.

قائمة العفو وحديث الانفتاح السياسى

Foto

كيف يمكن أن يحدث الانفتاح السياسى مستقبلًا؟ ما القطاعات المستهدفة من قوائم العفو الرئاسى؟


بقائمة عفو رابعة أصدرها رئيس الجمهورية صبيحة يوم انعقاد مؤتمر الشباب يوم الأربعاء الماضى، يبلغ عدد المعفى عنهم من السجون المصرية قرابة الألف خلال عام ونصف تقريبا منذ تشكيل لجنة العفو الرئاسى فى المؤتمر الأول للشباب الذى انعقد فى مدينة شرم الشيخ وأسفر عن تشكيل تلك اللجنة.. وعلى مدى تلك الفترة ورغم تواصل قرارات العفو فإنها تبدو مفرغة عمليا من مضمونها فى ظل استمرار حملات الملاحقة الأمنية والقبض على عديد من الشباب والنشطاء السياسيين والمعارضين والتى بلغت ذروتها مرتين خلال تلك المدة الزمنية، أحدهما بالتزامن مع الاحتجاجات ضد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية التى انتهت إلى تسليم جزيرتى تيران وصنافير للسعودية، والثانية بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة ومحاولات تقديم مرشحين منافسين لها. 

اللافت أن قائمة العفو الأخيرة، والتى شملت ما يزيد على 330 شخصا، أكثر من نصفهم كانوا محبوسين بأحكام فى قضايا مسجد الفتح وسيدى جابر، وهى القضايا المرتبطة باحتجاجات الإخوان وأنصارهم بعد 30 يونيو، بل وشملت أيضا من بين المعفو عنهم صبرى نخنوخ الذى سبق الحكم عليه فى قضايا حيازة أسلحة ومخدرات والمعروف بتاريخ من تشغيل شبكة من البلطجية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والحزب الوطنى المنحل فى عهد مبارك، وهو ما يطرح عشرات علامات الاستفهام حول القطاعات المستهدفة بالإفراج والعفو عنها فى تلك القوائم، ويتسبب فى التباسات عديدة حول مفهوم وهدف الإفراج عن شباب ألقى فى السجون ظلما لمشاركته فى احتجاجات سلمية أو لتعبيره عن آراء معارضة، ودون أن يقلل ذلك على الإطلاق من انحيازنا لحق كل مواطن مظلوم أيا كان انتماؤه فى الخروج من السجن واسترداد ولو جزء من حريته.. إلا أنه فى نفس الوقت الذى تصدر فيه تلك القائمة، فإن القبض مؤخرا على عدد من النشطاء والشباب بدءا من شريف الروبى ومرورا بشادى أبو زيد وأمل فتحى ووصولا إلى شادى الغزالى حرب وهيثم محمدين، والزج بأغلبهم على ذمة قضية جديدة تحمل رقم 621، بالإضافة لاتهام هيثم محمدين فى قضية الاعتراض على رفع أسعار تذاكر المترو التى كان قد تم القبض على العشرات فيها مؤخرا وإخلاء سبيل بعضهم واستمرار حبس الباقين. 
المدهش أن طبيعة الاتهامات الموجهة لأغلب هؤلاء تشمل نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أنشئت على خلاف القانون ومنع الدولة والسلطات من ممارسة أعمالها، وهى تقريبا نفس الاتهامات التى سبق توجيهها لنشطاء سياسيين ومعارضين وصدرت أحكام ضدهم على أساسها فى قضايا مختلفة، وبينهم من شملته قائمة العفو الأخيرة مثل أندرو ناصف وإسلام مرعى، ومع ذلك فإن شمول قرار العفو لهؤلاء لم يعنِ بالنسبة للسلطة والأجهزة الأمنية عدم إعادة إنتاج نفس الاتهامات الفضفاضة لنشطاء وشباب آخرين، بما يعنى بوضوح أننا ندور فى دائرة مفرغة، فبينما يخرج البعض بقرارات عفو، يدخل آخرون فى ضوء استمرار نفس السياسات وتلفيق القضايا والاتهامات، ليظل الوضع على ما هو عليه. 
فى ظل ذلك يبدو غريبا الحديث عن الانفتاح على المعارضة، وعن السعى لتنمية الحياة السياسية، ومنح الفرصة للأحزاب، والقبول بالرأى والآخر والاستعداد للاستماع له، وهى النغمة السائدة خلال الشهور القليلة الماضية بعد ما وصل إليه المشهد فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبالذات فى مؤتمر الشباب الأخير، ويبدو مفهوم المعارضة بالنسبة للسلطة هو تلك المعارضة التى تلتزم بإطار طرح ما هو مقبول من اختلافات لا التعبير بحرية عن وجهات نظرها، وهى المعارضة التى تعارض فى ملفات فرعية وفى قضايا جزئية لا فى جوهر السياسات والتوجهات القائمة، ومن هنا يبدو سياق الحديث عن دور الأحزاب وتنمية الحياة السياسية فى المرحلة المقبلة فى إطار تصور سابق الإعداد والتجهيز بتأسيس حزب أو أكثر مؤيدين للسلطة يتحملون عنها أعباء الانتقادات المتوقع تزايدها فى الفترة الرئاسية الثانية بالذات مع الانكشاف الواضح لدور أجهزة الدولة خلال الفترة السابقة وبالذات مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وفى نفس الوقت خلق أحزاب تحمل اسم المعارضة وتلعب دورها فى الإطار المقبول من السلطة. 
الحياة السياسية المعلبة التى يتزايد الحديث عنها الآن ويبدو الإعداد لها جاريا على قدم وساق وربما تتضح ملامحها أكثر خلال الشهور القليلة المقبلة بالذات قبل الانتخابات المحلية القادمة إذا صدقت نوايا إجرائها خلال العام الجارى، ورغم أنها تعيدنا لمربع مضى عهده منذ عهد مبارك عبر لعبة الحزب الوطنى الحاكم والمعارضة الرسمية المعتمدة سواء عبر أحزاب مثل الوفد أو التجمع أو غيرها، فإنها دون شك ستمثل نقلة مختلفة مقارنة بالواقع الراهن شديد البؤس والفقر سياسيا، وإن كانت لا تعنى بالتأكيد انفتاحا جادا على تصحيح مسار ملف الحريات والديمقراطية والعمل السياسى بمعناه الحقيقى، ومن هنا فإن اعتبار البعض لما يجرى الآن باعتباره خطوة على طريق «التحول الديمقراطى» المزعوم لا يعدو كونه مجرد وهم وخداع للرأى العام، خصوصا أن بنية السلطة الحالية ومجمل ممارساتها على مدى السنوات الماضية تشير بوضوح لأنها لا تؤمن بأى درجة بالحريات أو الديمقراطية، وربما المطلوب الآن فقط هو تحسين الشكل والإيحاء بوجود أحزاب وحياة سياسية، سواء كان ذلك لتخفيف الضغوط والانتقادات الخارجية رغم تراجعها المؤكد، أو لتشكيل مساحة عازلة بين النقد المباشر للرئيس والسلطة وأجهزتها وبين موجات متوقع تزايدها فى ظل الغضب الشعبى من الإجراءات الاقتصادية المقبلة والتى بدت بوادرها مع زيادة أسعار تذاكر المترو. 
لا أحد بالتأكيد ضد أى توجه للانفتاح السياسى ولو بقدر، لكن شرط أن يكون هذا التوجه جادا لا مجرد استكمال للشكل، والمؤكد أنه لا يمكن تصنيع حياة سياسية على مقاس السلطة، ولا تعليب أحزاب سابقة التجهيز، وإلا فلن نشهد سوى إعادة إنتاج لمشاهد وأشكال رأيناها من قبل سواء فى العهد الحالى أو فى عهود سابقة، كما أنه لا أحد ضد الحوار كآلية لطرح مختلف الرؤى ووجهات النظر، شرط أن يكون واضحا الحوار مع من وعلى ماذا، وما نتائجه المتوقعة، وأن يكون حوارا بلا خطوط حمراء مثلما نشهد فى أغلب الحوارات التى تجرى، وصحيح أن أى مساحات ستفتح حتى وإن كان المراد بها مجرد شكل ستصبح بمثابة كرة ثلج تنمو وتكبر وتزيد ولو بالتدريج المساحات المتاحة للتعبير والحركة، لكن المؤكد أيضا أن الانفتاح الحقيقى يجب أن يكون على المعارضة الحقيقية حتى وإن بدت ضعيفة التأثير فى اللحظة الراهنة، وعلى القطاعات الغاضبة فى هذا المجتمع التى لا تجد أطرا تعبر عن نفسها من خلالها، أما استمرار الحوار مع النفس، أو مع آخرين من نفس الصف نعتبر مجرد حديثهم عن اختلافات جزئية نوعا من المعارضة، واستمرار تزامن ذلك مع تأميم كامل لأى مساحات للتنظيم والتعبير، والانغلاق الإعلامى القائم فى ظل السيطرة والهيمنة الكاملة عليه، والأخطر هو الإصرار مع ذلك كله على استمرار نفس السياسات والإجراءات والممارسات دون أى مراجعة جادة لنتائجها، فإن ذلك كله لا يعنى سوى المزيد من إهدار الوقت وإعادة إنتاج أخطاء الماضى القريب التى لا يبدو أن أحدا يتعلم منها. 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات