.

لقد سددت تمثيليات ترامب فى القدس ضربة قوية للسلام

Foto

كيف يعرف المسؤولون الأمريكيون أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ينهى أى دور لأمريكا فى نشر السلام؟


ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»

 

فى يوم ١٤ مايو، تجمع كبار الشخصيات الإسرائيلية والأمريكية فى القدس للاحتفال بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب. وفى واشنطن، أعلن الرئيس دونالد ترامب: «فى الوقت الذى جعل الرؤساء السابقون هذا الأمر وعدا انتخابيا كبيرا، فشلوا فى التنفيذ. وإننى اليوم أنفذ».

وتبين أن هناك أسبابا جيدة وراء عدم نقل الإدارات الأمريكية السابقة للسفارة الأمريكية إلى القدس. ولم يكن ذلك، كما ادعا ترامب، لأنهم افتقدوا شجاعة معتقداتهم فى أثناء الحملة الانتخابية. ولم يكن لأنهم خشوا العنف، وإن كنا رأينا الكثير من ذلك خلال الأيام القليلة الماضية بمقتل عشرات الفلسطينيين وإصابة مئات آخرين فى اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية على طول حدود غزة.
بل كان لأن المسؤولين فى الإدارات الديمقراطية والجمهورية السابقة كانوا يعلمون أن الاعتراف بسيادة إسرائيل على القدس، بينما لن يأتى بأى شىء فى المقابل، يعنى أن الولايات المتحدة ستتخلى عن أى دور حقيقى لنشر السلام فى الشرق الأوسط. وهذا لأن وضع القدس قضية عاطفية جدا وينظر إليه منذ زمن بعيد، عن حق، كسؤال متعلق بالوضع النهائى يحل فى سياق اتفاق سلام إسرائيلى/ فلسطينى معمر. ولحسن الحظ، بالنسبة لأولئك المهتمين بتصحيح مسار السفينة الآن أو فى المستقبل، ربما يكون هناك طريقة لتحويل هذا الخطأ الاستراتيجى إلى فرصة.
أولا، بعض السياق. عندما جئت كمدير جديد للشؤون الإسرائيلية والفلسطينية بمجلس الأمن القومى فى مايو ٢٠٠٩، كانت إحدى مهامى الأولى السير فى إجراءات الرئيس باراك أوباما للإعفاء من قانون سفارة القدس، والذى أقره الكونجرس عام ١٩٩٥ وينص على نقل السفارة ما لم يوقع الرئيس إعفاء من هذا الشرط لتداعيات الأمن القومى. وكان التبرير وراء هذا الإعفاء متسقا منذ خدمتى كدبلوماسى أمريكى فى القدس فى عهد الرئيس جورج بوش الابن من ٢٠٠٢ إلى ٢٠٠٤. كان يعلم المسؤولون الأمريكيون أن الامتثال للقانون ونقل السفارة إلى القدس سيتناقض مع الموقف الأمريكى الثابت لفترة طويلة بأن وضع المدينة ينبغى أن يحل فى مفاوضات بين الطرفين.
وللتوضيح، لم يعتقد أحد أعرفه فى الحكومة الأمريكية بأن الوضع الراهن كان مثاليا. وكانت سياستنا تعنى أن الولايات المتحدة لا تعترف بأن مناطق رئيسية فى القدس الغربية -الكنيست وسكن الرئيس ومتحف ياد فاشيم- جزء من إسرائيل. وصدرت البيانات الأمريكية من المدينة من «القدس» دون بلد بعد ذلك، وكأن المدينة تسبح فوق نظام الدول الوطنية فى الشرق الأوسط.
ولكن، كما تجادلنا مع الكونجرس، تغيير هذا الوضع من دون اتفاق بين الطرفين قد يعطل جديا قضية السلام. وهذا لأن، بعد غزوها للجزء الشرقى من المدينة فى حرب ١٩٦٧، وسعت إسرائيل الحدود المحلية للقدس بشكل كبير ثم مررت بشكل أحادى قانونا يستولى فعليا على المدينة بأكملها فى ١٩٨٠. وعلى الرغم من الانتقاد والاستنكار الدولى من مجلس أمن الأمم المتحدة، بما فى ذلك من الولايات المتحدة، سرعان ما أعلنت إسرائيل أن المدينة هى عاصمتها «الأبدية غير المقسمة»، مستبعدة بذلك المطالبة الفلسطينية بعاصمة فى القدس الشرقية العربية.
ونظرا لهذا التاريخ، قررت سلسلة من صناع السياسات من كلا الحزبين فى إدارات متعاقبة أن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس سيكون بمثابة القبول بالسيادة الإسرائيلية على المدينة بأكملها وبالتالى يحكم مسبقا على أهم قضايا الوضع النهائى للصراع، وسيكون بمثابة تأييد المطالب الفلسطينية المتطرفة بشأن الحدود، على سبيل المثال، دون أى اتفاق مقابل على قضايا هامة لإسرائيل. ولتلك الأسباب، لم تفكر أى من إدارتى بوش أو أوباما جديا أبدا فى نقل السفارة من تل أبيب.
والآن قد رأينا كلفة التخلى عن مثل هذا الحذر. فمنذ أعلنت إدارة ترامب أنها ستنقل السفارة، رفض الفلسطينيون أى دور للولايات المتحدة كوسيط للسلام فى الشرق الأوسط. واضطرت الدول العربية التى تحاول إسرائيل تطبيع العلاقات معها تأكيد معارضتها القوية للسياسة الأمريكية والإسرائيلية، واشتبك آلاف الفلسطينيين مع قوات الأمن الإسرائيلية على الحدود فى غزة بضحايا متنامية.
وردا، قال ترامب إنه «أزال القدس من على طاولة المفاوضات» مشيرا إلى أن الفلسطينيين والعرب قريبا سيعتادون على ذلك. وسيتساءل الكثير من الفلسطينيين ما إذا كان يعرف أصلا مكان الطاولة. وعلى الرغم من عقود من السيطرة الإسرائيلية وإقامة المستوطنات عبر الضفة الغربية، لم تتغير المطالبة الفلسطينية بدولة على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية. وفى الوقت الذى لم يقترب فيه الفلسطينيون من دولتهم منعوا إسرائيل من تحقيق السلام والحياة الطبيعية التى تسعى إليها، وفى عالم الشرق الأوسط الصفرى هذا سبب كافٍ للمثابرة.
هناك أيضا خطر أن العالم قد يواجه شيئا أسوأ من مواجهة دبلوماسية. إذا استمرت التظاهرات فى غزة، قد يتنامى الضغط على الفلسطينيين فى الضفة الغربية وحتى فى القدس الشرقية ليحذوا حذوها، كما رأينا فى السنوات الأخيرة فى سيل هجمات السكاكين ثم الجرافات ضد المدنيين الإسرائيليين. وهذا فى المقابل قد يضع السلطة الفلسطينية، والتى عملت معها الولايات المتحدة وإسرائيل عن قرب لسنوات للحفاظ على الاستقرار فى الضفة الغربية، فى موقف لا يمكن الدفاع عنه بشكل متزايد.
ومع قيادة مسنة لا تحظى بشعبية كبيرة، ستجد السلطة الفلسطينية أنه من الصعب أن تقوم بوظيفة شرطى إسرائيل إذا حاول الفلسطينيون فى الضفة الغربية الدفع ما وراء نقاط التفتيش الإسرائيلية. وفى الوقت الذى أدانت فيه إسرائيل عن حق الخطاب المعادى للسامية الأخير لرئيس السلطة الفلسطينية عباس، لا تزال تسعى إلى دعمه على الأرض.
وفى أسوأ السيناريوهات، قد تتعرض حكومة الأردن، بما فيها من عدد كبير من السكان الفلسطينيين وبدورها التاريخى الخاص فى حماية مواقع المسلمين فى القدس، هى الأخرى إلى ضغط لتقلص تعاونها مع إسرائيل. وفى الوقت الذى يبدو فيه أن أغلب الدول العربية قد نفد صبرها بالفلسطينيين وعباس بشكل خاص، يدركون أيضا القوة العاطفية لهذه القضية بين مواطنيهم وسيحرصون على أن لا يبدوا على الجانب الخاطئ لصراع متصاعد. وباختصار، قد يعرض قرار ترامب الأحمق للخطر سنوات من العمل الشاق لضمان الأمن الإسرائيلى والإقليمى.
وللأسف، كما أظهر وزير الخارجية مايك بومبيو عندما حرفيا أدار ظهره لأسئلة الصحفيين عن الاشتباكات فى غزة، تبدو إدارة ترامب بكل سرور غير مهتمة بتداعيات تهورها. ولكن إذا تصاعد الوضع سريعا، حتى إدارة ترامب قد تحتاج إلى التفكير فى طرق لنزع فتيل التوترات.
وهناك على الأقل خيار واحد يمنح بعض الأمل: أن يُرحل الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين فى سياق معايير أمريكية أو دولية أوسع عن قضايا الوضع النهائى. وهناك نماذج كثيرة كتلك، بما فى ذلك «معايير كلينتون» لعام ٢٠٠٠ ومناقشات إيهود أولمرت ومحمود عباس عام ٢٠٠٨، وكلاهما تصور أن تشكل الأحياء اليهودية فى القدس عاصمة إسرائيل بينما تشكل الأحياء العربية عاصمة فلسطين.
وتصطف هذه الأفكار مع الواقع على الأرض. ففى نهاية المطاف، يقدم القليل من الإسرائيليين على دخول الأقسام ذات الأغلبية العربية فى القدس الشرقية ويدرك أغلب الإسرائيليين أن ما من سلام ممكن من دون سيادة فلسطينية على الأقل على أجزاء من المدينة. وكان سيترك للتفاوض ترتيبات البلدة القديمة ومواقعها المقدسة، وهى من بين أصعب قضايا الوضع النهائى. وفى شأن قضايا الوضع النهائى الأخرى، منعت معايير كلينتون ومناقشات أولمرت/ عباس فعليا حق اللاجئين الفلسطينيين فى العودة إلى إسرائيل، وطرحت تعديلات لحدود ١٩٦٧ اعتبارا لمخاوف أمنية إسرائيلية ولوجود مستوطنين إسرائيليين، ووضعت ترتيبات أمنية لتخفيف المخاوف الإسرائيلية بينما تحافظ على الكرامة الفلسطينية.
ولا ينبغى أن يتوقع أحد أن يقبل الطرفان بهذه المعايير، وبالتأكيد فى ظل قيادتهما الحالية. ولكن طرحها صراحة، فى قرار لمجلس أمن الأمم المتحدة على نحو مثالى، من شأنه الكشف عن ما إذا كان الطرفان مستعدين للتنازلات المطلوبة للسلام لتتم ممارسة الضغط عليهما فى حال عدم استعدادهما. وكان هذا هو الحال مع قرار مجلس أمن الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ الذى قدم معادلة الأرض مقابل السلام الأصلية، والتى تم رفضها من قبل الفلسطينيين والدول العربية إلى أن تم قبولها فى النهاية عام ١٩٨٨. وربما يكون الشىء نفسه حقيقى الآن مع اختلاف أن الهدف سيكون اتفاق سلام شاملا بدلا من بداية عملية سلام. وعلى الأقل، طرح مثل هذا الإطار قد يستعيد قدرا ما من الثقة فى أن المفاوضات بإمكانها إحراز تقدم واستباق العنف.
وبعيدا عن تعظيم احتمالات الوصول إلى «الاتفاق النهائى»، دفعت إدارة ترامب بالولايات المتحدة فى واحدة من أعقد مشكلات المنطقة وقامت بالقليل للدفع بقضية السلام. وربما لا يزال ممكنا تحويل هذه المشكلة إلى فرصة قبل أن تسوء بالمزيد من العنف تاركة فوضى دبلوماسية للتعامل معها الإدارة الأمريكية التالية.

 

———

بريم جى. كيومار
الشريك بمجموعة أولبرايت ستونبريدج، وكان مديرا مسؤولا عن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى مجلس الأمن القومى الأمريكى بين عامى ٢٠١٣ و٢٠١٥، وخدم كدبلوماسى أمريكى فى القدس بين عامى ٢٠٠٢ و٢٠٠٤.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات