.

على سليم البدرى

Foto

أنا لم أحب زهرة ولم أكن متعاطفًا معها كثيرًا.. وكنت أرى أن ما يميزها فقط هو أن علِى البدرى يحبها لكنها هى لا تستحقه سواء علِى الثائر البرىء أو حتى علِى رجل الأعمال الجشع


أسامة أنور عكاشة.. هذه هى الحكاية، ليست حكايتى معه شخصيًّا، أنا لم أقابله يومًا ما، ولكن هو الحكاية الرئيسية فى وجدانى، هو الذى استطاع أن يكون جزءًا من شخصيتى، كما أراد أن يكون طرفًا فى حياة كل مشاهدى شخصياته، كل أحلامى كانت مرتبطة بشخصيات هذا الكاتب الكبير، لا أعرف لماذا لم أختَر غير شخصياته، أحلم بها وأتمنى أن أكون مثلها.

حكايتى الأولى كانت مع علِى سليم البدرى.
نعم هو علِى البدرى الذى أدى دوره الفنان الجميل الراحل ممدوح عبد العليم، كانت هذه الشخصية لفترة جزءًا من حكايتى الداخلية الصغيرة مع مئات الأسئلة التى لا أعرف لها إجابة، ومع كل مشاهدة عبر مراحل عمرى المختلفة كانت هناك إجابة جديدة.
وكان سؤالى داخل تفكيرى الصغير: كيف تحول من إنسان برىء إلى غول استثمارى يطيح بكل مَن حوله؟ هل سأكون هكذا يومًا ما؟ هل سأمُر على طريق علِى البدرى؟
لم تهمنى الإجابات، فقد كان داخلى قرار سيادى بأننى سوف أكون مثل علِى البدرى تمامًا، حتى ولو أخطأ فهو الشخص الطبيعى لكل حكاية.
أحاول أن تكون بداخلى براءته وطيبته وأن أتحول مثله وأكون من الأشرار، وأن أندم وأرجع مرة أخرى.. كنت أفكر فى علِى البدرى كل وقت.
كنت أحب علاقته بأبيه حتى وهو يُغضبه، وكيف كانت علاقته بأمه أو خالته؟ علِى البدرى النموذج، لا أعرف لماذا وقعت عيناى عليه تحديدًا ولم أرَ بطلًا غيره أمامى؟
هل أكون مثل علِى البدرى؟ تعلقت به ولم أفهم ما يفعله البدرى مع أول عرض للمسلسل. كلما كبرت كنت أفهم علِى من جديد، فلنتوكل على الله إذن هو علِى البدرى، ولكن دون زهرة. أنا لم أحب زهرة، ولم أكن متعاطفًا معها كثيرًا، وكنت أرى أن ما يميزها فقط هو أن علِى البدرى يحبها، لكنها هى لا تستحقه، سواء علِى الثائر البرىء أو حتى علِى رجل الأعمال الجشع.
لكن علِى البدرى يفعل ما يشاء، فى لحظة ما كنت أثق تمامًا فى أن أسامة أنور عكاشة هيفوَّقُه ويُعيده إلى حياته الأولى.
المهم نزلت الجامعة وعلِى البدرى يسيطر على أفكارى.. أفكر هل سأكون مثله؟ لكن الاشتراكية راحت وذهبت، هل أبحث عن السياسة فى الجامعة كما كنت أرى فى كل الدراما؟ لكن علِى تم سجنه بسبب أفكاره وصعد وكبر مَن هم أصحاب الوجهَين. لا أنكر كانت هناك رغبة داخلية أن أرى مجموعة يتكلمون فى السياسة بالطريقة الحالمة التى كنت أراها فى علِى البدرى، وبالفعل وجدت بعد وقت قليل للغاية زميلًا يتكلم معى بانتقاد هادئ عن أوضاع البلد، بل ذهبت معه إلى مجموعة من أصدقائه، للمناقشة. ولكن فهمت سريعًا أنهم ليسوا حالمين مثل بطلى، هم مجموعة من شباب جماعة الإخوان فى الكلية الذين يسعون من أول يوم للسيطرة على أشياء لم أكن يومها أفهم ما أهميتها.. كنت أتكلم على بديهيات لشاب صغير لا يعرف شيئًا ضائعًا فى وطنه سوى الحرية والديمقراطية، وكل واحد يكون حرًّا، أما هم ففى جلسة واحدة قالوا بكل صراحة: مش الحرية هى المهمة إطلاقًا المهم يكون فيه نظام، والنظام يبقى على الشريعة الإسلامية، حتى ولو كان هذا النظام مخالفًا للشريعة الإسلامية.. هنا تركت هذه الجلسة بهدوء تمامًا، ولم أهتم بهم حتى التخرُّج.
كل يوم كان يمر كنت أرى أنه لا أمل لعلِى البدرى فى جامعة إقليمية ولا أمل أن تكون هناك مساحة حتى للحرية التى كان يرددها علِى البدرى، كنت أخاف من تجربة السجن التى مرّ بها، فالنظام الذى حبس علِى كان غير متوحش أمنيًّا مثل نظام مبارك، وما كنا نسمع من بطش جهازه الأمنى، لكن هل سوف أجد جلال شهاب أو صبرى عبد المنعم الصديق الذى جاء إلى علِى حتى آخر حلقة، أن يكون له صوت ضميره، الصديق الذى رأى علِى البدرى وهو يتحول، أن يكون وحشًا استثماريًّا يلعب فى السوق ويهرب من الضرائب ويدمر الصناعة لنجاح التجارة؟
يتغير علِى البدرى سريعًا عن قصد من أسامة أنور عكاشة، فهو يتحول مثل البلد كله، يدخل على الانفتاح وسوق المال، ويكون لاعبًا مهمًّا فى السوق التجارية، يتخلى علِى عن براءته حتى لا يعود إلى مبادئ أدخلته السجن.
كنت أخاف أنا أيضًا.. ما فائدة المبادئ فى وطن لا يهتم بها؟! أسمع كل يوم أن هناك حركات احتجاجية تنشأ ومبارك ونظامه يحاربانها، أرى وقتها الوريث الصغير يستعد لأن يجلس مكان والده.. لم نهتم وقتها هل مصر دولة ممكن أن يورث فيها رئيس ابنه؟ لكن ما نراه جعلنا كلنا نصدق ذلك ونشعر أنها الحقيقة التى سوف ينفذها النظام، سواء الآن أم بعد سنوات.
صدق حدسى، وبالفعل فاق علِى البدرى من غيبوبة الأموال وعاد إلى براءته، وكان من شروط عودته أن تصالح مع زهرة وتزوجها بعد كل هذه الأحداث!
علِى البدرى كان النموذج الأول لى، حتى ظهر النموذج الثانى..

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات