.

باريس.. المدينة المباركة!

Foto

لم تتوقف الكتابة العربية عن باريس، ولا عن مقارنتها بأحوال العرب منذ القرن التاسع عشر، من رفاعة الطهطاوى والأفغانى ومحمد عبده وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد زكى


فى سنة ١٨٢٧ أُوفد الشيخ المعمم رفاعة رافع الطهطاوى إلى «باريز» أو «باريس»، ليؤم الطلبة المصريين المبعوثين للدراسة هناك، فى صلواتهم، وبعدها بخمس سنوات (عام ١٨٣٢) عاد إلى مصر حاملاً شهادة فى الترجمة و«رؤية» ضمنها «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز»، وأمر محمد علِى بترجمتها إلى التركية وتوزيعها على الدواوين.. وبعد دراسة الشيخ مصطفى عبد الرازق فى باريس (١٩٠٩- ١٩١٤) وهو شيخ الأزهر، ودَّعها قائلاً ما لخص إحساسه بالمدينة، بقوله «باريس عاصمة الدنيا ولو أن للآخرة عاصمة لكانت: باريس! وهل غير باريس للحور والولدان والنيران والصراط والميزان والفجار والصالحين والملائكة والشياطين؟!».


لم تتوقف الكتابة العربية عن باريس، ولا عن مقارنتها بأحوال العرب منذ القرن التاسع عشر، من رفاعة الطهطاوى والأفغانى ومحمد عبده وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد زكى الكاتب الذى تزامنت رحلته وأول القرن العشرين، إذ قال باختصار «هى الدنيا»، وزكى مبارك الذى سجَّل مشاهداته لباريس فى أثناء دراسته بالسربون (١٩٢٧- ١٩٣١)، وعشرات إن لم يكن المئات من الأسماء العربية كانت باريس عتبتها لرؤية عالم مختلف، أو كما اختار الأكاديمى والكاتب والسفير العراقى السابق فى جامعة الدول العربية، قيس خزعل جواد العزاوى «أن يسهم فى عمل جديد عن رؤية الكتاب العرب لباريس، فاختار أن يقدم للكتب العربية التى تناولت باريس، سواء كانت كتب رحلات أو أشعار أو سير أو أى تصنيفات، واختار عنوان «باريس بأقلام العرب من رفاعة الطهطاوى حتى نزار قبانى»، فأحصى ٢٢ رحلة و٩ كتب وضعت اسم باريس فى عنوانها، ونحو عشرين رواية غير الأشعار من رفاعة الطهطاوى إلى محمد مهدى الجواهرى وأحمد شوقى وعبد الله البردونى وعبد الوهاب البياتى ونزار قبانى وغادة السمان وبيرم التونسى.
«باريس كما يراها العرب» فكرة ولدت فى صالة بلياردو بحى «مونبارناس»، قبل خمس سنوات، كما يقول الناقد والكاتب العربى المقيم بباريس فيصل جلول، الذى دفعته قراءة ثانية لكتاب الطهطاوى عن رحلته الباريسية إلى أن يقترح فى مساء باريسى، على الرفاق، أن يضعوا كتابًا مشتركًا عن تجربتهم الحياتية والمعرفية مع باريس، لكن الفكرة بتلك الصورة لم تثر الحماس، فطور من اقتراحه بأن يكون الكتاب عبارة عن نصوص مفتوحة متصلة بكونها عن ذات المدينة ومنفصلة لأنها سوف تأتى اختيارًا حُرًّا من حيث الزاوية والمنهج كشهادات.. عبر شهور لم يتمكن من جمع أكثر من نصوص خمسة جاءته من المغرب وليبيا واليمن، ثم قطعت مجريات «الربيع العربى» سير المشروع الذى كتب له أن يستمر، واتسعت الإسهامات فشملت إسهامات لبنانية وسورية وعراقية وفلسطينية وجزائرية وتونسية وكذلك مصرية.. لكن رحيل جمال الغيطانى المفاجئ قبل عام وقد كان أحد أبرز المساهمين، دفع بالحماس فى العروق، وتحمَّست دار الفارابى ليخرج العمل الجماعى، شاملاً ما يقرب من ثلاثة عشر نصًّا عربيًّا حول باريس.


يقول الناقد والكاتب فيصل جلول (فى ما يشبه التقديم): «أن يعيش عربى فى مدينة تعتبر من رائدات العصر ومن صناع تاريخه الحديث، يشبه تمامًا العيش فى قرطبة يوم كانت عاصمة أوروبا ويوم كان حاكمها يطلب من ابن رشد تلخيصًا لأطروحات أرسطو، وكالعيش فى بغداد يوم كانت شوارعها التجارية أشبه بوول ستريت ولومبارد ستريت، أو دمشق الأموية التى كانت خلية حيوية لنقل المعارف أو غرناطة التى كانت مركزًا للتأهيل العلمى لأمراء أوروبا ونخبها».  


المنصف المرزوقى أول رئيس جمهورية تونسى منتخب، كان نصه الذى كتبه قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية، حاويًا للحظة، مرصودة ولا شك، ممن عاش مطاردًا لسنوات، من نظام تونس فى مقتبل الألفينيات، كأن الحياة قد خلت إلا من الإحساس بالمطاردة، لحظة إدراك أن أحدًا لا يتبعه فى المسير، وأنه غير مضطر إلى النظر خلفه، مرصعًا النص بعبارة لسانت أكبيرى: «أن تكون إنسانًا يعنى أنك أصبحت مسؤولاً، أن تخجل من أفعال لم تشارك فيها، أن تفخر بانتصارات الرفاق أن تشعر وأنت تضع حصاتك بأنك تسهم فى بناء العالم»، لحظة وصول المرزوقى إلى باريس، ٢٢ ديسمبر، مطرودًا ومطاردًا من «بوليستان»، نازحًا إلى باريس حيث يصبح غير مضطر إلى النظر خلفه من حين لآخر، يستقرأ المدينة على ضوء لحظة أخرى يستشرفها: لحظة الشعور بالحرية، فتكون باريس (المدينة المباركة) و(أرض أحرار)، تجوبها خطى المرزوقى المستمرة فى السير فى استقراء مدينة لا يرتجف قلب أحد من سكانها لوقع خطو الشرطى المراقب، مدينة المرزوقى أو باريسه، لا تكف عن رواية تراتيل تحررها وعتقها، فكأنما تستجيب لمكنونه وحلمه.


من المرزوقى إلى سعودية شابة، لم تكن تعنى لها باريس أكثر من ماركة (لوى فويتون) أو عنوان تضعه على رحلات الصيف، مثل العديد من أهل الخليج، قبل إن تلحق بركبها أو ركب المنتبهين إلى جوهرها، كانت ككل مَن تعرف من الذين يتحاكون فى جلسات الصيف الخليجى عن السفر إلى حيث يسبحون فى بحور العواصم دون وعى بحقيقتها.


إيمان الحمود إعلامية سعودية، تلقَّت تعليمها فى مدينة الجبيل شرق المملكة، عملت فى الشرق الأوسط اللندنية بعد أن درست بالأردن، ثم انتقلت إلى باريس لتعمل فى إذاعة مونت كارلو، وتستكمل دراستها فى جنوب فرنسا. 

لا غرابة أن تكون الحرية هى أيضًا أول ما يستوقفها.


تقول إنها قادمة من منطقة لا تؤمن بحرية التعبير، وتضيف أنها لا تسمى بلدًا بعينه، لأن المنطقة تعوم فى القمع وعدم الإيمان بحرية الرأى.. دين الحب الذى تعلمت درسه من جلسة زوجَين بمترو الأنفاق، حيث وجدتهما من أصلين مختلفين: إفريقى وأوروبى، ومعهما طفلان يلخصان كل شىء، وأدركت أن دين الحب يتجاوز أسقفًا تربت عليها إدراكات منطقة كاملة.


تقول: «هو درس لى أنا القادمة من منطقة لا تكتفى بأن تفرق بين الناس على أساس دينهم أو لونهم أو حتى عرقهم، بل إن اسم قبيلتك أو نسبها هو مجال رحب للفرقة بينك وبين مَن تحب، فالحب فى بلادى مكبل بأغلال لا يملك مفاتيحها حتى مَن صنعها».


يومًا اقترح عليها زميل أن تكتب كتابًا عنوانه «سعودية فى باريس»، وبشرها أن الكتاب سوف يحطم كل الأرقام القياسية، وأدركت ساعتها كم هى قادمة من زاوية قصية، تستهوى عجائبيتها العالم. «ثقافة المقهى» التى تزرعها باريس كزهرة أوركيد لن تروى ظمأها اليومى إلا باحتساء القهوة، هكذا صار لإيمان مقهاها وزاويتها وطاولتها التى تشرب فيها قهوتها والكرويون، وتلتقط سحر المدينة التى تجمع على حبها، كما تقول، الأبيض والأسود والقادمين من كل فج.. الإعلامية السعودية التى تختتم نصها بعبارة paris je t aime، بلقطات ترصد الودود والحميم اختارات لنزار أبيات رأتها دالة: كل التماثيل فى باريس تعرفنا.. وباعة الورد والأكشاك والمطر..  حتى النوافير فى الكونكورد تذكرنا.. ما كنت أعرف أن الماء: يفتكر!


عشر سنوات مضت، تهاوت معها كل أطياف غربة إيمان التى «تتوأمت إيمان وباريس»!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات