تسييس التاريخ

Foto

التاريخ هو تاريخ الحرب


التاريخ هو تاريخ الحرب، أم أنها الحرب على كتابة التاريخ؟ بالتأكيد، إنها حرب دائمة على صياغة التاريخ.

مَن يكتب التاريخ يمتلك مفاتيح الحاضر. يمتلك كل نظام سياسى منظومة قيمية ومعرفية وتصورًا لنفسه وللعالم، وسياسات اقتصادية وتحالفات دولية. وليقنع المواطنين الذين يقعون تحت إدارته، يسعى كل نظام إلى تطويع التاريخ وإعادة كتابته وتدريسه بحيث يتوافق هذا التاريخ مع المنظومة العامة التى ينتهجها هذا النظام، ففى مرة يكون أحمد عرابى سبب خراب البلاد بسبب الهوجة التى تسبب فيها، وفى مرة أخرى يصبح أحمد عرابى بطلاً وطنيًّا وثورته التى أجهضها المستعمر مع حليفه الخائن الخديوِ توفيق هى ثورة عظيمة.

وفى مرة يكون حزب الوفد ورئيسه مصطفى النحاس وَبَالاً على مصر، وفى مرة أخرى يكون النحاس باشا وحزب الوفد فى قلب مشروع ديمقراطى نهضوى تم قصفه فى يوليو 1952. الأمثلة لا حصر لها على إعادة صياغة التاريخ فى ما يطلق عليه استخدام المادة التاريخية لتزييف الوعى الجمعى.

ولو لا نريد استخدام كلمة تزييف يمكن استخدام كلمة «تسييس»، أى تسييس المادة التاريخية والنظر إليها من منظور آنى لأغراض سياسية. التاريخ سلاح حكومى استراتيجى لا يمكن الاستغناء عنه.. علبة الأوهام الذهبية، آلة إنتاج حالات الحنين، حرب الذكريات، والمنتصر الحاكم هو مَن يفرض الذكريات التى تناسب أحلامه. الساحة الرئيسية لهذه المعارك هى المقررات المدرسية لمادة التاريخ.

تتلخص أهداف هذه المادة منذ بداية القرن العشرين فى التالى: صناعة الوطن، تحديد معالم الهوية الوطنية، تأطير العلاقة الثقافية بين التلميذ والنظام السياسى القائم. فالتاريخ فى النهاية هو أخطر منتج ثقافى للإنسان. ما العمل -إذن- لمَن يريد أن يقرأ التاريخ وأمامه كل هذه الأفخاخ؟ مهمة شاقة ولا شك فى هذا فصندوق الأوهام ملىء بالخدع الذكية، والتلفيقات المركبة، والاختلاقات المحكمة.

كل معلومة تحتاج إلى تدقيق وشك وإعادة قراءة وتفكيك. نحتاج جميعنا إلى أن نعيد قراءة التاريخ فى الوقت الذى يقومون هم فيه بإعادة كتابته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات