.

نخل السوالم

Foto

الطريق كله تنيره الأعمدة.. لكن هناك عمودين فى المسافة بين أول وآخر نخلة كلما ركبوا لهما «لمبات» تكسرت سريعا.. هى تتكسر بفعل الهواء الشديد وقرب اللمبات من جريد النخل


يفصل بين المكان الذى كنت أعيش فيه والقرية نحو كيلومتر، طريق تحفه الحشائش والزراعات من الجانبين، ورغم قصر الطريق إلا أنه يبدو للسائر فيه طويلا وفى بعض الأحيان مملا، خصوصا حين تمشى فيه وحيدا.

عرفت أن المسافة تبلغ كيلومترا وقت أن رصفوا الطريق، بعد أن كان ترابيا، فقد شاهدتهم هذا اليوم وهم يقيسون الطريق من أوله عند القرية، وحتى السكك الحديدية التى ينتهى إليها، قاسوه بطريقة غريبة -بالنسبة لطفل- حيث كان لديهم «متر» طوله 100 متر، يمسك أحد الأشخاص ببدايته والآخر بنهايته، ويقيسون المئة متر، ثم يتحرك من يمسك بالبداية إلى الأمام حتى يصل إلى الواقف فى نهايته، ليبدأ فى التحرك إلى نقطة نهاية أخرى.. وهكذا حتى تم احتساب المسافة.
يتوسط هذا الكيلومتر عدد كبير من أشجار النخيل، الشجر والحشائش يحيطان بالطريق من بدايته منذ زمن، لكن، «النخل»، كان فى وسط المسافة تقريبا، 20 يصطفون على الطريق من الجانبين، يصنعون ظلا نهارا، وظلاما دامسا وأشباحا مخيفة بالليل، على الجانب الأيمن للقادم من القرية إلى مكان سكننا، وبجوار النخل، كانت أراضى زراعية تمتلكها عائلة كبيرة، تدعى «السوالم»، وهى عائلة لا علاقة لها بكل «السوالم» ممن ظهروا فى مسلسلاتنا المصرية، لكن يبدو أن اسم العائلة كان براقا إلى الحد الذى كانت كل مدينة فى الصعيد بها عائلة تحمل نفس الاسم.
أطلق الجميع على النخل «نُخل السوالم»، وهم أيضا، احتلوا المكان تقريبا، فالطريق على شفا أرضهم تماما، وساقيتهم أيضا محاذية إلى الطريق يفصل بيها وبينه شريط من القصب.
إلى جوار النخل، كان يجلس دائما شخص اسمه «عبد الرسول»، كان الاسم وأنا صغير يثير دهشتى وأنا قليلا ما أندهش، فكيف له أن يعبد الرسول، وحينما علمت بعد ذلك أن العائلة بها أيضا من يدعى «عبد النبى» فهمت أخيرا أن هذه أسماء ليس إلا، أصبح عبد الرسول صديقا لى على مدار سنوات، كان ينتظرنى وقت عودتى من المدرسة بـ«البلح»، أجلس معه قليلا وأحكى له ما حدث فى المدرسة على مدار اليوم، نضحك، ثم أتركه على وعد بلقاء جديد، كنت أنا مصدر معلوماته عن العالم، عن كل شىء تحديدا، فلم يذهب هو للمدرسة أبدا.
نهارا كانت النخل ظلا لكل مار بالطريق فى أيام الصيف الحارة، كان البعض يتخذ المكان استراحة وسط الطريق حتى يكمل المسير فى الشمس، فالأرض الزراعية تحيط بالطريق والنخل من كل جانب، والفلاحون يعملون بالأراضى نهارا، وفى ساعة الراحة يحملون فؤوسهم ويجلسون إلى جوار النخل وتحته، يستظلون بها، وبعضهم يتناول طعامه، وآخرون يشعلون النيران ليصنعوا «شايا على الركية».
فى الليل، النخل يعانق بعضه، ويهيأ للمار بالطريق أنها بداية الدخول إلى المجهول، النخل والأشجار والقصب والزرع يتكاتفون معا لصنع حلقة من الرعب الكامل، تصنع الأشجار وحركة الأوراق والأفرع وجريد النخل، أصواتا، تبدو لمن فى قلبه ذرة من خوف، أنها أشياء أخرى، غير أنها أصوات للشجر.
من هنا بدأت أسطورة «نخل السوالم»، الظلمة والحكايات والأصوات التى يسمعها البعض ويحكى عنها، حولت المكان الذى يلجأ إليه الناس فى النهار طلبا للونس والظل وهواء الزرع إلى مصدر هلع للجميع، الصغار مثل الكبار.
الطريق كله تنيره الأعمدة، لكن هناك عمودين فى المسافة بين أول وآخر نخلة، كلما ركبوا لهما «لمبات» تكسرت سريعا، هى تتكسر بفعل الهواء الشديد وقرب اللمبات من جريد النخل، لكن صانعى الأسطورة كان رأيهم دائما أن هذا يحدث بسبب «العفاريت» التى تسكن «نخل السوالم» والتى على كل مار من المكان ليلا أن يأخذ باله واحتياطه منها وأن لا يلتفت إلى يساره أو يمينه حتى آخر نخلة.
وهكذا أصبح يدخل السائر فى الطريق ليلا إلى مغارة «نخل السوالم» يمشى سريعا إن كان على قدميه، وأسرع إن كان بدراجته، ومنطلقا إن كان يركب سيارة، لكى تمر هذه الأمتار القليلة من مجمل طريق الكيلومتر بأسرع وقت ممكن، الكل يريد أن لا تطاله عفاريت «نخل السوالم» التى ضربت فلانا بالقلم، وخبطت فلانا فوق رأسه، وجعلت «البلح» يتساقط على فلان.
حكى لى ابن عمتى يوما، عن أخيه المعروف بيننا بخوفه الشديد، أنه كان عائدا ذات مرة من الجامعة ليلا، ودائما ما يركن دراجته بجوار موقف السيارات لكى يركبها إلى المنزل، وفى هذه الليلة التى كانت مظلمة ككل الليالى التى تمر على هذا الطريق سمع صوتا وهو يقترب من النخل، فما كان منه سوى أن وقف مكانه وتسمر، وما إن زاد الصوت، حتى ترك دراجته وظل يجرى إلى الوراء حتى وصل إلى القرية نفسها، وصل إلى «النور» كما يقولون، وهناك بات ليلته حتى الصباح.. وحينما عاد إلى المنزل فى «النور» وجد دراجته مركونة إلى جوار إحدى النخلات، فلم يستطع أن يقترب منها ويأخذها معه، حتى عاد أخوه بها بعد ذلك.. لم أصدق ما قيل رغم صدق القائل.
بعدها بأيام كنت أركب دراجتى، أمشى هادئا كالعادة مستغلا الطريق فى تضييع الوقت، لكن لم أعرف لم هذه المرة بالذات، وبينما أدخل إلى الظلام المجهول، سمعت أصواتا عالية، وشىء أمامى يرتفع لأعلى، فما كان منى إلا الإسراع بالدراجة إلى أقصى حد، حتى وجدت نفسى مدفونا وسط كوم كبير من الرمال ولا أثر للصوت.
لعنة نخل السوالم التى طالما سخرت منها أصابتنى على ما يبدو.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات