.

لعبة سد النهضة.. مباراتان منفصلتان نتيجتهما مرتبطة

Foto

لماذا لا يوجد تغيير حقيقى فى مفاوضات سد النهضة؟ كيف لم تصل وثيقة المخرجات إلى حل لأساس الأزمة؟


وسط حالة من الفرح والشعور بالانتصار، تم الإعلان عن الاتفاق مؤخرا بين مصر والسودان وإثيوبيا فى قضية سد النهضة، والذى كانت نتيجته المعلنة هى وثيقة المخرجات المتفق عليها.

وبالتأكيد إن الاتفاق يعد عموما خطوة إيجابية، خصوصا بعد نقطة الجمود التى تجمد فيها الأمر قبل الاتفاق الأخير بأربعين يوما عندما تم الإعلان فى اجتماع وزراء الخارجية والرى والمخابرات فى الدول الثلاث عن فشل المفاوضات.
على أن النظرة المتفحصة تجعلنا نتشكك فى وجود تغيير حقيقى، فوثيقة المخرجات تم الاتفاق فيها على دورية انعقاد قمة الرؤساء الثلاثة كل ستة أشهر، والاتفاق على إنشاء صندوق الاستثمار المشترك، فضلا عن تشكيل مجموعة علمية مستقلة لتحقق التقارب حول السد بالإضافة للاتفاق على توجيه ملاحظات الدول إلى المكتب الاستشارى بشأن التقرير الاستهلالى.
وفى الواقع فإن هذه بالطبع لم تكن نقاط الخلاف التى تسببت فى فشل المفاوضات ولا هى مهيأة لتكون مثار خلاف، فمن الذى سيعترض على إقامة قمة دورية أو إنشاء صندوق مشترك! المهم أن الوثيقة لم تصل طبعا إلى حل القضية الأساسية للخلاف المتعلقة بعدد سنوات ملء السد، ولا يبدو بهذه الطريقة الغريبة من المماطلة أننا سنصل أصلا إلى اتفاق فمن الواضح أن إثيوبيا تلعب على كسب الوقت وأن السودان يستفيد ليس فقط من السد مستقبلا بل من الضغط على مصر لتحقيق مكاسب فى قضايا الخلاف الأخرى وأهمها قضية حلايب واتهامات السودان لمصر بدعم الحركات المسلحة فى دارفور وأطراف فى المعارضة السودانية عموما.
لدى مصر الكثير من مسببات القلق من تصرفات السودان سواء فى موضوع سد النهضة أو موضوع استضافة السودان لبعض المنتمين للإخوان المسلمين من مصر وذلك بالنظر لطبيعة نظام البشير أصلا، أو بمحاولة الضغط على مصر اقتصاديا بمقاطعة منتجاتها، أو محاولة السودان بناء تحالفات مقلقة لمصر أو تهدد أمن البحر الأحمر وبالأخص عن طريق المحور التركى القطرى كما ظهر فى ضيق مصر من موضوع بيع جزيرة سواكن إلى تركيا والذى أثير فى أثناء زيارة أردوغان إلى السودان.
وبخلاف محاولة الضغط على مصر يسعى السودان لتحييد مصر عن بقية حلفائها من خلال مشاركته مع السعودية والإمارات فى حرب اليمن، وربما يريد السودان من ذلك بخلاف المساعدات المالية استمالة السعودية بعد أن كان اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية إقرارا بموافقتها على وجهة النظر المصرية فى مسألة حلايب.
وفى المقابل فمن الواضح أن مصر تتبع سياسة النفس الطويل مع السودان على الأقل فى العلن، ومن أكثر المواقف التى ظهرت فيها سياسة النفس الطويل هذه هو الموقف المصرى غير الانفعالى بعد استدعاء السودان لسفيره فى مصر للتشاور أوائل يناير، فقد غاب السفير عن مصر شهرين ولم تتخذ مصر مواقف تصعيدية مماثلة علنا على الأقل.
وفى الواقع فإن هناك محاولات سودانية تكاد تبدو واضحة لاستفزاز مصر خلال الشهور الماضية.
ففى فبراير 2017 أثار السودان قضية حلايب وهدد البشير باللجوء لمجلس الأمن بشأنها، وفى مارس أودع السودان إعلانا لدى الأمم المتحدة كمذكرة اعتراض تضمنت القرار الجمهورى السودانى بتحديد نقاط الأساس للسودان متضمنا مثلث حلايب وشلاتين، وبالطبع فإن هذه الإجراءات مفهومة فى حد ذاتها من الجانب السودانى ولا تعتبر استفزازية بالنظر لوضعية النزاع الحدودى بين البلدين، ولكن ربما يكون غير المفهوم هو السبب فى إثارتها بشكل مكثف مؤخرا رغم أن عمرها أكثر من ستين عاما وإجابة السؤال مرتبطة غالبا بمحاولة استغلال موضوع سد النهضة.
ولكن إذا تركنا قضية حلايب التى يمكن فيها تفهم التصرفات السودانية فإن محاولات السودان لاستفزاز مصر لم تتوقف عند هذا الحد.
ففى أبريل ومايو من العام الماضى أثار السودان أزمة بشأن دخول المواطنين المصريين إلى السودان قبل أن يعلن عن نظام معاملة بالمثل ومنع المصريين دون الخمسين من الدخول دون تأشيرة.
وفى أواخر مايو عاد البشير ليتهم مصر بدعم المعارضة المسلحة فى دارفور عبر الحديث عن إحباط السودان لهجوم عسكرى انطلق من ليبيا باتجاه السودان واستخدمت فيه مدرعات مصرية، ثم فجأة أعلن السودان حظرا على استيراد السلع الزراعية والحيوانية من مصر.
ومع إعلان مقاطعة قطر بدا أن السودان يحاول دراسة موقفه حيث صرح فجأة وزير الإعلام السودانى تصريحا نادرا قال فيه إنه يدعم مصر فى ملف سد النهضة، وإن «قناة الجزيرة تتمسك بخط إعلامى واضح هو إسقاط النظام وإثارة الفوضى فى مصر، وهذا خطأ لن نسمح به» ولكنه لم يلبث لاحقا أن قال إن هذا هو رأيه الشخصى.
ثم عاد السودان للتصعيد بحديث وزير خارجية السودان السابق فى نوفمبر الماضى لقناة روسيا اليوم والذى قال فيه إن مصر كانت تأخذ حصة السودان من المياه.
وفى ديسمبر زار أردوغان الخرطوم، وأثير موضوع مشروع جزيرة سواكن واعتبرت مصر أن ما يجرى هو فى إطار خطة للتآمر عليها.
وفى أوائل يناير استدعى السودان سفيره ووصلت الأمور بين البلدين إلى ذروة الخلاف وعادت الأمور لتهدأ تدريجيا، وفى أوائل مارس عاد السفير السودانى إلى القاهرة ثم جاء البشير لزيارة القاهرة.
ومن غير المفهوم فى هذا السياق لماذا أقال البشير رئيس المخابرات السابق محمد عطا المولى بعد ثلاثة أيام فقط من الاجتماع الرباعى الذى ضم وزيرى الخارجية والمخابرات من مصر والسودان؟ ولماذا أقال وزير خارجيته إبراهيم غندور بعد أقل من أسبوعين من اجتماع وزراء الرى والخارجية والمخابرات فى البلدان الثلاث فى أوائل أبريل؟
وعلى الجانب الآخر كان تغيير رئيس المخابرات المصرية قد تم فى ذروة الخلاف أيضا بعد أسبوعين من سحب السودان لسفيره، وقبل يوم واحد من زيارة رئيس الوزراء الإثيوبى ديسالين للقاهرة.
بالطبع قد تكون هذه التغييرات لأسباب أخرى داخلية أو صحية، ولكن تزامن التغييرات دائما مع أمور تتعلق بالملف السودانى بالنسبة لمصر أو المصرى بالنسبة للسودان يبدو غريبا.
الخلاصة أنه من الواضح أن لعبة سد النهضة تلعب فيها مصر وإثيوبيا بالأساس بينما يقف السودان كمتفرج، ولكن تشجيعه المستمر فى هذه اللعبة لصالح إثيوبيا قد يتأثر باللعبة الأخرى التى تلعب فيها مصر مع السودان منفردين ونتيجتها ستكون مؤثرة جدا على المشهد النهائى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات