.

عما رآه فى مصر قبل المأمورية الحجازية

Foto

ولابد أن تندهش من القدرة على التسجيل بالتوازى، يعنى يصف لك ما يفعله فى لحظة وفى نفس الوقت يصف أحيانا، ما يجرى فى مكانين آخرين أو ثلاثة، والأمر أشبه بكاميرات معلقة فى كل الأنحاء


دَوَّن «عبد العزيز دولتشين» يومياته فى الأراضى الحجازية، بالدقيقة والثانية، وبالحركة والهمسة، وبلغة كأنها الكاميرا والصوت والصورة، منذ انطلق من مدينة «عشق آباد» التى كان اسمها قبل ثورة ١٩١٧ «أسخاباد»، على السفينة «ميريديان».. وحتى قال فى خاتمة الحديث: «… وعن كل ما رأيته كشاهد عيان، دون أن أضيف شيئا، أو حتى مقللا نوعا ما حتى لا أمسّ بطريقة ما وعن غير قصد المسلمين فى مشاعرهم الدينية، إذ إنهم بعد العودة من الحج، يعتبرون أن من واجبهم أن يرووا مختلف المعجزات، وأنا أحكى عما رأيته، متقيدا بأكبر قدر من الدقة».


ولابد أن تندهش من القدرة على التسجيل بالتوازى، يعنى يصف لك ما يفعله فى لحظة وفى نفس الوقت يصف أحيانا، ما يجرى فى مكانين آخرين أو ثلاثة، والأمر أشبه بكاميرات معلقة فى كل الأنحاء، ولا أعرف كيف، ولعلها الخبرة والمهارات الخاصة لضابط ذى مواصفات غير عادية.. كان طريقه إلى الحجاز عبر المرور بالموانئ المصرية، التى هى فرصة أن نراها عبر عيون «دولتشين» الذى تستوقفه فى البداية كثرة عدد السفن فى ميناء الإسكندرية، السفن الأنيقة، والتى وصلها الرابعة بعد الظهر، فى طقس بديعى، وشمس تشبه شمس «قزوين»، وإن كان لا يشعر أنه على ما يرام «لوفرة الأكل على مائدة الباخرة».. اقترب موظف المرفأ، ركض على السلم بأقصى سرعة ومهارة وخفة، بحيث ينبغى الظن أنه ليس من أهل البلدة بل إنجليزى (!).. العرب يرتدون قمصانا بيضاء طويلة جدا، ما أن مدوا الجسور حتى تدافع الشيالون.. كنت قد تعرفت فى أثناء الرحلة على «قرغيزى» يعيش على الدوام فى مكة، له زوجة وحماة، هذا القرغيزى أعجبنى وقررت أن أجعله مساعدا لى.. اسمه الحاج سلطان.. يبدو أنه توجد فى الإسكندرية أيضا عصابة من نهابى الحجاج، ومن البداية وقعت فى مخالب صاحبنا الحاج مصطفى المولود فى كريت وغادرت السفينة، ورحت مع الحاج سلطان إلى الجمرك.. هناك أخذوا جواز سفرى وفتشوا الحقيبة وفتشونى أنا أيضا بخشونة وأطلقوا سراحى بعدما قالوا إننى سوف أحصل عليه من القنصلية.. قال الحاج مصطفى إننى يمكن أن أحصل عليه بشكل أسرع، لو دفعت بقشيشا، لكنى رفضت.

رحنا إلى المدينة، المنظر أوروبى تماما، الأرصفة بديعة، من البلاط، عمارات متعددة الطوابق، بينها جامع فخم وغنى وتمثال لمحمد على.. لكن الفندق الذى أخذه إليه الحاج سلطان والذى يخص حسن الكريدلى، صحيح المفروشات على الطريقة الأوروبية، لكن لم يعجبه وإن كان سعر الليلة ثمانية قروش.
فى المدينة استوقفه أن الناس على آخر موضة فى المتنزهات.. أذهلته المقاهى الشاسعة مع طاولاتها الصغيرة فى الشارع والناس تلعب الطاولة والكوتشينة بكل حماس.. لباس النساء المحليات الملفوفات فى الملاية وعلى الجبهة «خشبة» صغيرة لدعم الحجاب.. استرعى انتباهه كثرة مرضى العيون والعميان وألبسة العسكر المصريين حسنة المنظر.. جميعهم حليقو الذقن وقمصانهم ناصعة البياض والهيئة جيدة. لما ذهب فى الصباح التالى إلى القنصلية الروسية لاستلام جواز سفره، رأى مفروشاتها حقيرة وصورة الإمبراطور رخيصة، لكن الأهم أن كل جوازات السفر كانت تحمل علامة المنع، وسوف تعاد إلى روسيا، لأنه كل «المحمديين» الروس تم منعهم من الحج، إلا هو، والسبب أنه لم يكتب أن وجهته هى «مكة».. اشترى من شركة ألمانية تذكرة إلى جدة عبر السويس بعشرة جنيهات إسترلينى أى ٩٤ «روبل» و٧٠ كوبيكا من دون أكل! ركب قطار الإسكندرية ودبر مكانا درجة ثانية للحاج سلطان، واشترى رداءين بـ٣ جنيهات إسترلينى وطربوش وشال حريرى للعمامة وحذاء للإحرام وقطعتى قماش وحزام لأجل النقود.


وصف أشجار البلح والأرض المحروثة جيدا جدا.. والتى ليس بها شبر غير مزروع، مزروعات الشعير الممتازة والقمح الذى بطريقه للنضوج.. السواقى والمنظر الذى أرجعه إلى سمرقند، حتى القرى والمحراث.. يبدو السكان فقراء.. السكة الحديد متعبة جدا، «ليست كسككنا» غير مفهومة.. لا حراس على الخطوط، للقاطرة مصباح واحد بسيط لا ينير الطريق، لا توجد مصابيح الإشارة ولا أسهم، لا وجود للفرامل فى العربات، هيئة الخدمة تتألف من شخص واحد يأتى ليأخذ التذكرة، لا يعلنون اسم المحطة.. والخلاصة أن الراكب متروك تماما لشأنه.. ينام فتفوته المحطة هو المسؤول.. قبل أن تقلع باخرته المتجهة إلى جدة فى السادس من أبريل سوف يزور السيد «دولتشين» الإسماعيلية وبورسعيد وبالطبع السويس التى سوف يقلع منها.. لن يفوته أن يقول إن حجاجنا (الحجاج الروس) تذهلهم جدا لا مبالاة المسلمين المحليين وأنه فى صلاة الجمعة يبقى كثير فى الدكاكين والمقاهى، وأن الصلاة فى المسجد يسودها التشويش، بل إنه لا وجود للرزانة ولا المهابة الملتزمة لجوامع روسيا، الإسماعيلية المدينة الوحيدة، المدينة الناجية! فى سفينة إلى جدة، سوف يدرك لماذا يصاب الحجيج بالكوليرا والأمراض الجلدية، وسوف يتيقن أن لا عدل فى بلاد العرب!
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات