.

الـرهان على الشـعب الفلسطيـنى وحـده

Foto

كيف تثبت ردود الفعل العربية الأخيرة تورط الأنظمة فى محاولات تصفية القضية الفلسطينية؟ ما المهمة الرئيسية الملقاة الآن على عاتق الشعب الفلسطينى لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة؟


لم تكن الاحتجاجات الفلسطينية والمجازر الصهيونية وردود الفعل العربية التى جرت الأسبوع الماضى بالتزامن مع مسيرات العودة الفلسطينية والاحتفال رسميا بافتتاح السفارة الأمريكية بالقدس، سوى استكمال لمشاهد العجز والتردى العربى القائم والمتواصل منذ عقود، والذى يبلغ ذروته هذه المرة فى التعامل مع قضية مفصلية ستكون مجرد مقدمة لما هو قادم، وهى قضية القدس التى تمتلك وضعية ورمزية خاصة فى إطار القضية الفلسطينية عموما، ومع ذلك فقد بدا منذ ديسمبر الماضى مع إعلان دونالد ترامب عن قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيونى وبدء إجراءات نقل سفارة بلاده إليها، أن ردود الفعل العربية بالأساس على المستوى الرسمى وبالتبعية على المستوى الشعبى فى ظل أنظمة مستبدة متواطئة وأوضاع سياسية واقتصادية وإقليمية شديدة البؤس، لن تكون بأى درجة على مستوى الحدث ولن تمثل أى عائق يذكر يعيق تقدم التوجه الأمريكى إزاء تصفية القضية الفلسطينية وفرض الأمر الواقع على الجميع.

ورغم أن الظرف الدولى بدا مهيأ بدرجة كبيرة لموقف أكثر اتساعا وتأثيرا إزاء القرارات الأمريكية والممارسات الصهيونية خلال الشهور الماضية، حتى وإن لم يؤد فى النهاية على مستوى الواقع لتغيير جوهرى، فإن العجز العربى عن اتخاذ أى مبادرات جادة، أو حتى التفاعل مع الطرح الفلسطينى ببلورة إطار دولى بديل لقيادة عملية السلام فى الشرق الأوسط لا يقتصر على الطرف الأمريكى، بدا تعبيرا واضحا فى حقيقة الأمر ليس فقط عن ضعف الإرادة الرسمية والقدرات العربية وإمكانيات بناء موقف جماعى موحد عملى، وإنما بالأساس وهو الأهم جاء تعبيرا عن تصور واضح ينحاز لضرورة الحفاظ على التحالف الوثيق مع إدارة ترامب وتوجهاتها، حتى وإن كانت فلسطين ثمنا للتطابق مع رؤية ترامب فى ملفات أخرى مثل الموقف من إيران والانسحاب الأخير من الاتفاق النووى على سبيل المثال، بالإضافة للانحياز الواضح والمعلن من أنظمة عربية متعددة لخيار تطبيع العلاقات مع العدو الصهيونى الذى صار حليفا لا بحكم المتغيرات التى طرأت على المنطقة فى السنوات الأخيرة فحسب، بل كذلك فى ضوء اختيارات تلك الأنظمة التى لم يعد لها من هم سوى رسم خريطة جديدة للمنطقة وبناء تحالفات تحافظ على استقرار وبقاء تلك الأنظمة وتصوراتها التى لا تكتمل سوى بتحالف مستمر مع الإدارة الأمريكية وتطبيع متصاعد مع الكيان الصهيونى.
ومع تسريبات أخيرة على لسان أحد القادة العرب الصاعدين بقوة وأحد أركان تنفيذ سيناريوهات الخرائط الجديدة للمنطقة، بأن على الفلسطينيين أن يقبلوا بما هو معروض عليهم أو ليصمتوا ويكفوا عن التذمر، وبغض النظر عن مدى صحة تلك التسريبات التى أذيعت فى وسائل إعلام صهيونية من عدمه، إلا أن الممارسة الرسمية العربية تؤكد صحة ذلك التوجه حتى وإن لم يكن قيل صراحة بهذه المباشرة، ومع التصريحات المعلنة للرئيس المصرى أيضا حول أن مصر لا تستطيع أن تفعل أكثر من إعلان تصريحات التنديد ورفض القرار الأمريكى والممارسات الصهيونية والتحذير من تبعاتها وفتح معبر رفح، فى اعتراف واضح بتراجع قدرات وإمكانات الدور المصرى فى دعم القضية الفلسطينية والتصدى لمحاولات تصفيتها، وهو تراجع ناتج دون شك عن الاستمرار فى نفس السياسات القائمة منذ توقيع اتفاقية السلام مع العدو الصهيونى وتراجع مصر عن مكانتها كقائد أساسى فى المنطقة، بل والمزيد من الإمعان فى مسار البحث عن السلام الدافئ والتطبيع الدائم.. لكن رغم ذلك كله فإن الفلسطينيين كالعادة يفاجئوننا برفضهم للصمت والإذعان للأمر الواقع، ومسيرات العودة التى استمرت لأكثر من شهر أكدت مجددا أن راية المقاومة التى يرفعها الشعب الفلسطينى فى ظل ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد وفى ظل افتقاد أى ظهير داعم رسميا ومتراجع للغاية شعبيا على المستوى العربى، تؤكد مرة أخرى أن الشعب الفلسطينى كان ولا يزال وسيبقى هو الرقم الصعب فى معادلة تصفية القضية الفلسطينية، ورغم التضحيات الكبيرة التى تسببت فيها آلة القتل الصهيونية بأكثر من 60 شهيدا وآلاف المصابين فى يومى 14 و15 مايو الجارى، فإن هذه الدماء ترفع مجددا من أولوية خيار المقاومة فى مواجهة سيناريوهات فرض الأمر الواقع الأمريكى والتجبر الصهيونى والإذعان والتواطؤ العربى.
لا يبدو العرب الآن فى موقف الضعف والعجز فحسب فى حقيقة الأمر، بل الشراكة بالتواطؤ والصمت، فلم نعد حتى أمام ممارسات مثل استدعاء السفراء الصهاينة لإبلاغ الاحتجاجات الرسمية، ولا التلويح حتى باستدعاء سفراء الدول العربية التى تقيم علاقات رسمية مع الكيان الصهيونى، ولا السماح بهامش من التظاهرات الشعبية التى قد تمثل نوعا من الضغط، بينما تنتشر المظاهرات المنددة بالقرار الأمريكى والمذابح الصهيونية فى مختلف عواصم العالم، وهو كله وغيره بغض النظر عن بيانات وتصريحات التنديد الرسمية والاجتماعات الطارئة التى لا تغنى ولا تسمن من جوع، مما يؤكد بشكل واضح أن الأخطر من التوجهات الأمريكية واستمرار الجرائم الصهيونية، هو الانخراط الرسمى العربى وربما لأول مرة بهذا الشكل وإلى هذه الدرجة فى محاولات تصفية القضية الفلسطينية وإخماد صوت وتحركات الشعب الفلسطينى، ولعل استمرار الترويج للحديث عن صفقة القرن والبحث البائس عن مقدمات ترضى القيادة والفصائل الفلسطينية للدخول فى مفاوضات حول تسوية نهائية، وبالتزامن مع التأكيد على عدم قدرة الدول العربية على التصدى لما يحدث أو مواجهته بأكثر من التنديد والتحذير، كل ذلك يعنى بوضوح أن الفصل الذى شهدناه منذ إعلان قرار ترامب فى ديسمبر الماضى وحتى افتتاح السفارة الأمريكية رسميا فى القدس بالتزامن مع جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطينى، ليس سوى بداية لفصول أخرى متوقعة خلال الشهور أو السنوات المقبلة، فى استمرار السعى للتصفية النهائية للقضية الفلسطينية، وإعادة رسم الأحلاف الجديدة فى المنطقة التى تجمع العرب إلى جوار الصهاينة جنبا إلى جنب.
لكن يبقى التحدى الرئيسى الذى يواجه الشعب الفلسطينى، ولا نقول فصائله فى ظل عدم الرهان على أى منهم فى حقيقة الأمر فى ظل الأوضاع القائمة والحسابات المعقدة التى تحكم أغلبهم، هو مدى قدرته على بلورة أجندة متواصلة للعمل المقاوم خلال الفترة المقبلة، وأن لا تكون مسيرات العودة التى تراجعت وتيرتها نسبيا سواء بسبب انتهاء الحدث المركزى وهو ذكرى النكبة أو الضغوط العربية على الفلسطينيين كما يتردد أو حتى الإنهاك تحت وطأة آلة العدوان الصهيونى، والأهم هو القدرة على إجبار الفصائل القائمة على خيار تجاوز الخلافات والتوحد تحت راية مشروع مقاوم جديد للشعب الفلسطينى لمواجهة سيناريوهات المرحلة المقبلة، أو فرز قيادة فلسطينية جديدة تستطيع تحمل أعباء وتحديات المواجهة فى المرحلة القادمة، ولعل القدرة على تحقيق تلك الأهداف ستمثل إشارة رئيسية على مدى قدرة الشعب الفلسطينى وقواه على تغيير المعادلات القائمة الآن، وذلك رغم غياب أى دعم عربى بل والتورط فى محاولات تصفية القضية والتآمر ضدها، وفى ظل تراجع الاهتمام الشعبى بدرجة واضحة تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية أو بسبب محاولات التشويه الدائمة والمستمرة للشعب الفلسطينى وقضيته النبيلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات