.

آليات جذب الناخبين لـ«الرئاسية»..وكيف تتم إدارة الملفات السياسية فى مصر؟

Foto

هل الإعلام يقوم بدوره كما ينبغى فى سباق الانتخابات؟


لا يزال مشهد الانتخابات الرئاسية فى مصر يسوده الغموض رغم أن إغلاق باب الترشح لم يتبقَّ عليه سوى بضعة أيام، ومع ذلك فإن عدد المرشحين المحتملين لا يزال قليلاً للغاية، ولا يبدو أن هناك أى مرشح جدى باقٍ على الساحة الآن، بخلاف الرئيس السيسى، سوى الفريق سامى عنان الذى أعلن ترشحه قبل أيام.


إلا أن الأهم من أسماء المرشحين هو طريقة تعامل الدولة المصرية مع الانتخابات، فأجهزة الدولة تتعامل مع الانتخابات وكأنها محاولة سطو على حق الرئيس فى البقاء فى السلطة، والأغرب أنها تقوم بذلك بطريقة شديدة الفجاجة، ومكشوفة للغاية، ولا تحاول حتى تجميل ما تفعله.


فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ تقوم أجهزة الدولة بحشد موظفيها بالأمر لعمل توكيلات للرئيس، رغم أنه من المعروف للجميع أنه يستطيع بسهولة جَمع التوكيلات اللازمة لخوض الانتخابات، وهو أمر له انعكاسات سلبية واضحة، ليس فقط على العملية الانتخابية وسلامتها وجدواها فى عقول الناس، ولكنها تؤثر حتى فى رأيهم فى السيسى نفسه، سواء قاموا بعمل هذه التوكيلات أم لا، فمن المفهوم أن ممارسة الضغط والتهديد على المواطن حتى لو جاء بنتيجة وقتية جيدة بالنسبة لمَن يمارس الضغط، فإن المواطن يقتنع بأن نتيجة الانتخابات لم تكن نتيجة قراره الحر فى النهاية، وهو أمر معناه فقدان الثقة فى النظام السياسى ككل، ونتيجته على المدى البعيد هى اعتبار النظام يستمد شرعيته من الأمر الواقع وليس من الناس، وبالتالى يكون من الطبيعى أن يتخلى عنه الناس فى أى لحظة.


يحتاج أى مرشح رئاسى فى انتخابات ديمقراطية إلى استخدام آليات الإقناع لجذب الناخبين لصالحه باعتبار أن الإقناع هو أساس المنظومة الديمقراطية، بينما تقوم النظم السلطوية على آلية التهديد أو الأمر.


ولا يمكن فصل الرئيس عن هذا الاتجاه؛ لأنه ببساطة يصرح بنفس المضمون، فالرئيس عندما أعلن ترشحه، لم يعلنه فى مؤتمر انتخابى مع حملة انتخابية تستعرض إنجازاته السياسية، بل فى مؤتمر شبه حكومى، والأهم أن تصريحات الرئيس نفسها كان الجانب السلطوى فيها واضحًا بشكل جلى؛ فالرئيس -مثلاً- عندما يتحدث عن أنه لا مانع عنده من أن يختار الشعب بين مجموعة من (الأفاضل)، ولكنه سيتصدى وسيمنع دخول (الفاسدين) فى المنافسة، فإنه ينصّب من نفسه ببساطة خصمًا وحكمًا وقاضيًا وجلادًا فى الوقت نفسه، فمن البديهى أن تحديد الفاسدين ليس مسؤولية الرئيس، بل هو مسؤولية القضاء بعد تحقيقات وأوراق ودفاع وأحكام قضائية، ويضع الرئيس نفسه، فى هذه الحالة، فى مأزق؛ لأن السؤال الطبيعى هنا: إذا كنت تعلم أن شخصًا بعينه فاسد، فلماذا قمت بالسكوت عن فساده بدلاً من تحريك دعوى قضائية ضده باستخدام ما يثبت فساده؟ وإذا لم يكن لديك ما يثبت فساده، فكيف يحق لك أن تصدر حكمًا بشأنه؟ وكيف تستطيع -إذن- أن تمنع الناس من قبوله سياسيًّا دون دليل؟ وإذا فرضنا بالفعل أنه متأكد ولكنه لا يملك الدليل، فما معنى هذا الكلام سياسيًّا؟ المعنى الوحيد لهذا الكلام هو أن مَن يعرف الفاسدين يسمح لهم بالفساد، أو -على الأقل- يغض الطرف عن فسادهم، حتى يكون لديه ما يستخدمه ضدهم عند الحاجة، وهى كلها معانٍ تسىء للرئيس مهما كانت الطريقة التى نفهمها بها، ولكن من الواضح أن الرئيس وفريقه لا يشغلون بالهم بهذا، وأن كل ما يعنيهم هو «تقفيل» الانتخابات بأى شكل وبأى طريقة.


ورغم أن الرئيس لم يذكر اسمًا معينًا، فإننا نستنتج بالضرورة أنه يقصد أحد اسمَين، أحدهما أعلن ترشحه فى ظروف غامضة ثم سحب ترشحه أيضًا فى ظروف أكثر غموضًا، والآخر أعلن ترشحه مؤخرًا، وهما الفريق أحمد شفيق، والفريق سامى عنان.


وأيًّا كان مَن يقصده الرئيس، فإن طريقة تعامل الدولة معه تشى بالكثير من عدم الاحترافية، فالفريق شفيق ظل لسنوات خارج مصر دون رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول، رغم أنه لم تكن هناك قضايا منظورة ضده، والفريق عنان يكاد يكون العسكرى الوحيد الذى تم تسريب تسجيل له فى أثناء شغله منصب رئيس الأركان، ليُذاع على الهواء فى برنامج على قناة مصرية دون أن تتم محاسبة مَن أذاع التسجيل، رغم أنه مفهوم بالضرورة أن أحدًا لا يستطيع إذاعة مثل هذا التسجيل دون أن يتعرض لمحاسبة قانونية شديدة من القضاء العسكرى قبل المدنى إلا لو كانت إذاعته تمت بالأمر، وهذا بالطبع بخلاف نقطة أخرى وهى مَن يستطيع أن يسجل لرئيس الأركان أصلاً؟


ومن جهة أخرى، فالدولة اجتهدت لنفى تسجيلات مسرَّبة مزعومة لأحد ضباط الأجهزة الأمنية، ثم إذا بها تؤكد، على لسان الرئيس نفسه وفى كل تصرف، مضمون التسجيل فى حالة تكشف العجز حتى عن إدارة الملف باحترافية سياسية، سواء داخل الإطار القانونى أو خارجه.


والمحصلة التى نستنتجها من هذا كله أن الإعلام لا يقوم بدوره فى كشف الحقيقة كما ينبغى، ولا دولة القانون مُفعلة كما ينبغى؛ والسبب فى هذا كله أن إدارة الملفات السياسية كلها تتم عن طريق أشخاص سلطويين لا يقيمون اعتبارًا للقوانين عند اتخاذهم أى قرار، وأيًّا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية بعد كل ما جرى ويجرى، فإنه يمكننا اعتبار كل المواطنين خاسرين وكل المرشحين خاسرين، لتكون النتيجة الحقيقية للانتخابات هى «لم ينجح أحد».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات