«الحاكمية» و«ولاية الفقيه» إحياء لتناحر المسلمين على منصب الخلافة

Foto

لماذا لم يؤد غياب آخر الأئمة من آل البيت عند الشيعة وسقوط شرط القرشية عن الخليفة عند السُّنة إلى نهاية النزاع السُّنى والشيعى الذى نشأ فى صدر الإسلام حول منصب الخلافة؟


اختلاف رئيسى بين الشيعة وغيرهم وقع حول مبدأ الإمامة أو الخلافة أو الحكم بمعناه السياسى، ونتج عن وقائع التناحر المعروف على منصب الخلافة فى صدر الإسلام. بموجب هذا الاختلاف ينظر الشيعة إلى الإمامة باعتبارها أصلًا -وإن كان متأخرًا- من أصول الدين، فأصول الدين عندهم أربعة، هى: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة.

يعنى هذا أن الإمامة متضمنة فى أصل الاعتقاد الإسلامى عند الشيعة وأنها موروثة ومنحصرة فى آل البيت من نسل الإمام علِى، مع قول بعضهم بجواز إمامة المفضول فى نفس الوقت، أى أنه من الجائز شرعًا أن يتولَّى الخلافة أحد من غير أهل البيت، كأبى بكر وعمر فى صدر الإسلام، مع الإقرار بأفضلية وأحقية أهل البيت فى هذا الشأن، ومع وجود اختلاف بين فرق الشيعة على تسلسل الأئمة من أهل البيت أيضًا، فأشهر فرقهم وهى الشيعة الإمامية أو الإثنى عشرية تحصر سلسلة الأئمة فى اثنى عشر إمامًا، هم: علِى وولداه: الحسن والحسين، ثم علِى بن الحسين، ومحمد بن علِى الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر، وعلِى بن موسى الرضا، ومحمد بن علِى بن موسى الجواد، وعلِى بن محمد بن علِى العسكرى، والحسن بن علِى بن محمد، ومحمد بن الحسن العسكرى، وبهذا الأخير الذى لُقب باسم «الإمام الغائب» أو «المهدى المُنتظر» تنتهى سلسلة الأئمة عند الشيعة وتؤول إلى حالة من الانتظار التاريخى لعودة الإمام الغائب وهى مرحلة امتدت منذ القرن الثالث الهجرى ولم تنتهِ حتى اليوم.
وتأتى نظرة غير الشِّيعة من فرق المسلمين -ومن بينهم مذاهب أهل السُّنة- لموضوع الخلافة أو الإمامة فى سياق غير محدد، فالخليفة أو الإمام عندهم جميعًا ليس شخصًا محددًا معينًا أوصى به النبى أو نزل به وحى، ورغم قول السُّنة بوجوب مبدأ الإمامة، أى بوجوب نصب الإمام درءًا للفتنة، فإنه عندهم فرد كبقية أفراد الرعية، ويمكن أن تقوده ظروف مختلفة إلى تولِّى الحكم دون أن يغمطه ذلك شرعيته فى نظرهم، فقد يصل الإمام إلى السلطة بطريق السيف والتغلُّب أو الوراثة أو الاختيار من قبَل أهل الحل والعقد، عندها يصبح إمام الأمة الذى يجب على المسلمين أن يدينوا له بالسمع والطاعة، وفى كثير من مذاهب أهل السُّنة أنه يجب له السمع والطاعة وإن كان ظالمًا فاجرًا! لكن الناظر فى مجمل الشروط الواجب توافرها فى الإمام عند أهل السنة لا يجد فيها ما يُعيّن شخص الحاكم غير شرط القرشية، فعندهم أن الإمام يجب أن يكون حرًّا عاقلًا بالغًا عالمًا، وأن يكون أفضل القوم علمًا ودينًا، وأن يكون قادرًا على القيام بأمر الأحكام والحرب والسياسة، وقبل ذلك كله أن يكون قرشيًّا فى الصميم، ورغم استناد هذا الشرط إلى حديث منسوب إلى النبى يقول: «الأئمة من قريش»، فإن الواضح فى اشتراط القرشية -وفى الحديث المنسوب إلى النبى أيضًا- التأثر بالنزاعات المبكرة حول الخلافة فى صدر الإسلام، فلو أن شرطًا من هذا النوع أو حديثًا حاسمًا بهذا الشكل كانا موجودين لما اختلف صحابة النبى من المهاجرين والأنصار منذ البداية، كما جرى فى سقيفة بنى ساعدة، ولما طالب كل من الفريقَين بأن تكون له الإمارة، ولما قيل: منا أمير ومنكم أمير.


ورغم أن الخلاف بين الشِّيعة والسُّنة حول الإمامة، كما سلف شرحه، هو اختلاف أصلى أو أصولى من الجهة الاعتقادية، فإن الواقع والمنطق التاريخيَّين يؤكدان أنه كان خلافًا جديرًا بالوصول إلى نوع من الحسم العملى أو المصالحة التاريخية مع غيبة الإمام عند الشيعة، إذ بغيابه لم تعد لديهم نظرية فى الحكم ولا اشتراط بخصوص شخص الحاكم ولا مطلب بشأنه غير مطلب انتظار الإمام الغائب من نسل آل البيت، ومع انتفاء شرط القرشية فى الإمام عند أهل السُّنة كذلك، وهو شرط تكفَّل الواقع كذلك بتغييبه وإنهائه والقضاء عليه، وهو ما يؤول بالطرفَين إلى وضع متساوٍ من جهة التسليم ببعد قضية الإمامة أو الحكم السياسى كما صارت عليه عن مجالات التدين وسياقات الاعتقاد الإسلامى.


لكنَّ هناك فى ما يبدو أسبابًا أخرى حالت دون وقوع هذا التطور، وحالت دون تهميش خلاف بدأ سياسيًّا واستمر عقائديًّا وانتهى عمليًّا. أحد هذه الأسباب المهمة هو ميراث النزاع والكراهية المتبادل بين المتشيعين والمتسننين، وهو العداء الذى يحرص على تناقله ورفع لوائه الوهابيون والخمينيون حتى اليوم، هذا الميراث السياسى الحافل بالصراعات والثورات والملاحقات السلطوية الدموية يقف دائمًا وراء حرص المتعصبين من الفرقتين على منطلقات الاختلاف بأكثر من حرصهم على حقيقة نفيه عمليًّا ورفعه فى الواقع، أما السبب الآخر الذى لا يبتعد عن الأول كثيرًا فهو الجمود والتعصب للموروث لدى رجال الدين من الجانبين، وكلاهما اعتبر نفسه الموكل بحماية ميراث النزاع التاريخى الذى جرى إسباغ قداسة دينية عليه. أما السبب الثالث المهم ورغم حداثته التاريخية، وكونه تغييرًا طرأ خلال القرن العشرين الميلادى أو الثالث عشر الهجرى فحسب، فإنه صار السبب المتوقع وراء إفشال أى تقارب عملى سُنى وشيعى فى الحاضر أو ربما فى المستقبل أيضًا، إن لم يكن المصدر المتجدد لإحياء النزاع التاريخى بين المسلمين والذى جرى فى صدر الإسلام حول منصب الخلافة، وإشعال هذا النزاع بنفس قوته التى كان عليها فى بدايته، إن لم يجدده بصورة أقوى كذلك، هذا السبب هو الإسلام السياسى، الإسلام السياسى بصيغتَيه الحديثتَين اللتين عُرف بهما على الجانبين السُّنى والشيعى معًا، صيغة «الحاكمية» كما عُرفت عند أبى الأعلى المودودى وسيد قطب والإخوان المسلمين وصيغة «ولاية الفقيه» كما أذاعها الخمينى فى كتابه «الحكومة الإسلامية» وجرى عليها نظام الحكم فى إيران إلى اليوم. تعود نظرية «الحاكمية» كما عرفها الإسلام السياسى السُّنى، ونظرية «ولاية الفقيه» كما عرفها الإسلام السياسى الشيعى، معًا إلى جذر فكرى مشترك، هو هذا الخلط الشهير بين الحكم بمعناه الدينى، وهو يقتصر على النبى وحده، وبمعناه الفقهى أو القضائى ويعود إلى اجتهاد المسلمين، وهما المعنيان اللذان ورد بهما فى القرآن الكريم، وبين الحكم بمعناه السياسى الحديث الذى ينصرف إلى نظم ومؤسسات الحكم فى الدول المختلفة، وهو المعنى الذى لم يُعرف فى أوان نزول الوحى ولا فى صدر الإسلام، وهى آيات وردت فى سياق يخص أهل الكتاب وليس المسلمين، وأريد بها الحكم الفقهى أو القضائى، وعلى الطريقة القبلية التى كان معمولًا بها فى أزمنة النبوات ومجتمعات العصور القديمة، كما فى قوله تعالى: «ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» «المائدة: 44»، وقوله تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم» «النساء: 65»، وقوله تعالى: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» «البقرة: 213». فكما انطلق سيد قطب فى كتابه «معالم فى الطريق» إلى «الثورة الشاملة على حاكمية البشر فى كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع فى أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور ذلك أن الحكم الذى مرد الأمر فيه إلى البشر ومصدر السلطات فيه هم البشر هو تأليه للبشر»، ابتكر الخمينى نظريته فى «ولاية الفقيه» الذى يحكم باسم الإمام الغائب، منطلقًا من أن: «الحكومة فرع من ولاية رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، المطلقة، وهى واحد من الأحكام الأولية، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصوم والصلاة والحج»! إلى الثورة وتصدير الثورة كما جسدهما النظام السياسى فى إيران. ولم يتناسَ كلاهما أن المقصود بالحكم الإسلامى ليس الحكم بمعناه السياسى والزمنى فقط، لكنهما تناسيا كذلك أنه حتى فى حالة أن يكون المقصود هو الحكم الفقهى أو القضائى، فهو حكم خاضع فى كل الأحوال للاجتهاد البشرى، وقائم على الفهم البشرى النسبى لآيات الله، كما أنه قائم على التقدير البشرى النسبى للأحوال الواقعية المتغيرة التى يتم تطبيق هذا الفهم عليها، ومن ثَمَّ فإن كل فهم لآية من آيات الله أو تطبيق اجتهادى لها هو فهم بشرى ونسبى بالضرورة، وأن حكم الفقيه ليس هو حكم الله فى كل أحواله، لكنه محض محاولة بشرية نسبية للتوصل إلى أكثر الأحكام قربًا من عدل الله وتحقيقًا لمبادئ شريعته وعلى رأسها مبدأ مصلحة البشرية التى تأتى على رأس أولويات كل دين وكل فقه وكل تشريع. لم يكن مفاجئًا بعد ذلك ما كشفه باحثون مؤخرا بخصوص بعض الجوانب الخفية فى علاقات الترابط الحركى بين الإسلام السياسى السُّنى والشيعى، من ذلك اكتشاف زيارة الخمينى لمقر مكتب الإرشاد الخاص بجماعة الإخوان المسلمين ولقائه بمؤسس الجماعة حسن البنا، حدث ذلك خلال سنوات الثلاثينيات، ومن قبل أن يكتب الخمينى كتابه «الحكومة الإسلامية» الذى بلور فيه نظريته عن «ولاية الفقيه»، مما يقطع بالتأثير والتأثر المتبادل بين الاتجاهَين السُّنى والشيعى فى الإسلام السياسى. ومن ذلك أيضًا حفاوة النظام الرسمى الإيرانى بمؤلفات سيد قطب التى تدور حول مفهوم «الحاكمية»، مثل كتابه «معالم فى الطريق» الذى يقوم النظام الفقهى الإيرانى بتدريسه لفرق الحرس الثورى خلال مراحل إعداده الذهنى، مما يدل على أن المفهومين معًا، «الحاكمية» و«ولاية الفقيه»، ليسا غير لون من إحياء نزاعات المسلمين الأولى على السلطة، بتجديد إدخال الدين عاملًا واستخدام العقيدة طرفًا فى هذا النزاع الخطير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات