.

محفوظ وتجليات حضور لن يقطعه الرحيل

Foto

كان محفوظ قد أعلن تأييده لزيارة السادات إلى القدس واتخذت الدول العربية ممثلة فى اتحادات كتابها، قرارات بمقاطعة محفوظ على جميع المستويات


ذكريات محفوظية بعيون غيطانية.. تحت هذا العنوان يضع الغيطانى جزءًا مسجلاً مع محفوظ يقدّم له بأنه كان صيفًا غير عادى عام ١٩٧٨.. كان محفوظ قد أعلن تأييده لزيارة السادات إلى القدس واتخذت الدول العربية ممثلة فى اتحادات كتابها، قرارات بمقاطعة محفوظ على جميع المستويات، وهكذا منعت مؤلفاته ومقابلته والأفلام، واضطر منتجو الأفلام إلى إزالة اسمه من على الأفلام حتى التى كتب حواراتها أو قصصها أو شارك فيها بأية صيغة، وكان هذا بمثابة قرار إعدام لأى كاتب، وكان فرصة لأصحاب النزعات الإقليمية الضيقة المتقنعة بلافتات شديدة القومية، لتحجيم الدور الثقافى المصرى.


هل يعنى إعلان محفوظ وجهة نظره السياسية مصادرة إنجازه؟ كان القرار غريبًا، وهنا -كما يقول الغيطانى- لابد من توضيح.. موقفى (الغيطانى) كان مخالفًا لموقف محفوظ السياسى، لكنى حاورته وناقشته، وكذلك محبوه وأصحابه، وبالنسبة إلىَّ -الغيطانى- فإن محفوظ كان يعلن موقفه عن قناعة وليس لأسباب انتهازية، ولم يكن مفاجئًا لى موقفه، فقد صارحنا، أنا ويوسف القعيد وإسماعيل العادلى فى أغسطس ٦٧ برأيه فى كازينو الأوبرا لما قال لنا إنه إذن لم يكن ممكنًا هزيمة إسرائيل عسكريًّا، فلنلجأ إلى طرق السياسة وبحث إمكانية الصلح. يقول الغيطانى إن هذا الرأى بالنسبة إلينا كان صادمًا واختلفنا حوله طويلاً، لكن العلاقة بنجيب لم تهن وإعجابنا بإبداعه الجميل لم يتوقف حتى صدر هذا القرار الغريب بالمقاطعة، والذى شهد مبالغة فى التطبيق، ولم يقبل الضمير الثقافى العربى هذا، وأعرب مثقفون كبار عن استنكارهم هذا القرار وتم تجاوزه عمليًّا.. فى هذا المناخ ولدت فكرة حوار مطول يجريه الغيطانى مع محفوظ على حلقات، وجاءت من عماد الدين أديب الذى كان يتولَّى جريدة «الشرق الأوسط».. وتحمَّس الجميع لأنه لا يمكن مقاطعة محفوظ.. كان محفوظ قد تقاعد وقتها منذ ست سنوات وتفرَّغ تمامًا للكتابة، فكتب «الحرافيش»، وينفذ برنامجه الذى يزور فيه قاهرته العتيقة كل أربعاء بصحبة الغيطانى، حيث يتشارك الاثنان «أزمنة الحنين»، ويجوسان «مواضع الذكريات».. وهناك عرض الغيطانى على محفوظ الفكرة، واتفقا على اللقاء فى مكان هادئ غير مطروق، هو مقهى على النيل المقابل للعجوزة، حيث يسكن محفوظ، يعبران إليه من فوق كوبرى أكتوبر وينزلان السلالم.


يقول الغيطانى إنه رغم ارتباطه بمحفوظ منذ عام ١٩٥٩، فإنه شعر بهيبة وتهيب الأمر، وقضى ساعات طويلة يرتب للقاء، وعاد إلى الأرشيف، وتوقف عند مرجعَين أساسيين، أحدهما حوار لفؤاد دوارة الذى ضمنه كتاب عشرة أدباء يتحدثون، وعدد خاص من مجلة «الهلال» صدر عام سبعين.. أعدّ الغيطانى برنامجًا دقيقًا ومنضبطًا ومحاور رئيسية، منها نشأة نجيب فى القاهرة القديمة، وهى نفس منطقة نشأته، حيث عاش ثلاثين عامًا فى حارة درب الطبلاوى على بُعد خطوات من ميدان بيت القاضى الذى شهد نشأة محفوظ وحيث ولد فى أحد البيوت المطلة على بيت القاضى.. وقبل أن يحاور الغيطانى محفوظ كان قد نشر دراسة عن قاهرته والمكان كما رسمها محفوظ وضعها فى كتابه «ملامح القاهرة فى ألف عام»، والمحور الثانى كان الولوج إلى عالم الكتابة عند نجيب محفوظ، وهنا يكشف الغيطانى عن نفسه: «بالطبع لم يكن الأمر أسئلة وأجوبة، لكن فرصة لى كى أستكشف أبعاد العالم الإبداعى لكاتب لا يتحدَّث كثيرًا عن عالمه وعاداته فى الكتابة وعلاقته باللغة والأشكال الروائية الحديثة».. ثم كان هناك محور لآراء محفوظ السياسية، علاقته بالسينما، حياته الوظيفية، وأخيرًا حياته الأسرية، وربما ما قبلها من حب. وهنا يقول الغيطانى إنه شخصيًّا كان متأثرًا بشدة بشخصية كمال عبد الجواد فى ثلاثية محفوظ وحبه لعايدة شداد من طرف واحد، تلك العلاقة التى احتوته لفترة ليست بالهينة.


يقول الغيطانى إنه خلال سنواته الممتدة مع محفوظ والتى بدأها عام ٥٩ من القرن الماضى كانت لحوارات لا تنقطع مع محفوظ، من خلالها عرف تفاصيل شتى عن حياته الخاصة وأصدقاء الطفولة أو مَن أطلق عليهم «شلة العباسية»، والذين كان شديد الإخلاص لهم، يخصهم بلقاء ليلة «الخميس»، ولا يحول بينه وبينهم لا مرض ولا زحام، حتى رحلوا واحدًا بعد الآخر، رحمهم الله.. لكن الغيطانى لم يكتب إلا ما أراد محفوظ وما وافق على كتابته، وحجب كل ما اختصه به محفوظ واستشعر منه عدم رغبة فى نشره، فظروف مجتمعاتنا لا تسمح بكل البوح!


شهر كامل أسفر عن عشرين ساعة من التسجيلات.. وعندما شرع الغيطانى فى ما يلى مرحلة التسجيل، وبدأ الكتابة قصد أن يورى أسئلته، مطلقًا السراح لمحفوظ العظيم الذى كان بالنسبة إلى الغيطانى: «صديقًا ومعينًا ومؤنسًا ودليلاً ومبدعًا عظيمًا».


والذى قال عما نشره الغيطانى: «هذا كتاب أغنانى عن التفكير فى كتابة سيرة ذاتية لما يحويه من حقائق جوهرية وأساسية فى مسيرة حياتى، فضلاً عن مؤلفه ذاته، يعتبر ركنًا من سيرتى الذاتية».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات