.

أهم عاقبة والأقل مناقشةً لسياسة ترامب الخارجية

Foto

كيف يتخذ الأوروبيون خطوة مهمة بشأن الاتفاق النووى بعيدًا عن أمريكا؟ كيف انخفضت شعبية ترامب فى أوروبا؟


ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

بدأت طريقة معاملة الرئيس ترامب المستخفة بأوروبا فى تآكل التحالف العابر للمتوسط، والذى كان لعقود كثيرة الركيزة المركزية لسياسة الأمن القومى الأمريكية.

ولعل الشقاق الأوروبى/ الأمريكى المتنامى هو العاقبة الأهم ولكن الأقل مناقشةً لسياسة ترامب الخارجية. وعادةً ينظر لأسلوبه المدمر كمزعزع للاستقرار للخصوم البعيدين فى بيونج يانج وطهران وبكين. ولكن قنابله الدبلوماسية تنفجر أيضًا هنا فى عاصمة الاتحاد الأوروبى -وكذلك فى باريس وبرلين ولندن- ويبدو أنها تسبب ضررًا حقيقيًّا.
لقد توقف الكثير من القادة الأوروبيين عن التعامل بشكل مهذب فى شأن ترامب. فبعد عام ونصف العام من المناوشات المتقطعة بدؤوا فى رد إطلاق النار، واصفين ترامب بأنه خطر على مصالح أوروبا الأمنية، ومتحركين نحو انفصال صريح مع واشنطن فى ما يتعلق بإيران وقضايا رئيسية أخرى.
وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذا الشهر، إن اعتداء ترامب على اتفاق إيران قد خلق «أزمة حقيقية» فى النظام العالمى. وقال وزير المالية الفرنسى برونو لو مارى، إن فرض الولايات المتحدة العقوبات بشكل أحادى كـ«الشرطى الاقتصادى للكوكب غير مقبول».
ولخص رئيس المجلس الأوروبى دونالد توسك، الإحباط والغضب القارى فى تغريدة لاذعة يوم الأربعاء: «بالنظر إلى قرارات ترامب الأخيرة قد يفكر المرء: مع أصدقاء كهؤلاء.. مَن يحتاج إلى الأعداء؟! ولكن بصراحة ينبغى أن يمتن الاتحاد الأوروبى. فبفضل ترامب تخلصنا من كل الأوهام».
ولا يزال يبدو تحالف الناتو العسكرى صلبًا نسبيًّا، إذ غرَّد الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج، بعد زيارته لترامب يوم الخميس، بأنه كان «اجتماعًا جيدًا» وأعطى الفضل لـ«قيادة الرئيس فى الإنفاق على الدفاع». ولكن، إلى متى سيستمر هذا الوئام فى الدفاع إذا وقع انفصال صريح فى قضايا دبلوماسية كبرى؟
وسيأخذ الأوروبيون خطوة رمزية مهمة ابتعادًا عن الولايات المتحدة الأسبوع المقبل عندما ينضم ممثلون من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لروسيا والصين فى اجتماع للجنة المشتركة المشرفة على اتفاق إيران النووى. وقال عضو كبير فى السلك الدبلوماسى للاتحاد الأوروبى فى حوار هنا: «هذا مؤلم لنا».
ويقول المسؤولون الأوروبيون إنهم لا يشعرون بالارتياح فى تأييد روسيا والصين وإيران ضد الولايات المتحدة، ولكن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق لم يترك لهم بديلًا. ويرى الأوروبيون أن الاتفاق ضرورى لأمنهم القومى لأنه يردع خطر وصول إيران وغيرها من الدول فى الشرق الأوسط للقدرة النووية، وجميعها قريبة جدًّا من أوروبا.
واندفع الأوروبيون هذا الأسبوع لطمأنة إيران وإبقائها فى الاتفاق، وهذا جزئيًّا لأنهم لا يريدون المغامرة ببنود المراقبة. وقال أحد المسؤولين إنه وفقًا لبروتوكول التفتيش الحالى تسجل الكاميرات مليونَى صورة رقمية يوميًّا فى مواقع رئيسية فى إيران. وقدر هذا المسؤول أنه بفضل الاتفاق قد امتد زمن تجاوز إيران للعتبة النووية من أسابيع إلى عام. ولا يريد الأوروبيون المخاطرة بفترة التحذير تلك باختراق الاتفاق.
وقال دبلوماسى الاتحاد الأوروبى: «لم تقل الولايات المتحدة لنا قط ما هى (الخطة ب)»، متابعًا: «ماذا نفعل عندما تطرد إيران المفتشين؟».
وستتعمق المواجهة الأمريكية/ الأوروبية إذا فرضت واشنطن، كما هو متوقع، عقوبات ثانوية على الشركات الأوروبية التى تقوم بأعمال تجارية مع إيران. وإذا حدث ذلك قد يقابله الأوروبيون بمنع اللوائح التى تعاقب الشركات الممتثلة للمعايير الأمريكية.
ولا تحب الشركات الأوروبية أن يتم الضغط عليها. وقالت شركة البترول الفرنسية العملاقة «توتال»، والتى تخطط لمشروع غاز طبيعى بمليارات الدولارات فى إيران، إنها ستحبط خطة استثمارها، والتى تقول الشركة إن لديها «إمكانات ضخمة»، إلا إذا حصلت على «إعفاء خاص للمشروع» من وزارة المالية الأمريكية.
إن شعبية ترامب فى أوروبا منخفضة لدرجة أن تحديه يحمل مخاطرة سياسية طفيفة. وفى قضايا مثل التجارة وتغير المناخ والصراع الإسرائيلى/ الفلسطينى والسياسات الاقتصادية العالمية تماسك التوافق على سياسة الوسط التقليدية فى أوروبا إلى حد كبير.
إن الانقسام العابر للأطلسى فى شأن الثقافة والقيم، والذى كان ذات مرة حجر أساس التحالف، مدهش. ويبدو ترامب، بتبجحه وسوقيته، أقرب إلى صورة كاريكاتيرية لولايات متحدة قاسية وعنيفة لا يحبها الكثير من الأوروبيين. ووجد استطلاع رأى العام الماضى لمركز بيو للأبحاث أن ١١٪ فقط من الألمان، على سبيل المثال، يثقون فى أن ترامب سيفعل الصواب بالمقارنة بـ٨٦٪ لسلفه باراك أوباما.
لقد اعتبر الأمريكيون أن الدعم الأوروبى من المسلمات لمدة طويلة، لدرجة أن عددًا قليلاً من المحللين درسوا ما سيكون شكل اختراق حقيقى للتحالف العابر للأطلسى. ربما حان الوقت للتفكير فى احتمالات «ماذا لو؟».
لقد قال ترامب كثيرًا إن «أمريكا أولاً» لا تعنى «أمريكا وحدها». ولكن أوروبا لها صوت فى ذلك هى الأخرى، وهذا الأسبوع جاء سلبيًّا بشكل مدوٍّ.



 

ديفيد إجناشيوس
كاتب صحفى وروائى أمريكى، محرر مشارك وكاتب عمود فى جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، يستضيف بالمشاركة مع الصحفى والمذيع فريد زكريا حوارًا على الإنترنت عن القضايا الدولية، كتب عددًا من روايات الجاسوسية، من بينها «جسد من الأكاذيب»، والتى حولها المخرج ريدلى سكوت إلى فيلم سينمائى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات