.

مصرى مدبلج سورى

Foto

أذهب عادة إلى المحل السورى القريب المشتق اسمه من الخير.. وهو يميل إلى كونه وصفًا أكثر منه اسمًا.. فقد امتلأ عن آخره بالخير من طعام وزبائن ورزق.. أتفهم تمامًا أن روحًا من الكلل قد تلبست المصريين جميعًا.. حالة من الضيق العام ونفاد الصبر استطاعت أن توحدنا وتمتص أهم أيامنا


روائح شهية عطرة تتجلَّى بألوان نضرة لامعة، تشع منها روح الإتقان والمحبة.. أنواع وأصناف من الطعام عامرة بالفن والخبرة ترى فيها طيفًا من مدن عريقة وآثرة.. دمشق، حلب، حمص، حماة، فقط تذكر أسماء تلك المدن فى نفسك حتى تشعر بحزن نافذ، بغضب مكتوم، بأمل يتوارى لاستحضارها مرة أخرى على خريطة هذا العالم السادى المجنون، بنفس ذات الرونق والبهاء.

أكلات ووجبات سورية جاهزة أو سريعة التحضير باتت تزخر بها مدينتى. قائمة طعام أثرَت حياتنا دون استئذان، استقبلناها بسعادة تليق بصحبة التاريخ والجغرافيا والمسلسلات التى طالما تعلقنا بها وتعاملنا معها معاملة الجيرة المشرِّفة والأخوة الممتدة.
أصناف من المقبلات القادرة على فتح الشهية إلى ما لا نهاية.. تبولة، مسبحة، تسقية، مكدوس، كبة مقلية أو مبرومة أو حلبية، فتوش، سلطة الراهب. أما المعجنات «فيالهوى» لو استطعمتها من أيادٍ سورية محترفة، ستجعلك تشعر أنك قد أفنيت عمرك فى أكل العجين.. بِرك باللحمة، مناقيش بالزعتر، صفيحة شامية، خبز تنورى بالحمص، عيش الصاج الذى يحتضن الشاورما المتبلة فى حنية وقرمشة مذهلة تُدخل المتعة إلى العين والقلب قبل المعدة بمراحل. أيضًا زادنا إخواننا بثقافة المحاشى الباردة التى لم نكن نفهمها أو نحبها، ولكن مَن فينا الآن يطيق رفض طاجن ورق العنب ذى الأصابع الرقيقة الدقيقة الغارقة فى المرق والليمون ودبس الرمان. ها، مَن؟!
أذهب عادة إلى المحل السورى القريب المشتق اسمه من الخير، وهو يميل إلى كونه وصفًا أكثر منه اسمًا، فقد امتلأ عن آخره بالخير من طعام وزبائن ورزق فى فترة لا تتعدى عدة أشهر. أذهب إلى هناك كنوع من الراحة والاستراحة بين مشاوير الأمومة اليومية من تمارين ودروس وطلبات واحتياجات الأطفال، ومشاوير العمل كامرأة عاملة، ومشاوير البيت وتفاصيله كربّة أسرة ومديرة للمنزل و«إتش آر»، و«أوفس بوى» أحيانًا أكثر.
أستغل أى تلميح بسيط أو تعبير بعيد من الزوج برغبة فى حتة كنافة بالجبنة مسقاة بالشربات المُطعم بماء الورد ونكهة القرنفل، أو من أطفالى فى كام بولة آيس كريم مستكة بالقشطة أو ببعض المقرمشات الذهبية المُنكهة، أو من أُمِّى فى طبق كبيبة محشوة بالصنوبر للتجهيز لإحدى عزوماتها، حتى أرانى ألهف بالتطوع لتحقيق أى من هذه الرغبات الجاد منها أو غير الجاد.
زيارة خاطفة لمحل «الخير» لا تتعدى عشر دقائق، أنعم بها بصحبة عائلة سورية ممتدة العدد والمهمات، يستقبلونك بابتسامة وترحاب ندُر وجودهما بيننا الآن كوجوه قرفانة متعصبة وخُلقها ضيق لا ترغب فى العمل ولا تحبه.
أتفهم تمامًا أن روحًا من الكلل قد تلبست المصريين جميعًا، حالة من الضيق العام ونفاد الصبر استطاعت أن توحدنا وتمتص أهم أيامنا، أزمة اقتصادية طاحنة وغالبة حوَّلت ما كان بـ«عشرة» إلى «مئة» دونما تمهيد وبغير وجه حق أو جودة. شوطة أطاحت بكل شىء وأحالت الطموح إلى أدناه، أخرجت أسوأ ما فينا، عصبية وتنافر وتناحر ورغبة عظيمة فى «الطلسقة» وقلة الذوق.
لكن أية أزمة تلك وصلت بنا إلى هذا التردى؟! أتأمل البائع السورى، أسرح لحظات فى ما عَبَره ولاقاه هذا الرجل حتى يصل هنا أمامى.. أى ظروف وأحوال اخترقها ومخاطر اجتازها كى يستقر فى هذه النقطة من العالم، يبيع ويُصنِّع ويؤسس حياة جديدة وسط ثقافة مختلفة وناس طيبة صحيح (بس قالبة وشّها). كيف ترك بيته بحوائطه وألوانها، وجدرانه وما عليها؟! كيف ترك مخدعه بفرشه وملاءاته ووساداته التى بالقَطع أحبها واعتاد عليها؟! هل فلت بنفسه تاركًا بيته قائمًا أم كومةً من تراب؟! كيف نظر إلى شارعه خلفه نظرة يعلم أنها -غالبًا- الأخيرة؟! كيف حوَّل أمواله وبنيه؟! كم صديقًا فقد؟! كم فردًا بقى معه من أسرته وعائلته؟! رغبة فى الحياة والبقاء قادرة على المضى فوق كل هذا، درجة خالبة من الصمود والفطرة والثبات جعلته يخترق الكابوس، ليبدأ من جديد وينجح نجاحًا لافتًا وصل حد الاستعانة بعدد من العاملين المصريين، كى يجارى طلبات زبائنه.
عند دخولى أنا وغيرى من الزبائن يُحتفى بنا بالكلمات المؤنسة الصادقة والعروض السخيَّة للتذوق، حتى يتسنى لك شراء ما تحتاج بنفس راضية ومطمئنة. درس عملى فى فن التسويق وعمل أرضية من السمعة الطيبة وكسب البشر.. يتلقانى أحدهم: «أهلًا وسهلًا»، «شرفتينا»، «دوقى هيك قِطعة من عمايل إيد ماما»، «يسلمو»، «تكرم عينيك».. أبتسم وأومئ بالموافقة على التذوق، أختار ما أحب، أشتريه وأمضى.
حتى التقيته، شابًّا أسمر لم يكمل عامه العشرين بعد، لديه شارب المراهقين المعتاد، المشابه لخط من تراب أسود أكثر منه شىء آخر، وكأنه محمد رمضان بصوته وجسده وحركاته وابتسامته المعوجة قد وقف بينهم محاولًا تقليدهم فى فظاظة واستخفاف، يأتى إلىَّ متحدثًا بلكنة سورية مصطنعة وساخرة محاولًا «القلش»: «فيه بِرك بالجبنة».
- «بِرك! هى بقِت كده؟!»، أرددها فى نفسى وأبتعد محاولة النظر إلى ثلاجة عرض ثانية.
يلاحقنى بتحفة أخرى: «شو بَدك تكرم عينيك، فيه أجيب لك تكرم عينيك لبنه تكرم عينيك أو ..»، يسأل زميلًا له عن اسم الصنف الذى يحاول بيعه لى.. يهمس له بشىء ما.
- «أو ملفوف.. تكرم عينيك».
أنظر إليه بضيق من خلف نظارتى الطبية وبهزة من رأسى أشير إليه برد يفاجئ كلانا: «بس يَلَا!».. يضحك ضحكة مكتومة، أشاركه إياها، وأذهب دونما شراء على غير العادة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات