التمييز والقتل على الهويّة

Foto

هل الملصقات الدينية على السيارات والمحلات دليل على التديُّن؟ أم خوف من التطرُّف؟ لماذا دائمًا تكون بداية الحروب الأهلية إصرار الأطراف المتضادة على إعلان اختلافاتها على الملأ؟


لماذا لم تكن فكرة وضع ملصقات دينية على واجهات المحلات أو على زجاج السيارات الخاصة فكرة طيبة؟ لماذا كانت فكرة ظاهرها الخير وباطنها الشر؟ أولاً: لأننا لو كنا نريد الصلاة على النبى، فإن هذه الصلاة مكانها القلب، فعن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول «إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى»، والنيّة مكانها القلب.

ثانيًا: لأن الملصقات لو كانت قد انتشرت، لكانت النتيجة المباشرة هى سهولة التمييز الواضح لسيارات ومحلات المسلمين، وبالتالى سهولة مهاجمة سيارات ومحلات المسيحيين.

هل تتذكرون أنه بعد أحداث ماسبيرو كان المتطرفون قد أقدموا على تكسير زجاج السيارات التى تقودها السيدات غير المجّبات، ذلك لأن عدم وضع الحجاب كان قد اقترب من أن يكون هو المؤشر الذى لا شك فيه، فى أن السيدة التى لا تضعه هى سيدة كافرة.


إن إقدام المتطرفين على تكسير زجاج السيارت وواجهات المحلات التى لا تضع الملصقات، كان هو النتيجة المؤكدة لحملة وضع الملصقات الدينية، وذلك لشبهة أن تكون مملوكة لأنجاس من المسيحيين الكفار.

إن بداية الحروب الأهلية هى دائمًا كانت بسبب إصرار الأطراف المتضادة على إعلان اختلافاتها على الملأ، بحيث يصبح من الواضح للعيان وبشكل مباشر، إلى أى الفريقين المتصارعين ينتمى أى شخص، بمجرد النظر إلى الملابس أو إلى طريقة تغطية الرأس، هنا يصبح من السهل القتل على الهويّة. هكذا تمامًا بدأت مثلاً الحرب الأهلية اللبنانية.


لا أعرف على وجه الدقة عدد الروايات التى كتبها روائيون لبنانيون أو عرب عن الحرب الأهلية البنانية. لكنى قرأت منها عددًا من النماذج، منها مثلاً رواية حنان الشيخ «حكاية زهرة»، ورواية رشيد الضعيف «عزيزى السيد كاواباتا»، ورواية جبور الدويهى «شريد المنازل»، ورواية أمين معلوف «التائهون»، ورواية صمويل شمعون «عراقى فى باريس»، وكلها تذكر أن الاسم فى البطاقة الشخصية يمكن أن ينقذ صاحبه من الموت، أو يمكن أن يؤدّى بصاحبه إلى الموت.

ليس فقط نموذج لبنان، بل إن رواية «الطليانى» للتونسى صبحى المبخوت، تذكر لنا أن الأمازيج الذين استقروا فى تونس العاصمة، على زمن الحبيب بورقيبة، كان عليهم التخلّى عن أسمائهم الأمازيجية، واستعمال أسماء عربية، لتسهيل اندماجهم فى المجتمع العربى التونسى.


أقوى هذه النماذج اللبنانية هو رواية الدويهى، الذى يمثل بطلها حالة غريبة جدًّا، لأنه مولود فى أسرة مسلمة من طرابلس، إلا أنه انتقل فى سن مبكر إلى الإقامة لدى أسرة مسيحية فى جبل لبنان.

عندما عاد إلى الإقامة فى بيروت استخرج لنفسه بطاقة انضمام إلى إحدى الجمعيات مستعملاً اسمًا مسيحيًّا.

ثم عندما بدأت الحرب الأهلية اللبنانية فى بيروت، قبضت عليه ميليشيات الكتائب، ثم أطلقوه عندما وجدوا اسمه المسيحى على بطاقة. لكنه كان هو نفس الاسم المسيحى على نفس هذه البطاقة الذى كان السبب فى قتله، عندما قبضت عليه قوات من بيروت الغربية المسلمة.


الذى حدث فى بيروت هو أنهم بدؤوا أولاً بالتمييز بين الناس بالملابس وأغطية الرأس وبالملصقات على زجاج السيارات، ثم ثانيًا بالتمييز على أساس الانتماء الجغرافى، عندما انتقل كل المسيحيين لسكنى بيروت الشرقية، وانتقل كل المسلمين لسكنى بيروت الغربية. ثم ثالثًا: وصلوا بعد ذلك إلى مرحلة القتل على الهوية، أى القتل بسبب الاسم المسجّل على بطاقة الهوية.

طبعًا حالة بيروت مختلفة كثيرًا عن حالة القاهرة، لأن عدد مسيحيى بيروت هو تقريبًا نصف عدد سكانها، فى حين أن مسيحيى القاهرة لن يكونوا فى أفضل الأحوال أكثر من 10%.

وبالتالى فإن ما كان سيحدث فى حالة القاهرة، هو ليس حربًا أهلية، بل هو مذبحة لسكانها المسيحيين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات