.

حدائق البهجة..

Foto

كانت لطلته هيبة ولصمته المعتاد حضور، وكانت طرقات مجلة «صباح الخير» هى نقطة الالتقاء المعتاد، إن لم يتفضل بأريحية وبساطة ويشير إلىَّ بدخول آمن وأنا أطل برأسى أولاً لألقى بتحية


أستطيع أن أدَّعى أنه واحد من أكثر الناس الذين تأثرت بهم، وعلمونى وفتحوا عينى، ويشاركنى ملايين ممن لم تكن الريشة أداتهم.. ظللنا لعقود يضمنا مكان واحد للعمل، ومع ذلك لم أملك شجاعة الاقتراب شبه الحميم إلا بعد أن غادر كلانا المكان.. صانع البهجة، صانع الكتب، الذى حلم يومًا، كما باح لى فى حوار بـ«الأهرام»، أن يعمل «سائقًا للترام»، فإذا به يقود مدرسة «النظر» إلى الجمال، مدرسة «البصر»، لم يمن الله عليه أيضًا بالبصيرة.. الفنان الأساتذ محيى الدين اللباد.


كانت لطلته هيبة ولصمته المعتاد حضور، وكانت طرقات مجلة «صباح الخير» هى نقطة الالتقاء المعتاد، إن لم يتفضل بأريحية وبساطة ويشير إلىَّ بدخول آمن وأنا أطل برأسى أولاً لألقى بتحية، أتصورها عابرة، حتى يدعونى «تعالى يا ماجدة».. لأمعن النظر عن قرب، مؤثرة الصمت فى حضرة «صانع البهجة».. مرقت سنوات قبل أن أتحول إلى «تلميذة» مباشرة له.. أحمل كُراسى والقلم وأذهب إليه، فى مكتبه بمصر الجديدة عدة مرات صباحية كل أسبوع.. يتكلَّم.. وأدوِّن.. يقوم من على كرسيه الدوار يأتى بمجلة أو بكتاب ضرورى للسياق الذى «يقطره» لى.. كانت «القهوة» التى أرتشفها بعد أن تبرد غالبًا، فى معيته، هى العنوان الذى يدور تحته تلقى الدروس، وأنا أهاتفه فى أول الأسبوع لأحدد مواعيد «الدرس»، وكان رحمه الله بكل تواضع يدعونى تحته: «عدِّى نشرب قهوة»، والحقيقة أننى كنت أذهب لأفك أمية وأمحى جهلاً وأفك الخط لأستقرأ التعامل كمسؤولة عن إصدار للطفل، لما توليت رئاسة تحرير مجلة «علاء الدين» التى تصدر عن مؤسسة «الأهرام» عام ٢٠٠٢.. أذكر أنى هاتفته مستشيرة، لما عرض الأمر علىَّ.. كنت أحس ذعرًا، بالمعنى الحقيقى للكلمة، وترددت فعليًّا: أمضيت عقودًا بالصحافة فى الشوارع محققة، وتخصصت فى استجلاء الحقائق بالحوار الصحفى، وتحدَّيت بكسر الحاجز بين المعرفة والناس عبر جسور من الكتب والحوارات، لكنى لم أكتب يومًا حرفًا للطفل، فكيف أتولَّى مسؤولية إصدار للطفل؟ لن أنسى كلمته المهدئة لروعى: «نتعلم».. وهكذا شجعنى على قبول المسؤولية وربطها  بـ«التعلم».. الذى فتح لى «أبواب حدائق البهجة» فى عوالم صانع البهجة الأستاذ الفنان محيى الدين اللباد، الذى كان يؤثر وصفه بـ«صانع الكتب».. وهو الذى فتحنا وبصرنا على حدائق متعددة للبهجة، وعوالم نافذة من اللماحية المصحوبة الجمال والمغموسة فى معرفة لم تقتصر على «منابتنا» وإن اعتزت وغاصت فى هذه المنابت.. ما بين ٢٥ مارس و٤ سبتمبر ٢٠١٠ عاش فى مصر، وغزت موهبة ومعرفة «صانع الكتب» بلادًا غير بلادنا وحطَّت على كل ما هو «أصيل»، وفتَحت وفتَّحت «بتشديد التاء» كل ما هو أصيل أيضًا.. لن أنسى يومًا كنت فيه على باب واحد من أكثر معارض الكتب الفريدة فى فرنسا، فى منطقة قصدوا أن تكون مركزًا للتنمية البشرية والمعرفية، «مونتروى»، فإذا بلوحة فى حجم البوابة تتصدر أعين الداخلين «قط»، أعرفه جيدًا.. واحد من ثمار بهجة اللباد الكبير هو العنوان واللوجو الذى وجدوه متضمنًا رسالتهم الجمالية والمعرفية.. وقفت محملقة لـ«انتمائى» ودخلت بخطى أكثر ثقة.. جئت من موطن هذا الفنان.
أستعير من تقدمة لـ«اللباد الصغير» الفنان أحمد اللباد الذى يزهر بحدائق المعرفة أزاهيره الخاصة فى ما كتبه مؤهلاً المتلقى لألبومات «نظر» لمحيى الدين اللباد وتوصيفه لـ«اللباد» الكبير أنه «فنان البصر والبصيرة».. وهو «الفنان البصرى» أو «visual artist».. رسم للأطفال ورسم للصحافة وصمم الكتب والأغلفة والملصقات وأسس العديد من المشروعات الثقافية «الثقيلة» المصرية والعربية، للصغار والكبار، وأشرف عليها تحريرًا وفنيًّا ونال التقدير المحلى والعالمى الذى تمثل فى ترجمة وإعادة نشر أعماله، ولا سيما الكتب المتخصصة التى حصدت جوائز رفيعة.. حاضر.. وحكم.. ونقد.. كتب فى كل القضايا البصرية وفسرها وربطها بالسياسة والمجتمع، بعد أن جدَّف بها البعض بهمة بعيدًا عن «شاطئ الحياة» لتصبح «فنية» ونخبوية بامتياز للأسف.


أتذكر درسى الأول معه.. فى محو أمية «العين».. كان لدىَّ بعض المخزون من رافدين أساسيين.. احتكاكى لثلاثة عقود بواحدة من أغنى معاقل الفن التشكيلى فى مجلة «صباح الخير»، يترأسنى وأزامل فنانين ورسامى كاريكاتير.. اللباد والليثى وحجازى، حسن فؤاد لجمال كامل، وأعيش فى حضرة مكتبة تشكيلية نادرة، جمعها من كل أرجاء الدنيا جمال الغيطانى الذى لم يكن يحط الحرف الأول يوميًّا فوق ورقة بغير وقت متعين لـ«ثقافة العين»، وكنت بكامل حيائى أطرق بابه فى تلك اللحظة لأنتشى بخطو وئيد وأفك شفرات ما لم أعرفه عبر غيره.


فى الدرس الأول مع اللباد كنت حملت كراسًا وأقلامًا وكأنى ذاهبة إلى محاضرة، ولم أستعمل فى ما بعد تلك الكراسة إلا فى ما ندر، ولمجرد تدوين عنوان أو ما شابه، أما ما تلقيته فقد استنشط فيه البصر والبصيرة، واستنهضت المسام وشحذت العقل، وائتنست بالرؤية، وعززت القناعات، واستقويت بالمواقف اللبادية، واسترشدت بالحس، واستقر فى ضميرى أن «الخيارات» مهما تكن صعبة عليك أن تعى أنها «أنت».. وليس ذلك منبت الصلة عما نقوله عن اللباد الكبير فى مواقفه وفنه، الذى«تعطرت» مساحات الاقتراب منه، بأنفة وكبرياء واعتزاز بكرامته وكرامة فنه، وكنت شاهدة فى بعض الأحيان، التى حظيت بها، بالتعلم، على هذه الأنفة وذلك الكبرياء الذى مكنه من أن يضع نفسه حيث ينبغى أن يكون.. أتذكر واقعة فى واحدة من كبريات دور النشر، إن لم تكن أكبرها، كيف رفضها واعتذر عن التعاون، رغم كل المغريات المادية، لأن راداره وحسه كشفا مقدارًا من الجهل المغطى بالمال والنفوذ وبما لا يليق بالمكانة التى يضع فيها الإبداع.


مد الجسور مع اللباد لأجيال لم تعشه، كما هى الحال مع غيره من «أسطوات» ثقافتنا، هو ما يتعين علينا التشبث به، لو أردنا امتدادًا أصيلاً، أو سعينا لنجاة من «الغرق».. فليس لك من خيار، ولا فرع دون جذور.. وفى الأمم ذات الوعى لا تحدث القطيعة، وتأتى الإضافة، بالاستيعاب للأصول، والبناء على الأساس، «الوعى» لا يتجزَّأ، إن أردته فى الفرز السياسى فعليك أن لا تفصله عن الفن، وإن استهدفته فى الفن فلا تستأصله أو تقصيه عن التعليم، قل إن الإساس بصر وبصيرة، عقل يتزود ولا يصح بغيرهما، وبغير ذلك لن تعرف الطريق الأكثر استدامة.. إلى حيث «حدائق البهجة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات