.

ثورة يوليو فى عيون فتحى رضوان

Foto

وتحت عنوان «٧٢ شهرًا مع عبد الناصر»، ضمن فتحى رضوان رؤيته التى كانت حصيلة لتجربة ربما لم تتح لسواه، لثورة يوليو ولجمال عبد الناصر والكوكبة التى ارتبطت أسماؤها بعبد الناصر وثورة يوليو


جوهر كتابات بل حياة المحامى والوزير والكاتب فتحى رضوان، رحمه الله، هو «الحرية».. التصق بها جوهرًا، وأخذها معيارًا ومعراجًا فى ما يكتبه، كما فى إسهامه فى الحياة العامة منذ أسس مصلحة الفنون، نواة وزارة الثقافة.


وتحت عنوان «٧٢ شهرًا مع عبد الناصر»، ضمن فتحى رضوان رؤيته التى كانت حصيلة لتجربة ربما لم تتح لسواه، لثورة يوليو ولجمال عبد الناصر والكوكبة التى ارتبطت أسماؤها بعبد الناصر وثورة يوليو، ولكن ما أتى به فتحى رضوان كان مختلفًا عما يمكن أن يكون قد أُتيح لغيره، ونشره فصولاً ضمن كتابه «٧٢ شهرًا مع عبد الناصر»، والتى نشرت أول ما نشرت فى مجلة «الفجر»، وهى مجلة كانت تصدر فى الدوحة (دوحة ما قبل الإخوان)، وكان يرأس تحريرها حلمى سلام، ولاقت الحلقات إقبالاً عربيًّا لافتًا للغاية، ليس لمعرفة ما جرى حتى نجحت ثورة يوليو واستقرت، ولكن لأن عين فتحى رضوان كانت تملك ببساطة مفاتيح (كواليس ودواخل) الثورة وأعضائها، وقد أعادت «دار الهلال» نشر هذه الرؤية قبل أكثر من ربع قرن ضمن سلسلتها «كتاب الهلال» تحت عنوان «عبد الناصر بقلم فتحى رضوان»، بغلاف تتصدره لوحة لوجه عبد الناصر، بريشة الفنان الكبير جمال كامل، وهى ريشة غير متكررة فى إبراز «المزيج الإنسانى» الذى قد يتشابك داخليًّا، فلا يقبض عليه إلا فنان بقيمة جمال كامل.

أقول هذا لأن لوحة جمال كامل كانت نصًّا موازيًا لكتابات فتحى رضوان.. فكيف بدأ عبد الناصر ورفاقه ثورة يوليو فى عيون فتحى رضوان؟


يقول رضوان إن من أبرز سمات يوليو أن مفجريها الذين كانوا دون الأربعين، كان على رأسهم ضابط واحد، لواء، شكَّل علامة استفهام كبيرة حتى وفاته عام ١٩٨٤، هو اللواء محمد نجيب الذى يصفه بكونه «شجاعًا»، رافضًا للإذعان، عرفت عنه مواقف «أبلى فيها بلاءً حسنًا» فى مواجهة الملك والحاشية وياور الملك حيدر باشا، وأُصيب مرات ثلاث فى حرب ٤٨، عف اليد، يتمتع بجاذبية لا تقاوم، وكل ذلك جعل اختيار الشباب له اختيارًا صائبًا.


يقول رضوان إن الشعب أحب نجيب وانجذب إليه، وإن الأخير ورث زعامة مصطفى النحاس، بل إنه «أنسى الشعب حبيبه القديم» واحتل فى الأفئدة مكان البطل والناس رفعت صوره، وشائعة نسبه السودانى النوبى وأن خاله ووالده خدما فى السودان وماتا ودفنا هناك، هذه الشائعة جعلته يتربع أيضًا على قلوب السودانيين، مع أن الحقيقة أنه ولد فى واحدة من قرى كفر الزيات.


المهم فى توصيف العلاقة بضباط الثورة يرى رضوان أن ثمة نوعًا من صراع الأجيال، وأنه لم يكن ممكنًا أن يبقى على رأس قيادة الثورة وأن العشرين عامًا التى فصلت ما بين عمر نجيب وباقى أعضاء الثورة كانت كفيلة بأحداث الفصل، خصوصًا لمَن علم أنه ليس من صفات محمد نجيب أن «يستميل» الشباب، فهؤلاء الشباب فرحوا فى البداية لما رأوا حب الناس لمحمد نجيب، وأدركوا أن اختيارهم له كان صائبًا، وأن شعبيته قد أسهمت فى ترجيحات مهمة لصالح الثورة فى مواجهة خصومها، حتى مال نجيب نفسه إلى الخصوم الذين خشوا تأخر عودة الحياة النيابية وحريتها سريعًا.


يروى رضوان أنه دعا لمقابلة أعضاء مجلس قيادة الثورة مجتمعين يومًا، بعد أن قابل عبد الحكيم عامر وجمال سالم منفردَين، وهو الذى لم يكن يعرف منهم إلا أنور السادات الذى تردد على مكتب رضوان أكثر من مرة فى واحدة منها كان هاربًا من البوليس فى أثناء نظر قضية أمين عثمان.


يقول رضوان إنه حين دُعى للقاء مجلس قيادة الثورة، ورأى نفسه جالسًا وسطهم وهم منصتين، أحس سعادة عميقة لأنه جالس بين «مَن صنعوا الثورة»، وأن وجوههم كانت تفيض بُشرًا، ولم يكونوا يكفون عن مداعبة بعضهم بعضًا، ويقول إنه فى هذا الاجتماع جرى ما يحسبه «ذا دلالة»، فقد داعب أكثر الحاضرين، لا سيما كمال الدين حسين، زميله أنور السادات مداعبات ثقيلة، فلم يبد عليه غضب ولا احتجاج.


يذكر رضوان اسمين، أحدهما لم يظفر بما يستحق من احترام، والثانى «غريب حقًّا»، لا يقف أمامه المؤرخون ولا يحكمون ضده، الأول هو المقدم يوسف منصور صديق، الذى لولا خطأ وقع فيه ليلة الثورة لفشلت الثورة، والثانى هو حمزة البسيونى الذى وصل إلى رتبة لواء، وعُرف عنه العنف واقترنت ثورته بالتعذيب لما أسندت إليه إدارة السجن الحربى. الاسمان عرفهما رضوان قبل الثورة ورآهما فى الحياة العادية، قبل الثورة وبعدها ومع ذلك بقيت علاقته بهما سطحية.


كان يوسف منصور الذى انفرد بدور حاسم فى الثورة، واجتاز بها مرحلة الخطر، لكنه لم ينل السلطة ولا ذاق حلاوتها. كان له أخٌ شقيق هو أيضًا كان ضابطًا، وكان يوسف عليه أن يقود طابورًا ميكانيكيًّا من المعسكر «الهايكستب» إلى الصحراء، وكانت ساعة الصفر هى الواحدة صباحًا، لكن لسبب أو لآخر تحرك يوسف ساعة مبكرًا، ظنًّا منه أن منتصف الليل هو التوقيت، ولحسن الحظ أن ما كان خطأً صار سببًا فى نجاح الثورة، لأن شقيقه الضابط أيضًا لما علم من أمهما أن يوسف غادر البيت بزيه الرسمى، مبررًا ذلك أن عنده مهمة فى أنصاف الليالى، لم يستبعد الأخ فكرة المؤامرة على القصر، فأبلغ، لكن القيادات كان معظمها فى الإسكندرية، وكان الخروج الأبكر ليوسف صديق هو ما أنقذ الثورة، ولو انتظر الطابور الميكانيكى الذى كان على يوسف أن يقوده إلى المواقع الرسمية تلك الساعة لتغيَّر كل شىء.

كان يوسف يساريًّا ولم يتفق مع عبد الناصر ورفاقه، وكان مع الداعين إلى الديمقراطية مما أدَّى إلى اعتقاله ثم أُفرج عنه ليبقى فى الظل. أما حمزة البسيونى فقد عرفه رضوان طالبًا فى جامعة القاهرة قبل أن يتحوَّل إلى الكلية الحربية، وكان منتسبًا إلى حزب مصر الفتاة، وكان ملازمًا لعبد العزيز الشوربجى المحامى، نقيب المحامين فى ما بعد، وعبد الوهاب حسنى، وكان شابًّا يفيض حيوية.


يقول رضوان إن ذيوع حكايات التعذيب وارتباطها باسم البسيونى لم يستدعِ إليه البسيونى الذى كان يعرفه، لأن البسيونى الذى عرفه كان شابًّا جميل الطلعة، بسيطًا ودودًا، يتصدى فى المظاهرات للبوليس، يصوب خراطيم مياه حدائق الجامعة إلى البوليس كـ«طفل يلهو».


قابل رضوان حمزة البسيونى على محطة قطار الإسكندرية، وكان رضوان وزيرًا للمواصلات، فإذا بضابط ضخم فى رتبة لواء يتقدَّم مصافحًا، وإذا هو البسيونى غير البسيونى، تغيَّرت ملامحه وامتلأ جسمه، واستمر واقفًا حتى رحل القطار، مما اضطر رضوان أن يحييه ثانية بإيماءة من الرأس. ولما تنامى إلى أسماع رضوان غمغمة الركاب عن حمزة البسيونى وقصص التعذيب، يقول رضوان «ورحت أتأمل عجائب الحياة»! واستحضرت ما يقوله العلم عن ازدواج الشخصية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات