.

السُّنى الحنبلى الذى نقد الأحاديث!

Foto

كيف تجرأ ابن الجوزى وهو السُّنى الحنبلى على المنظومة الحديثية وصنف كتبًا فى نقد الأحاديث؟ كيف لم يجعل ابن الجوزى الإسناد مقياسًا لصحة الحديث؟


لطالما عرف علماء الحديث «الحديث الصحيح» على أنه: «ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة»، مما يحيل إلى اعتبار آلية الإسناد هى الآلية الوحيدة التى يقاس بها صحة الأحاديث، وذلك بنحو ما أقر الإمام ابن حنبل بقوله: «إذا صح الإسناد فقد صح الحديث»، فإذ يبدو -وللغرابة- أن نجد ابن الجوزى «الفقيه الحنبلى المحدث» يعلن ويقر فى لهجة شديدة الجرأة، خلافا لما ذهب إليه أهل الحديث عامة، بأن «صحة الإسناد لا تقطع بصحة الحديث»، ليضع معيارا لصحة الحديث متوقفا على عدم مخالفته «أى الحديث» ومناقضته للمعقول أو الأصول، وذلك وفقا لما أقر بقوله فى كتابه «الموضوعات» أنه «لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أن الجمل قد دخل فى سم الخياط لما نفعتنا ثقتهم ولا أثرت فى خبرهم لأنهم أخبروا بمستحيل، فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع»، مؤكدا أنه «قد يتفق أن رجال الحديث كلهم ثقات ومع ذلك يكون الحديث موضوعا (أى منسوبا كذبا إلى النبى)، أو مدلسا».

ومن ثم فقد راح ابن الجوزى -وإن ظلت آلية الإسناد حاضرة كآلية فرعية- ينفرد فى كتابه الذى عرف «بالموضوعات» بتحليل الأحاديث وتنقيتها وفقا لمبدأ المعقولية، ولعل مثالا على ذلك نقده لحديث نافع عن ابن عمر: (قال رسول الله «ص» لو تمت البقرة «السورة» لتكلمت البقرة مع الناس)، ويقر بأن هذا الحديث موضوع لا عفا الله عمن وضعه لأنه قصد عيب الإسلام بهذا.
ولم يتوقف نقد ابن الجوزى للأحاديث بل عاب وشنع على «جمهور المحدثين» وأصحاب السنن والصحاح لاعتمادهم أحاديث موضوعة، فقد تعجب من أبى بكر بن أبى داود صاحب السنن، لاعتماده حديثا «فى فضائل القرآن» وهو يعلم أنه حديث محال، مؤكدا أن عادة المحدثين هو «تنفيق حديثهم ولو بالأباطيل وهذا قبيح منهم».
كما يسرد ابن الجوزى مجموعة من الأحاديث الموضوعة فى فضل الصحابة، فيذكر فى مفتتح الباب الذى راح ينقد فيه الأحاديث التى وضعت فى فضل أبى بكر الصديق، فيقول: «قد تعصب قوم لا خلاق لهم يدعون التمسك بالسنة فوضعوا لأبى بكر فضائل، وفيهم من قصد معارضة الرافضة بما وضعت لعلى عليه السلام، وكلا الفريقين على الخطأ»، ومن هذه الأحاديث التى حصرها فى خمسة عشر حديثا، طعنه فى حديث عن عبد الله بن عباس قال: (لما نزلت «إذا جاء نصر الله والفتح» جاء ابن العباس إلى على فقال له: قم بنا إلى النبى فسألاه عن ذلك، فقال يا عباس إن الله قد جل أبا بكر خليفتى عن دين الله ووحيه، فاسمعوا له تفلحوا..)، ويقر ابن الجوزى بأن هذا الحديث لا يصح، ومدار الطريق فيه، على عمر بن إبراهيم وقال عنه الدارقطنى كان كذابا يضع الحديث.
وضمن هذا السياق فقد تصدى صاحب كتاب الموضوعات لنقد الأحاديث الموضوعة فى مدح أهل السنة وذم من خالفهم المنعوتين من قبل هؤلاء «أى أهل السنة» بالمبتدعة، لا سيما وقد أفرد كتابا على حدة يسميه «كتاب السنة وذم البدع» يطعن فى الحديث الذى يصف جميع الفرق عدا أهل السنة «كالقدرية والمرجئة والشيعة.. إلخ» بالهلاك الأبدى، وفحواه أن النبى قال: تفترق أمتى على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم فى النار إلا فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال الزنادقة وهم القدرية. وبجانب تأكيد ابن الجوزى على أن هذا الحديث مما لا يصح عن النبى «ص»، راح يندد تنديدا شديدا برواته، فيقول: «هذا الحديث وضعه الأبرد وكان وضاعا كذابا، وأخذه منه ياسين الزيات، فقلب إسناده وخلطه، وأما حفص بن عمر فكان كذابا يحدث عن الأئمة بالأباطيل».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات