.

Gracias España por la serie de Ramadán.. شكرا إسبانيا على مسلسلات رمضان!

Foto

هل أصبحت فورمات الدراما الإسبانية ظاهرة فى مسلسلات رمضان؟ لماذا نبحث عن حكايات مصرية من الأربعينيات فى أعمال لاتينية؟


من الواجب توجيه الشكر العميق للدراما التليفزيونية الإسبانية، أولا لأنها دراما تجتهد فى تطوير نفسها، ولقدرتها على صناعة حبكات محلية أصيلة وجذابة، ولقدرتها على تجاوز جمهورها المحلى، والوصول إلى المشاهد العالمى، وأخيرا، لأنها نجحت فى أن تكون ضيفا أساسيا فى مسلسلات رمضان، وخارج رمضان أيضا. لا تعرض القنوات التليفزيونية المصرية المسلسلات الإسبانية مترجمة، بل تقتبسها وتنهل من قصصها وحكايتها، فى ما أصبح يُعرف حاليا بالفورمات الإسبانى، وهو تعبير أنيق وجديد للمصطلح القديم وهو التمصير.

أولى حجج ومبررات صُناع الدراما حول الاقتباس أنه أمر مشروع تماما، وموجود فى كل العالم، وسيتحمس السيناريست المصرى ويشمر هو وفريق ورشته أكمامهم قائلين إن هوليوود نفسها تقتبس من الدراما الإسبانية والفرنسية والنرويجية والدانماركية وغيرها، «إشمعنى إحنا؟»، وهذا حق يراد به باطل.
نحن لا نجيد المقارنات فى مصر فى أى مجال، إلا فى مجال تبرير الفشل، وفقر الإبداع، وقبل أى مقارنة مع هوليوود يجب أن نسأل كم مسلسلا تنتجه الولايات المتحدة كل عام؟ حسب إحصائيات مؤسسة نيلسون الأمريكية، وهى أكبر وأدق جهة إحصاء تتابع الميديا الأمريكية، وتقيس نسب المشاهد، تعرض الولايات المتحدة فى المتوسط 1500 مسلسلا سنويا، ثلثها تقريبا مأخوذ عن نصوص أصلية مكتوبة خصيصا للتليفزيون، والباقى إما مقتبس من روايات وكتب ومقالات، أو إعادة لأعمال درامية قديمة، وإما مأخوذ عن أعمال أجنبية، ويضم الإحصاء المسلسلات غير الأمريكية التى تعرضها شبكات الكيبل ومنصات المشاهدة من خلال الإنترنت.
نحن نتحدث هنا عن صناعة دراما تحتاج إلى مئات الأفكار والسيناريوهات لإنتاج عدد ضخم للغاية من المسلسلات سنويا، وهى تعتمد أولا على كاتب السيناريو الأمريكى، وتقتبس الروايات والحكايات الأمريكية، ثم تغطى عجز الأفكار والسيناريوهات باللجوء لأمركة أفكار مسلسلات أجنبية ناجحة.
هل ننتج فى مصر هذا الكم الكبير من المسلسلات؟ وهل نحتاج لتغطية هذا الكم باللجوء لتمصير حكايات مسلسلات إسبانية ومكسيكية وكولومبية وأرجنتينية وتركية وهندية؟
الأمر إذن ليس صواب الاقتباس من عدمه، بل جعل الاستثناء قاعدة، وتبرير الاستسهال، وهذا جزء من خلل منظومة الإنتاج الدرامى عموما؛ ففى حين تسعى الدراما الأجنبية لمنح الفرص للممثلين صغار السن، نجد الدراما المصرية ترسخ لنجومية الممثلين كبار السن، وتخشى الصغار، وهذا لاعتماد الدراما على نظرية النجم أهم من العمل نفسه، والنجم صاحب رصيد النجاح أولى من مغامرة تقديم ممثل جديد بلا رصيد، وحينما تُختار أعمال درامية أجنبية ناجحة لتمصيرها فهى تفعل نفس الشىء، المسلسل الإسبانى الذى نجح فى إسبانيا وأوروبا يضمن بنسبة كبيرة النجاح لدى المتلقى العربى، بعد تمصيره، كما حدث فى حالة مسلسل «جراند أوتيل»، الذى لم ينجح فقط فى وضع الدراما الإسبانية كمصدر أساسى لشركات الإنتاج، بل نجح أيضا فى كسر حاجز كان يخشاه صُناع الدراما طويلا، وهو تقديم حكايات تدور أحداثها فى فترة الأربعينيات والخمسينيات، ومع نجاح مجموعة العمل فى رسم صورة جميلة لفخامة تلك الحقبة بأزيائها وتسريحاتها وديكوراتها أصبح الطريق ممهدا لتركيبة الدراما الرومانسية الاجتماعية التى تدور فى زمن يختلف بتفاصيله عن الزمن المعاصر.
فتح العمل شهية كتاب الدراما لهذا الزمن، ولكنهم لم يفتحوا روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وغيرهم من الكتاب الذين تناولوا حقب الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ورصدوا تفاصيلها الاجتماعية والإنسانية، بل فتحوا التليفزيون الإسبانى، وبحثوا عن مسلسلات شبيهة بمسلسل «جراند أوتيل»، ووجدوا مسلسلا بعنوان «Acasia 38» وهو المسلسل الذى تمصر تحت عنوان «ليالى أوجينى»، وأخرجه هانى خليفة، وشارك فى كتابته إنجى القاسم التى شاركت فى كتابة «طلعت روحى»، و«حلاوة الدنيا»، وسماء عبد الخالق، التى شاركت فى كتابة «حلاوة الدنيا»، «هبة رجل الغراب»، وجميعها مأخوذ عن مسلسلات لاتينية، وأضافا لمسيرتهما «ليالى أوجينى»، وهو من بطولة ظافر عابدين وأمينة خليل، وتدور أحداثه فى حقبة الأربعينيات، ويتم تقديم هذا الزمن فى إطار رومانسى يحمل احتفاء بتفاصيل الأماكن والأزياء وأسلوب الكلام والانفعالات التى تعبر عن أجواء هذا الزمن، ومن الواضح التأثر بالصورة التى كانت تقدمها أفلام السينما القديمة، وهو مصدرنا الوحيد لصورة هذا الزمن، وأسلوب حياة وكلام أشخاص هذا الزمن.
البحث والتنقيب فى حكايات الزمن القديم بدأ مصريا خالصا، حينما قدمت الدراما مسلسل «ذات» عام 2013، المأخوذ عن رواية «بنت اسمها ذات» للروائى صنع الله إبراهيم، وروى المسلسل حكاية فتاة من مواليد الخمسينيات، ومن خلال حكايتها تابعنا التغيرات الاجتماعية التى مرت بها البطلة خلال 50 عاما، وجذب المسلسل الأجيال القديمة، بما مثله لهم من حنين للماضى، وجذب الأجيال الشابة بما عرضه من أجواء زمن سمعوا عنه ولم يعاصروه، ثم فجأة قررت الدراما البحث عن مزيد من حكايات الماضى، ولكنها قررت استيرادها من الخارج، بدلا من البحث فى حكايات مصرية قديمة، وتاريخ مصر المعاصرة ثرى للغاية، ولكننا نتكاسل عن استحضاره وتقديمه فى الدراما.
شاهدنا فى العام الماضى مسلسل «حلاوة الدنيا»، المأخوذ عن المسلسل المكسيكى Terminales، والعامل الأكثر تأثيرا كان تناوله حكاية مريضة بالسرطان، وجسدت الشخصية هند صبرى، وجسد البطولة أمامها ظافر عابدين، فى دور مريض بورم فى المخ، ورغم الصورة المأساوية لظروف الشخصيات الرئيسية، كانت مساحات الرومانسية والبهجة تطغى على مساحات الحزن والألم فى المسلسل، وكانت الخلطة الدرامية صعبة، لكن المسلسل نجح فى تقديمها، والمسلسل تأليف ورشة كتابة بإشراف السيناريست تامر حبيب الذى قدم قبلها مسلسل «طريقى»، بطولة شيرين، وهو عن حكاية صعود مطربة شابة لعالم الشهرة، وهو مأخوذ عن قصة حياة المطربة الكولومبية هيلينسيا فرجاس، التى قدمتها الدراما الكولومبية فى مسلسل بعنوان La ronca de oro «صوت الحرية».
بعد أن فتح مسلسل «حلاوة الدنيا» الباب للتعامل مع حكايات تتناول مرض السرطان، لم تتوجه الدراما لحكايات من الواقع المصرى، الملىء بكثير من الحكايات التى تصلح لتقديمها دراميا، بل اختِير مسلسل إسبانى بعنوان Polseres vermelles لتمصيره بعنوان «شريط أحمر»، ويتناول حكاية مجموعة من المراهقين المصابين بالسرطان فى قالب اجتماعى كوميدى.
قبل رمضان بأيام قليلة انتهى عرض مسلسل «كأنه إمبارح»، وهو دراما عن محاولة والدين العثور على ابنهما المفقود، بطولة رانيا يوسف، وأحمد وفيق، وكتابة ورشة تحت إشراف مريم نعوم ونجلاء الحدينى، وإخراج حاتم على، وأكرم فريد، والمسلسل مأخوذ عن المسلسل الإسبانى El regreso de Lucas «البحث عن لوكس»، وهناك العديد من الأعمال المقتبسة عن الدراما الإسبانية التى تعرضها قنوات التليفزيون خلال العام، ويبدو أن حكايات السيناريست المصرى لم تعد جذابة بما يكفى، ودخلنا الآن فى مرحلة الدراما المصرية بالنكهة الإسبانية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات