.

القُبلة التى كشفت جرائم المجتمع ودعم القانون لها!

Foto

كيف صُنعت جريمة قانونية بسبب قُبلة من طفل؟ هل الفساد الإدارى والأخلاقى هما اللذان ساندا الأب فى دفع الطفل إلى المحكمة؟


«أين براءة الأطفال؟»، تلك الجملة التى كنا نستخدمها لنشبه شخصًا بريئًا جدًّا فنقول عنه «وبراءة الأطفال فى عينيه».. هل اغتلنا براءة الأطفال بأن سقطت مع ما سقط منَّا؟ هل خافت وهربت عندما تدعشن المجتمع وتنمَّر على نفسه باسم الدين؟ هل اختبأت كما يختبئ الأطفال خوفًا من الكبار؟ أين براءة الأطفال يا مصريين؟ بل أين العقل والتعقُّل؟ هل من العقل أن ينشغل الرأى العام بطفل عبَّر بعفوية، ولا يمكن أن تفهم إلا أنها عفوية عن حبِّه الطفولى لزميلته فى «Kg1» وقبلها على خدِّها؟! هل هذا السلوك يعتبر خطرًا على المجتمع ويهدد سلامته؟! إن سلوك الطفل فى هذه السن لا يقابل فى أقصى حالاته إلا باللوم الرقيق وإفهام الطفل حدود تعامله مع زميلته، وإفهامها ما المسموح به فى التعامل مع زميلها، لكن أن يعتبر أبو الطفلة أن هذا تحرش يستدعى إقامة دعوى بالمحامين بمحاضر فى الشرطة بتحريات ثم بتحقيق نيابة، ثم إدراجها فى القضاء وتنزل جدول كمان! فهذا ما لا يحتمل العقل تصوره، إلا إذا كان هذا مؤشرًا على تفكُّك المجتمع من الداخل، وتحلل مفهوم الطفولة ببراءتها مقابل قوة قيمة التصور الجنسى للأطفال، تحلل قيم التفاهم فى مقابل قيم التسامح، تحلل قيم المسؤولية المجتمعة مقابل الفردية الضيقة، تحلل مفهوم الدور الوظيفى مقابل العلاقات والمصالح، فأبو الطفلة يعمل مأذونًا شرعيًّا، فهل هذا ما جعله يفهم أن الشرع الذى أباح تفخيذ الفتاة الصغيرة ووطئها، فأصبحت الطفلة فى نظر أبيها ونظر الدين محل استمتاع جنسى، فخاف عليها، ولم يفهم سلوك الطفل باعتباره طفلًا بريئًا؟!

هل مفهوم الرجولة الشرفية والخوف من معايرة الناس له بعد انتشار رد أبى طفل سابق على مشكلة سابقة فى مدرسة إنترناشيونال بقوله «اللى عنده معزة يربطها» جعل الأب يستبق الأحداث ويختصر المشهد بأن يصعده إلى القضاء؟ هل يمكن اعتبار هذه الواقعة بما فيها من ملابسات دليلًا على التحول النفسى المجتمعى فلم يعد ينظر إلى الأطفال على أنهم أطفال جعلت الأب يغار على طفلته ولا يرى فيها ما كان يجب أن يراه وما نراه جميعًا من أنها طفلة بريئة لا يمكن أن تُقَبّلها إلا قُبلة أبوية، ولا يمكن أن تلمسها وتتحرك فيك الشهوة إلا إذا كنت شاذًّا جنسيًّا أو مختلًّا نفسيًّا، وإذا كان الأمر ليس أكثر من مشادة عتاب بين الأب، وهو بالمناسبة رئيس مجلس الأمناء بالمدرسة محل الواقعة التى فيها ابنته، مع وكيلة المدرسة التى تصادف أنها جدة الطفل (المتهم)، فتحول العتاب إلى مشاجرة، ولما فشلت جلسات الصلح العرفية فى لمّ الشمل ونزع فتيل المعركة والحرب! فلم يكن من بد أمام الأب إلا أن يزعم واقعة ضرب مكذوبة لينتقم من الجدة والأب وليس من الطفل فقط.
هنا نحن أمام مأساة مجتمعية اسمها الفساد الإدارى فى مؤسسات الدولة، فهذه القضية كان من الممكن جدًّا أن تنتهى عند تقديم البلاغ فى الشرطة، فالطفل متهم بضرب زميلته لا إصابتها بعاهة ولا بجرح ولا بأى شىء يحتاج إلى تقرير طبى، وبالتالى كان يجب حفظ المحضر وإحضار ولى الأمر للاعتذار، فالتحريات التى أثبتت صحة واقعة ضرب الصغير لزميلته تكشف عن الفساد فى مؤسسة التحريات، وإحالة الطفل من قسم الشرطة إلى النيابة أمر فى غاية الغرابة، فلِمَ لم يقُم الضابط بتوجيه العتاب إلى الطفل أو ولى أمره، ولم الموضوع الذى ما كان يجب أن يشغل الهيئة الشرطية فى ظل دولة ومجتمع يحاربان الإرهاب وفى حاجة إلى جهود رجال الأمن. ومن الخيانة أن نبدد الجهود فى الجرى وراء الطفل، للتأكد هل «باس» زميلته فى خدها الأيمن أم الأيسر؟ ويا تُرى كانت «البوسة» بصوت أم كانت من دون؟ أم هو شدّها من شعرها وأوقعها فى حوش المدرسة على خلفية اختلافهما مين بيحب أبلة ميرفت أكثر؟ هذا هو التهريج الأمنى فعلًا، وكيف سولت نفس رجال الشرطة بتصعيد الأمر إلى النيابة، ومن النيابة إلى القضاء ثم محكمة الأحداث؟! صحيح القاضى أجَّل النطق بالحكم إلى 30 مايو الحالى، إلا أن مثول الطفل أما الهيئة الموقرة يعد عيبًا فى حق المجتمع، هل عندما لم يعد الكبار كبارًا يتعاملون بحكمة، قتلوا براءة الأطفال؟ الغريب أن جدة الطفل مديرة المدرسة حصلت على حكم ضد أبى الطفلة بالحبس ستة أشهر لتعديه باللفظ عليها أمام شهود، يعنى موضوع بسيط لو نحن فى عشرينيات القرن الماضى أو حتى ستينياته لم يكن سيشغل بال أحد، فالثقافة المجتمعية والوعى العام كان يستحيل معهما أن يُقدِم الأب على مثل هذا التصرف الغريب، وحتى لو كان محل استهجان من الأب كان تم حله فى غرفة مديرة المدرسة، ولم يكن ليصل قط إلى ساحة الشرطة أو القضاء.
يبدو أننا فقدنا الكثير من مقومات السلامة الاجتماعية والأمان المجتمعى، يبدو أن حالة الاحتقان تتزايد، والتعصب يتوغل، نحن على أعتاب ثقافة العنف ومناصرتها، نحن على أعتاب بيع المؤسسات الحكومية وإجراءاتها المعقدة لصالح العلاقات الشخصية التى يمكن لمواطن لمجرد أنه يعرف أمين شرطة أو موظفًا ليس مهمًّا أن يكون مسؤولًا المهم أنه يكون مفتَّحًا وعارف مفاصل العمل، وكيف يتحكم فيها وكيف يستفيد منها.. وجود هؤلاء كافٍ لأن تسير القضايا فى وجهة غير وجهة العدالة، مش بس إحالة طفل إلى المحكمة، لا إحالة أبيه إلى الجنايات!
يا سادة يا كرام، لقد أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة، لا تستهينوا بدلالات ما حدث ولا تستصغروا مناقشة كل تفصيلة وأية تفصيلة، ودون خوف أو مجاملة، وقتها سترون الصورة دون رتوش، وهى صورة مفجعة ومخيفة ومقلقة، ستكتشفون أننا مجتمع جاثم على برميل بارود قابل للانفجار فى أية ولحظة، واقع المجتمع المصرى لم يعد يسر عدوًّا ولا حبيبًا، فأرجوكم توقفوا عن الكلام السهل الجميل المطيباتى مثل أن المجتمع المصرى من آلاف السنين آمن وأن الله وعده بالأمن والأمان، فكل هذا الكلام على عينى وراسى وعلى راس أبويا الله يرحمه كمان، لكن الكلام شىء وواقع المجتمع شىء.. إن تمازج الثقافة الوهابية المتعصبة والمتشددة التى تفسر كل شىء بالجنس، مع ارتفاع فى قائمة المحذورات الأخلاقية، مع الفساد المالى والإدارى والأخلاقى، يولد ولا شك الانفجار وإيذاء الذات وتدميرنا بعضنا لبعض، وهذا أكبر خطر. انتبهوا.. انتبهوا... انتبهوا، وستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات