.

حلم الخلافة الإسلامية العظيم النازف للأبد

Foto

لماذا منح الفاروق سندر الرومى أراضى قرية مصرية؟ كيف اعتمد الفاروق على مصر وذمّ قلة خراجها؟


لا شك أن سيدنا عمر بن الخطاب، أعظم حاكم فى التاريخ الإنسانى برمته، ولا شك أنه لا يوجد حاكم لأى ناس وفى أى زمن وفى أى أرض فى عدله وزهده وتفانيه وإيثاره على نفسه، حتى فى الطعام واللبس، وحتى فى الجلابية التى عُد فيها خمس وعشرون رقعة، والبطن التى كانت تعوى عواءً من فرط الجوع.


والفاروق الملخص الزاهى للحلم العظيم الأبدى فى الخلافة الراشدة، والذى يحلم به المسلمون ويجاهدون ويتقاتلون قتالاً من أجل استعادته -بالحق والباطل- طوال تاريخهم، من أول الفتنة الكبرى حتى قنابل الدولة الإسلامية والنصرة وبيت المقدس وأمها «الإخوان»، رغم أنه حلم عصى بل مستحيل المنال إلا فى وقته وعصره وظروفه وشخصيته التى لن تتكرر، والحقيقة لا يجب أن تتكرر، ومن أبسط الأدلة على ذلك أن الفاروق ما إن استشهد على يد الماجوسى الغدّار حتى تحوَّلت الخلافة الراشدة إلى ملك وراثى ممتد فى قريش، أمويين وهاشميين، حتى سقوط الخلافة العباسية فى بغداد سنة 1258م.


وحتى الشيعة ألد خصوم الفاروق الذى يعتبره معتدلوهم قبل غلاتهم المُبعد الأساسى لسيدنا علِى بن أبى طالب عن حقّه فى الخلافة، لم ينكروا عدله وزهده وهلعه من ظلم أىٍّ من رعيته طوال حكمه، وركزوا مآخذهم الشائعة عليه فى ثلاثة مواقف، وهى تصنّته ليلاً على السيدة التى كانت تغش اللبن، والذى اعتبروه تجسسًا منهيًّا عنه فى القرآن فى قوله تعالى «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا»، وتسوره على بيت الرجل الزانى وانقضاضه على الشاب الذى يسكر من فوق السور والذى اعتبروه جهلاً بالحدود ومخالفة لقوله تعالى «لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها» إلى آخر الآية، وهو ما أقرَّه الفاروق بنفسه حينما أعفى عن السكير والزانى، بينما محبّوه بل منصفوه يرون المداهمات الثلاث فى صالح الفاروق، وإثباتًا لعدله وتفانيه بل جهاده جهادًا فى خدمة رعيته والسهر عليهم.


ولكن الفاروق -شِئنا لم أبينا- كان فى مصر فاتحًا، بل غازيًا، ومصر كانت بالنسبة إليه غنيمة، وعدله العظيم بالنسبة إلى المصريين كان عدله وإنصافه فى تقسيم خراجهم وغنائمهم على العرب المسلمين، مهاجرين وأنصارًا وقرشيين طبعًا، وبمجرد فتحها اعتمد الفاروق على مصر تمامًا فى مدّ الحجاز بكل ما يحتاج إليه لدرجة طابور الجمال الذى كان أوله فى مصر وآخره أمام سيدنا عمر على أعتاب مسجد رسول الله فى المدينة المنورة، ولدرجة حفر قناة لنقل خراج مصر وغنائمها وكنوزها اللى تقريبًا تخصص عمرو بن العاص فى التنقيب عنها فى كل مكان.


وكانت معظم كتابات الفاروق وأوامره وتوبيخاته لواليه عمرو فى هذا الشأن، إما شكّه فى ذمته المالية، وإما استبطاؤه فى إرسال الخراج «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص سلام، فلعمرى يا عمرو ما تُبالى إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معى، فياغوثاه ثم يا غوثاه»، وأول انتقادات الفاروق لواليه عمرو كانت على قلة خراج مصر فى عهده عن خراجها أيام الإمبراطورية الرومانية التى قتلت المصريين مرَّتين، مرة لأنهم آمنوا بالمسيحية التى لا تؤمن بها الإمبراطورية الرومانية، ومرة لأنهم لم يؤمنوا بالمسيحية التى آمنت بها الإمبراطورية الرومانية، ولكن الفاروق لم يقتل، بالعكس فرّ المصريون وباباهم وراعيهم الأكبر بنيامين بطريرك الإسكندرية إلى جيشه من جور الإمبراطورية الرومانية، وساعدوه بكل ما يملكون حتى أزاحهم من الإسكندرية وفى المرتين، وحض الفاروق وأمر وزجر عمّاله وبمنتهى الحسم أن لا يجبر المصرى على الإسلام وأن يخيّر بين الإسلام والجزية، وبالنسبة إلى واليه كانت الجزية مقدمة أحيانًا.


فمصر بالنسبة إليه والعرب المسلمين عمومًا وبالنسبة إلى الظروف وبالنسبة إلى معنى الغزوة نفسه هذه الأيام كانت مغنمًا وفيئًا شرعيًّا للمسلمين، أخذوه عنوة بأسنة الرماح، ومن هنا يفهم رفض الفاروق لرفع الجزية على أرض المصرى الذى أسلم كما نقل ابن عبد الحكم عن عبد الملك بن مسلمة عن وهب عن محمد بن عمرو عن ابن جريج أن رجلاً أسلم على عهد عمر بن الخطاب، فقال ضعوا الجزية عن أرضى، فقال عمر: لا إن أرضك فتحت عنوة، ومن هنا منح الفاروق ألف فدان من أجود أراضى مصر، وقيل أجودها على الإطلاق، لمولى رومى اسمه سندر، كان ملكًا لرجل بالمدينة اسمه زنباع الجذامى، وكل ما بدر عنه فى التاريخ الإسلامى أن الزنباع ضبطه يقبل جاريته فجبّه وجدع أنفه وأُذنيه، فذهب إلى رسول الله يشكو له، فقال الحديث المعروف، الحجة فى معاملة الرقيق «لا تحملوهم ما لا تطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، فإن رضيتم فامسكوا، وإن كرهتمهم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله، ومنْ مُثّل به أو أُحرق بالنار فهو حُرّ، وهو مولى الله ورسوله»، وتركه الزنباع مولى عند الرسول، وظل ملازمًا له، وقبل رحيله قال له: مَن توصى بى يا رسول الله بعد رحيلك، فقال أوصى بك كل مؤمن، وبناء عليه رعاه أبو بكر حتى رحل، وخيّره عمر بين أن يواصل رعايته أو يمنحه فيئًا فى مصر، واختار مصر وسلّمه عمرو أراضى قرية منية الأصبع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات