.

إن عشقنا.. فعذرُنا أن فى وجهنا «نظر»! 

Foto

الباب الذى يصفه أحمد اللباد فى تقديمه الألبومات التى صدرت معًا ضمن مشروع كتاب الأسرة فى تلك المقالات بدت بوضوح رؤية نقدية وتعريفية حديثة عكست شخصيته الشجاعة الذكية المعلمة


فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى بدأ اللباد فى نشر منتظم لـ«ألبوماته» التى عنونها بـ«نظر»، مستلهمًا بشارة الخورى ومحمد عبد الوهاب «إن عشقنا فعذرُنا أن فى وجهنا.. نظر»، وذلك فى صورة باب بمجلة «صباح الخير» التى كان أحد أعمدتها ودلائلها فى «البصر الفنى».. بدأ النشر بمحتوى حرفى وبصرى، يكتب ويصمم ويخرج وينفذ، الباب الذى يصفه أحمد اللباد فى تقديمه الألبومات التى صدرت معًا ضمن مشروع كتاب الأسرة: «فى تلك المقالات بدت بوضوح رؤية نقدية وتعريفية حديثة عكست شخصيته الشجاعة الذكية المعلمة وعكست كذلك خفّة ظله وعمق آبار خبراته ومتانة تكوينه، وكذا فى الحياة والفن عبر الملاحظات البصرية والتشكيلية والجرافيكية.. فى تلك المقالات فتح اللباد علينا ولنا أبوابًا من المعرفة وإعادة النظر».. لا تستطيع أن تحدد على وجه الدقة الميادين التى ينفتح عليها اللباد والبحار التى يمد فيها أشرعته.. رسام، لقطة، كاريكاتير، غلاف، إعلان فى الشارع، زاوية على الطريق، لوحة خط، شعار أو «لوجو».. كل المفردات القابلة «للنظر» تقريبًا تحولت إلى موضوع لنفاذ «البصيرة».. يستلفت فى ما ينفذ إليه، أنه لا حدود جغرافية ولا حدود معرفية، يأخذك من اليابان إلى العباسية، ومن الخط العربى إلى مغربنا الجميل.. البناء الشامخ والإنجاز اللبادى فى مجال فنون البصر لا يمكن الإحاطة به فى حيّزنا المحدود، لكن ليعتبر المتلقى أن ما نحن بصدده مجرد «إشارات»، أسهم تشير إلى أبواب عليه أن يلج منها أو فيها، لكن لـ«اللباد» درب خاص فى ما يكتبه.. صبغة.. أسلوب.. نكهة.. لا أريد استخدام كلمة «أسلوب»، هناك من الكلمات ما فرغ من محتواه، لكن لـ«اللباد» «طريقة» هو فيها «الشيخ»، طريقة توظف فيها حواسك الخمس، وتتفتح خلالها بويصلات جهازك العصبى، فترى كأنك تقرأ، وتقرأ كأنك ترى، وتشم فى الألوان روائح وتنصت إلى اللوحات، وتلمس بروز الخط وتجازيفه، ويحتشد كل ذلك فى حضرة «الحياة».. فى استعادة ما كتبه، تريق لأيام طيب الله ثراها، ورطب أيامنا الجهمة بما يشبهها..

تحت عنوان «نقطة لقاء فى ظلال عمارات تحجب شمس الصيف»، أولاً التفت إلى الصورة فى العنوان واستحضر لحظة قيظ قاهرى، مرطبة بالظل ويرويها ونسة أصدقاء..


(عندما بلغ سعى أقدامنا وسط القاهرة الحديثة لشراء الحبر الصينى وورق الرسم والكتب والمجلات (خصوصًا الإفرنجى والقطيم منها) عرفنا بالسماع بوجود ريش، ثم كان التعرف -من مسافة- على مقهى «ريش»، بعد مرور عامين من الستينيات. كان المقهى مثله مثل (جروبى ولاباس والأمريكان) غريبًا علينا، غربة القاهرة الكوزموبوليتانية التى لم نكن من أعضائها الأصليين ولا مرتاديها، ولم نكن نطمئن إليها، ولا نرفع معها الكلفة، كما كنا غير مدركين لقوانينها وأعرافها.


بعد عام من التحاقى بـ«روزاليوسف»، تجاسرت وتعاملت مع مقهى ريش.. وأرشح غالب هلسا ليكون مَن ساعدنى بتعريفى على المكانة، إذ كان هلسا يبدو عضوًا مقبولاً من القاهرة الإفرنجية التى تضم «ريش»، ولا غرو، فهو خريج الجامعة الأمريكية التى تقع على بُعد خطوات من «ريش» ومكتبه فى وكالة الأنباء التى يعمل بها يقع على نصف خطوة من المقهى، وهو أيضًا يجيد الحديث باللغة الإنجليزية مع أصدقائه..) إلى أن يصف القاهرة الكوزموبوليتانية (كان وسط المدينة جميلاً وفى قمة كهولته، لم تدركه الشيخوخة وانهياراتها بعد، كان وسط البلد أنيقًا ولامعًا مثل بيت مدينى عصرى، إذ كان لا يزال على مبعدة من الريفية التى تسمه الآن)، هذا عن أجواء المدينة، فماذا عن المثقفين والقاهرة المنفتحة؟ (.. لم يكن التجمع قد انعقد على «ريش» كما سيحدث فى ما بعد.. كانت هناك مجموعات تلتقى فى مقاهٍ أخرى «عادية»، فى ميدان التحرير وباب اللوق وميدان الفلكى وشارع عرابى وميدان رمسيس وشارع الفجالة وحى الحسين) انظر إلى الخريطة التى يرسمها.. ولا أريد أن أقطع متعة القارئ فى استحضار اللباد الممتع، لتلقيه ولقائه الأول بريش (شعرنا فى «مقهى ريش» بكثير من السماح والتقبل، فى المقابل كان «جروبى» يبدو لنا مخيفًا، فقد تردد أن نجومًا مثل فريد الأطرش ومصطفى أمين، يتناولون إفطارهم فيه).. وبعد الحيثيات التى تم تفضيل «ريش» لأجلها أنصت إلى أجواء «ريش» وأنظر إلى الجدران وتعقُّب منبت العنوان الذى جاء به اللباد (كانت على حائط المطعم صورة فوتوغرافية لرجل يونانى له شارب ضخم، وكان المكان يحمل آثار عز وتمدين زائلين، وشجع ذلك الزوال جيلنا

القادم من الريف ومن الأحياء القديمة والهامشية على اقتحام هذا الموقع فى وسط القاهرة الأوروبية والسيطرة عليه.. وتخيلنا أن المكان لنا وأن الموظفين وأرباب المعاشات الجالسين بجوارنا وباقى الزبائن هم مجرد دخلاء متطفلين على «مكاننا»، أدرنا لهؤلاء ظهورنا وانهمكنا فى الحديث والنقاش والسفسطة، نتعلَّم من بعضنا بعضًا أمورًا مثيرة، من التفاصيل الصغيرة إلى الأمور الكبرى والمصادر المهمة وتصحيح المسار، وإعادة الاكتشاف وترتيب الأوراق.


كان تعداد سكان القاهرة لا يزيد على ربع الرقم الحالى وكان «الاستقرار» جاثمًا على القلوب، وكنا نرى الأفق مسبحًا، وكانت الحياة أسهل كثيرًا.. كان كثير من البشر ينامون بالقيلولة ويتركون مقهى ريش وشارع طلعت حرب بالظلال الممتدة للعمارات العالية التى حجبت أشعة شمس الصيف وحرارتها، ولذا كانت الجلسات وقت القيلولة فى الممر الضيق المكشوف المحتشد بكراسى الخيزران والمناضد الصغيرة فى هجير الصيف، كانت رطبة ومهدئة.. (كان أجمل ما فى المكان أنه فى كل الأوقات وبالضرورة يضم واحدًا يمكنك الائتناس به..).


ولنا فى «جهير» الأيام و«صقيعها» من زخم اللباد طراوة ودفء.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات