.

المنشية وكذب الإخوان

Foto

ماذا ينكر الإخوان محاولة قتلهم عبد الناصر؟ لماذا يعترف الإخوان بجرائمهم سرًّا؟ مَن سلّم محمود عبد اللطيف مسدسه؟


أدركت جماعة الإخوان المسلمين منذ نعومة أظفارى فى فترة السبعينيات، كنت شبلًا من أشبال الدعوة، رغم أن والدى ووالدتى قد قاما بتربيتى أنا وإخوتى خير التربية على الحلال والحرام، وعلى إقامة الشعائر الإسلامية وحفظ كتاب الله، فإن الإخوان قاموا بتربيتى التربية التنظيمية، فتمت تربيتى التنظيمية كما أرادوا تمامًا، فهذه الفترة تم تكوين حياتى عقلية كما قصدوا أن يكون العقل بالضبط، فى هذه الفترة غيروا وجدانى، وحددوا لى ما أحب وما أكره، فكنت كما أرادوا لى بدون قيد أو شرط أحببت من أحبوه وكرهت من كرهوه، وثقت فيمن وثقوا بهم، وخونت كل من أشاروا على بأنهم خونة، التزمت بكل ما أرادوه كنت مثالًا للشبل والفتى والشاب الإخوانى أو على الأقل كنت أظن ذلك.


سردوا لى التاريخ، وقصوا علىّ الحكايات البطولية التى قاموا بها، رسخوا فى وجدانى أحداثًا بعينها، ظللت أرددها كما لقنونى إياها بكل حذافيرها، مكثت مدافعًا عنهم ما كان فى وجدانى ذرة تقبل لهم.


إلى أن أصبحت فى نهاية العقد الخامس من عمرى وليلة من ليالى ربيع عام 2010 م استمعت أنا وغيرى من الإخوان المسلمين إلى لقاء مع أحد أقطاب الإخوان المسلمين المحسوبين على النظام الخاص، العسكرى الذى قام بعمليات كثيرة، والتى حفظونا ودمغوا وجداننا بأن هذه كلها افتراءات لم تحدث وما حدث لم يكن إلا مجرد عمل فردى، غير مقصود، وربما كان تحت تأثير الظلم الذى وقع عليهم من الملك أو من عبد الناصر.


إلا أن هناك دائمًا حدثًا ظلوا ينكرونه بكل قوة، كتبوا فيه الكتب، استحضروا الشهود الكذبة، وضعوا النظريات التى تؤكد استحالة وقوع هذا الحدث من الأصل ودليلهم هو الكيفية التى عرضتها النيابة، تقوّلوا، افتروا كلمات لم يقلها البعض لتكون نقطة ارتكاز لصالحهم عندما يعيدون صياغة الأحداث وفق رؤيتهم هم ووفق ما يريدون أن يقروه ويثبتوه، مع إصرارهم على نفى هذا الحدث.


هذا الحدث هو محاولة اغتيال جمال عبد الناصر فى المنشية، نعم إن حادث المنشية هو الجريمة التى يتنصل منها الإخوان دائمًا وأبدًا، ويعتمدون عليها فى الهجوم على عبد الناصر؛ لأن هذه الجريمة التى لم تقع فى زعمهم تم شنق الشهيد عبد القادر عودة والشهيد عبد اللطيف والشهيد.. إلخ.


إن محاولة اغتيال الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر «وقتها كان رئيس الوزراء» والمعروفة تاريخيًّا «بحادث المنشية» من أهم الحوادث التى مرت على الإخوان المسلمين فى مصر على الأقل فى تقديرى.


ومن الاتهامات التى وجهت إليهم ومن الحكم الصادر فى حقهم، ومن مزايدات أعداء عبد الناصر التقليدين استند الإخوان المسلمون إلى ذلك كله فى سبيل هدم عبد الناصر وتحطيم شخصيته.


وقدر الإمكان حاول الإخوان التنصل من القضية برمتها، وقبل أن أحكى لكم ما سمعته من أحد قادة الإخوان، بنفسى لا عبر وسيط، أنقل لكم الرواية الرسمية والتى يرفضها تنظيم وجماعة الإخوان المسلمين شكلًا وموضوعًا.


تقول الرواية:
فى تمام الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من مساء الثلاثاء 26 أكتوبر 1954 كان جمال عبد الناصر يخطب فى حفل بالإسكندرية فى ميدان المنشية بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، ومع بداية كلمته وبعد دقائق قليلة دوى صوت إطلاق الرصاص عليه، وخرج صوت عبد الناصر حازمًا بطلب القبض على الشخص الذى قام بإطلاق الأعيرة النارية، وتحدث إلى الجماهير والى الأمة بأن دمه ثمن رخيص للكفاح والحرية والعزة والكرامة، وقد ساد الهرج والمرج بين الجميع، وقد أصيب المحامى أحمد بدر برصاصة من الرصاصات التى وجهت إلى جمال عبد الناصر، وأصيب وزير السودان الميرغنى حمزة فى يده.


وجاءت أخبار الصحف فى اليوم التالى تؤكد أن أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين اسمه محمود عبد اللطيف وهو من أعضاء التنظيم الخاص السرى المسلح بجماعة الإخوان المسلمين، قام بتنفيذ التكليف المباشر من رئيسه فى الإخوان المسلمين المحامى هنداوى دوير، باغتيال جمال عبد الناصر، وذلك أنه فى اعتقاد تنظيم الإخوان ارتكب جريمة فى حق الوطن والإسلام بمهادنة البريطانيين وقبول الضيم منهم فى معاهدة تعتبر خيانة لله والوطن وسلمه أسلحة؛ ليقوم بتنفيذ المهمة بالإسكندرية، وأفهمه أنه أمر من الجماعة التى لها فى رقبته بيعة على السمع والطاعة، كما ألقت القبض على رئيس التنظيم السرى بالقاهرة إبراهيم الطيب، وأيضًا رئيس التنظيم السرى الخاص المسلح فى القطر المصرى كله يوسف طلعت، كما أنه وفى غضون يوم 30 أكتوبر 1954 كان قد تم إلقاء القبض على المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبى المختفى بعد أن سقط فى أيدى الداخلية الضابط صلاح شادى وكان بحوزته أوراق بها أرقام هواتف منها هاتف المنزل المختبئ فيه الأستاذ حسن الهضيبى، وقد قاوم كل من عبد العزيز العراقى وأحمد حسين ومحمد شاكر خليل، القوة التى حاولت القبض عليهم وتم تبادل إطلاق الرصاص من مدافع رشاشة، وقد قتل الأولان وأصيب الثالث وبعد شفائه وتعافيه قدم إلى المحاكمة.


حكم المحكمة
فى الرابع من ديسمبر١٩٥٤ حكمت محكمة الشعب ذات الطبيعة العسكرية برئاسة صلاح سالم وعضوية كل من حسين الشافعى وأنور السادات بالإعدام بحق ٧ من قيادات الجماعة، هم: محمود عبد اللطيف، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوى دوير، ومحمد فرغلى، وعبد القادر عودة، والمرشد العام وقتها حسن الهضيبى الذى خفف عنه الحكم لاحقًا إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، كما صدرت بحق العديد منهم أحكام متفاوتة بالحبس من ثلاث سنوات إلى عشرين سنة.


إلى هنا تنتهى الحكاية الرسمية وتبدأ فصول حكايات الإخوان التى تملأ الكتب من كتاب حادث المنشية للأستاذ عباس السيسى إذ يقول فيه:
إن دهاقنة المكر والخداع أخرجوا هذه التمثيلية، وحرقوا لها البخور، وقدموا لها القرابين- كما كان يفعل المشركون مع أصنامهم التى صنعوها بأيديهم ثم لها يعبدون ويسجدون، إنهم ليعلمون أن هذا الحادث مزيف كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يخدعون أنفسهم؛ ليخدعوا غيرهم ويموهوا عليهم –لأنهم سدنة الطاغوت، فأرزاقهم ومراكزهم ومظاهرهم مرهونة به ونظامه.  


وفى أثناء تلقينا التربية والفكر من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، دائمًا وأبدًا ما ينكر الإخوان صلتهم بهذه الجريمة، تمامًا إنكار شديد صلب، تشعر معه بحرارة الصدق فيما يقولونه، فيتسرب إليك، صدقهم، فتقوم بالنيابة عنهم تنشر كلامهم، وتؤكد لمستمعيك، منهم أقاربك الذين شاهدوا الحادث، منهم أعمامك الذين كانوا فى المنشية وقرب الحادث، منهم من أكد حدوث الجريمة، لكن أمام إصرارك كأخ إخوانى يثق فى قيادته التى يظن أنها صادقة دائمًا والتى تنكر وتقسم بالله فى كل الأوقات أنها لم تقم بهذه الجريمة، ويقولون لك، نحن اعترفنا بقتل النقراشى والخازندار، كمسؤولية فردية، وليس مسؤولية تنظيمية «وهذا تلبيس سنقوم بشرحه فى مرات تالية» لكن حادث المنشية ملفق ولو قمنا به لا يضيرنا أن نقره أو نعتذر عنه.. ويلقنونك فى كتائبهم هذه الكلمات وتلك المعانى سنوات طوالًا، حتى تصبح عقيدة فى وجدانك.. ثم عندما يقترب أجل أحدهم.. ويوشك أن يلقى ربه يلوم نفسه، ويحاول التخفيف من وزره بالاعتراف عمّا اقترفت يداه فماذا قال القيادى الإخوانى محمد نجيب راغب أحد رجال التنظيم السرى أو النظام الخاص المسلح فى جماعة الإخوان المسلمين لنا ونحن مجتمعون.


قال: «نعم نحن من حاول اغتيال جمال عبد الناصر فى المنشية» قلت له فضيلتك.. «نحن لا نخاطب الرعيل الأول إلا بكثير من التوقير والاحترام» تقصد مين بنحن؟؟ قال بكل قوة وثقة وهو يضغط على حروف كلماته «نحن يعنى.. جماعة الإخوان المسلمين» فقال له أخ آخر موجود.. حضرتك يعنى إيه؟؟ إحنا متربين على أنها تمثيلية.. وقلت أنا موجهًا خطابى للأستاذ محمد نجيب حضرتكم المرشد لم يأمر بهذا العمل.. والإخوان قالوا إنه تصرف فردى من محمود عبد اللطيف.. فكيف تقول إنه أمر من الإخوان المسلمين؟؟.. كنت أتنفس بصعوبة وتبدو علامات الخوف فى وجهى.


قال: اسمع يا أخى.. مش كل عملية تتم ويكون لها عقبات نقول إنها تصرف فردى.. يعنى إيه تصرف فردى.. مش انتم متربين أنك تسمع كلام الأخ مسؤولك.. قلت أيوه.. قال لى وكذلك الأخ محمود عبد اللطيف كان يسمع كلام مسؤوله والأخ هنداوى دوير كان بيسمع كلام مسؤوله اللى هو إبراهيم الطيب، وأنا بيدى هذه من حملت المسدسات إلى هنداوى دوير من إبراهيم الطيب، ورفع يده لنا بيدى هاتين، وحضرت وعند سفر محمود عبد اللطيف فى السكة الحديد، إحنا كنا ننفذ التعليمات، وعندما تململ الأخوة وهمهموا فقلت حضرتك دا كلام خطير.. قال والله يا ولدى هناك كلام كثير من الممكن أنى أقوله، أعرفه ككف يدى لكن لم يحن الوقت له، فقال الأخ الأول إلى متى كل مرة وكل فترة من الزمن تقولوا لنا هناك أسرار لم يحن الوقت؟ الوقت ده لا يأتى أبدا؟


أتذكر صدمتى بعد كل هذه الفترة، وذهولى أنا ومن معى من جرأة الإخوان على الكذب، والتدليس على أبناء التنظيم أنفسهم.


انظر الآن إلى الإخوان المسلمين فى العموم، وأقول متى سيكشف لهم قادتهم، وبعد كم من الوقت وبعد كم من الدماء، وكم من الأعمار التى تهدر فى السجون، أنهم أمروا بممارسة العنف، وزرع القنابل التى قتلت الأبرياء.. ترى مَن مِن الأفراد الإخوان يقسمون الآن على براءة المتهمين الإخوان ونزاهتهم، وكم منهم سيكتشفون الحقيقة ومنهم أنفسهم، بعدما يعترفون لهم «سرًّا فالإخوان لا تعترف إلا سرًّا ليتمكنوا من إنكار اعترافهم ثانية» أقول وبكل الحزن مرة أخرى كم منهم سيندمون كما أندم الآن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات