأسه، ويصل إليه العرض، ويفرض أسئلة لدرجة يقول معها إنه مزدحم بأسئلة، وكما يقول: هكذا الفن، يدفعنا لأسئلة تستحثنا أن نحاول الإجابة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات