.

حكايات الفاشوش

Foto

أحرز الفتى رومى الأصل رتبًا متتالية حتى أصبح أميرًا من أمراء الجيش الذى دخل مصر تحت إمرة أسد الدين شيركوه، فتبناه الفقيه عيسى الهيكارى


معنى اسم «قراقوش»: الغراب، الرُّخ. وقد كان «قراقوش» مساعدًا لصلاح الدين الأيوبى، أحد مساعديه المفضلين.. ويقول المحقق، الدكتور عمرو منير إن «قراقوش» قد ضنَّ عليه المؤرخون بترجمة مستقلة، وألحقوه بترجمة السلطان صلاح الدين، كأنما سيظل تابعًا للسلطان، حيًّا وميتًا.

أحرز الفتى رومى الأصل رتبًا متتالية حتى أصبح أميرًا من أمراء الجيش الذى دخل مصر تحت إمرة أسد الدين شيركوه، فتبناه الفقيه عيسى الهيكارى، المعروف بـ«الغامض العميق»، فصعّده إلى أن أصبح مستشار السلطان الأيوبى الذى تولى خلفًا لشيركوه.. شهد انهيار الدولة الفاطمية وعاصر مؤامرات بقايا الفاطميين الذين استمروا وخافوا على الحكم الفاطمى من الاندثار، وكان «قراقوش» معول السلطان الأيوبى فى توطيد الحكم الأيوبى، فقام بعزل النساء عن الرجال فى القصر، وحفظ الكنوز، كما أذن له ببيع كنوز القصر وذخائره بما فيها خزانة الكتب، فاستمر البيع بها عشر سنين، وكان أمينًا فى صونها كما كان فى بيعها.. هذه الأمانة جعلت الأيوبى يطلق يده فى القصر وعبيده، فباع مَن باع وأعتق مَن أعتق، وأفرغ القصر من البقايا الفاطمية. وكانت الجائزة أن صار قائدًا على الجيش فى عكا. وصفته المصادر التاريخية بالهمة والولع بالعمران.. بنى السور المحيط بالقاهرة وقلعة الجبل وقناطر الجيزة وخان السبيل والحارة المعروفة باسمه، وآخر ما بنى سور عكا بعد تمام صُلح صلاح الدين والإفرنج.. ومع كل ذلك سخرت منه الجماعة الشعبية المصرية، وتجاهل العامة ذكره فى سيرة الظاهر بيبرس، وغدت شخصية قراقوش الجاد الأمير مثار تندُّر الناس، معتمدين على ما كان فى شخصيته من كبر وعناد وجمود وقسوة وانفراد بالرأى ورفض المناقشة. وقد وُصف بأنه «تركى.. لا يعرف شيئًا عن الكتب»؛ لذا يقارنه ابن مماتى فى واحدة من الحكايات بفرعون. ويفسر تسلّطه بأنه فى الحقيقة شخص مقهور يحمل حقدًا دفينًا على الأكراد سادته..

قراقوش الذى هو بلا أهل نشأ وترعرع على فلسفة الطاعة. اشتغل قاضيًا للعسكر فى عهد السلطان عبد العزيز عثمان.. وكان يمارس عمله إلى جوار القاضى فى دار العدل. تدور معظم الحكايات الساخرة حول استهزائه بميزان العدالة، حتى صارت رمزًا للجور فى غياب القانون إبان عصور القهر.

الرمز القراقوشى له من النوادر الفاضحة الكثيرة كما فى حكاية من الكتاب تثبت بالشهادة الزور أن المتهم قد عض أذنه بنفسه! كان خير عنوان لعصور الحماية والجباية. عشرون حكاية استعار خلالها الوجدان الشعبى قصص الحمقى والمغفلين ليخلعها على قراقوش، بعد إعادة صياغتها ليصبح قراقوش واحدًا من الشخصيات غريبى الأطوار فى التاريخ الإسلامى، لا يحب السودان ولا النساء مطلقًا، فقد كان مخصيًّا ويمقت الأكراد لأنه رومى الأصل وأجرد ليس له لحية، يرهق الفقراء وينقم على الأغنياء، جائر فى أحكامه على الجميع.

حكايات الفاشوش تفضح أحوال الحاكم وتلقى الضوء على حال الرعية، ومعاناة الفلاح التى كلها مغارم وكبت سياسى وافتقاد للعدل وظلم فى الضرائب. كانت مصر مقسمة فى عهد الدولة الأيوبية إلى أربعة وعشرين جزءًا: أربعة للسلطان وعشرة للأمراء وعشرة للجند.. وللعاقل أن يتصور ما كان يتبقى ليعيش الناس! من حكايات ابن مماتى عن قراقوش فى الفاشوش، حكاية اسمها «فداء القميص»، تقول الحكاية إنه اتفق وقد وضع قميصه على حبل، فوقع القميص على الأرض فتصدّق بمئة دينار، وقال: «الحمد لله الذى حفظنى من الضرر، لو كنت لابسًا له لَتكسرته. هذا فداء لنفسى من الضرر»!

أما حكاية «الأرملة والكفن» فجاء فى الفاشوش أنه كان فى كل سنة يتصدق على الفقراء بمال جزيل، وفى سنة جاءته امرأة مات زوجها، وقالت: إن زوجى مات ولا كفن له ولا مال عندى لأكفنه، فأعطنى لأكفنه.

فقال لها: مال الصدقة السنوية قد فرغ، فلو جئتِ قبل فراغه كنت أخذت كفنه، فإذا جاء ميعاد الصدقة فى السنة القادمة فتعالى نعطيك كفنه أو ثمنه، إن شاء الله تعالى. فقالت: وهل يقعد الميت سنة من غير تكفين؟ فقال لها: الميت زوجك، والأمر لك، فإن شئت فادفنيه وإن شئت فى بيتك خليه، فإن دفنتِه ريّحتِه، وإن خليتِه أذيتِه.. فقالت له: هذا شىء لا يجوز. فقال لها: وأنا ما كلفنى الله من إعطاء زكاة السنة الجديدة، ولم يأتِ ميعادها ولم يوجد عندى مالها. ثم صاح: يا غلمان، أخرجوا هذه المرأة فإنها قبيحة وتحب الفضيحة ولا تقبل النصيحة.. قولوا لها تدفنه بثيابه وعند مجىء الوقت الذى تعرف فيه الصدقة تأخذ كفنه وتكفنه فى قبره أو تلبسه هى بدلاً منه، وهذا آخر كلام والسلام! ومن النوادر عنه بعنوان «ديك الغلام» يروى أنه جاءه غلام ومعه ديك، فلما أحضروه بين يديه، قال: ما هذا؟ فرد الولد: هذا ديكى ألعب به، فقال له: كيف تعذبه ولا تطعمه؟ أما علمت أنه لو غضب عليك من جوعه وعطشه وحبسه فى يدك، لنكزك فى عينيك وقلعها، أفكنت تشتكى الديك؟ يا غلمان، خذوا منه دية عينه، قد نصحناه وحفظناها له من فقع الديك لها! ونختم بحكاية الرجل الذى عض أذنه بنفسه.. فقد ادعى شخص على آخر أنه عض أذنه، فقال: يا خوند، هو كاذب، بل هو عض أذن نفسه، فقام قراقوش من مجلسه ودخل البيت وجلس على كرسى والتفت إلى أذنه ليعضها بفمه، فما قدر على ذلك، وانفردكَ (أى تساقط به الكرسى) فسقط على يده فانكسرت، فخرج بها وأمر بضرب المدَّعى عليه، وقال: أنت الذى عضضت هذا وكسرت ذراعى علاوةً على هذا!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات