.

القراءة الشعبية للتاريخ

Foto

قرن المصريون بين «قراقوش» والجور والظلم والبطش، واستخدموا «النادرة» و«الحكاية»، والتورية والإفصاح، ليكتبوا على طريقتهم، جانبا من تاريخهم


«الحكاية» و«النادرة»، سبل جد حفيدة لقراءة التاريخ.. بل إنها قد تكون واحدة من تجليات شعب فى مواجهة ما يترتب على فساد النخب الحاكمة والنخب السياسية والاجتماعية، لما يحس الخذلان.. ولا داعى لمقدمات طويلة، لما تكون فى مواجهة استكشاف عمل شديد الإمتاع، على الرغم من كونه قادما من حَشَى التاريخ.. تاريخ المصريين، الذين تقلبوا على مدى التاريخ وعاشوا حقبا، صال خلالها الحكام وجالوا، وتعاقب على حكمهم صنوف، لا ترد على بال ولا على خاطر، كان منهم «قراقوش» أو «القراقوش»، الذى تحول إلى رمز لا يحتاج إلى توضيح لقرون قاربت أن تكون عقدا.


قرن المصريون بين «قراقوش» والجور والظلم والبطش، واستخدموا «النادرة» و«الحكاية»، والتورية والإفصاح، ليكتبوا على طريقتهم، جانبا من تاريخهم، عن واحد من الذين حكموا مصر إبان العصر الأيوبى، بغير عدل ولا نزاهة، وكمم أفواههم وأمعن فى الإهانة، وتصور أنهم لا يملكون غير الاستكانة.

 

يحقق لنا الباحث الدكتور عمرو منير، برشاقة وانسياب، عملا تراثيا عتيقا، يتحول على يديه إلى متعة حقيقية فى المتناول لكل من ينشد «متعة القراءة»، التى سرعان ما تتحول إلى حالة وجدانية، ذهنية، عقلية.. بل حالة تأملية خالصة فى أحوال المصريين، وآلياتهم فى دفع ما لا يستطيعون معه المواجهة المباشرة.


دكتور عمرو منير حقق كتابا معروفا فى التراث تحت عنوان «الفاشوش فى حكم قراقوش»، ظهر أول ما ظهر فى القرن السادس الهجرى، الثانى عشر الميلادى، إبان العصر الأيوبى، والرجل الذى يحكى عنه الكتاب، والذى احتفظت به الذاكرة المصرية على وجه الخصوص تحت اسم «قراقوش» هو: «الأتابك»، أى الأمير أو الشيخ المحترم بلغة الأتراك، قراقوش بن عبد الله الأسدى، أبو سعيد، بهاء الدين.. رومى الأصل، نشأ فى خدمة صلاح الدين الأيوبى، وناب عنه فى حكم مصر، وكما يقول المحقق، «كان أثرها أكبر من تأثيرها».


عاش الفاشوش وقراقوش، حكايات ساخرة، متداولة فى المخيلة المصرية عصورا، إلى أن جاء الإمام جلال الدين السيوطى، من أعلام العصر المملوكى، «٨٤٩- ٩١١ هجريا» فى القرن العاشر هجريا، وسُئل فى درس له بالجامع الطولونى عن الأمير بهاء الدين قراقوش وهل له أصل فى التاريخ؟ حكايات المصريين عن «قراقوش»، يقول إنه «جمع هذه الأوراق، ما رق وراق فى ليلة واحدة وحررها فى ساعات قليلة، نقلا عن بن تغر بردى المؤرخ فى كتاب النجوم الزاهرة»، لإيهام متلقيه بأمانته العلمية، وليضفى المصداقية، لم تكن مجرد حكايات تاريخية، بل معاصرة، يستدعيها الإمام جلال الدين السيوطى ليعرض بالرمز ويفضح الواقع ويعريه بالإسقاط على الحاكم الظالم.


كتاب «الفاشوش» فى حقيقته الأولى يعود إلى ابن مماتى، الذى تولى نظر الدواوين بالديار المصرية، وتوالت عمليات تحقيق أو التحقيق فى «حقيقة» شخصية قراقوش التى تأرجحت عند البعض ما بين المحارب والمهتم بالمعمار وبين الأحمق والطاغى، وتلك تفاصيل يعود إليها من اختار من القراء، لكن عمرو منير وبعد أن يوثق حضور وجدية ابن مماتى المنحاز إلى الطبقات الشعبية والعامة، يقول إنه إنما أراد أن يقدم كتابا على شاكلة «كليلة ودمنة»، لما كتب كتابه «الفاشوش فى حكم قراقوش» بالعامية الدارجة لتصل رسالته إلى الجميع فى الدولة، رعية ورعاة.. وهو الشاعر بامتياز، المثقف، وهو «بلبل المجلس» كما أطلق عليه القاضى الفاضل، وله من الأعمال كتب «الشىء بالشىء يذكر» و«تلقين اليقين» ومن أطرف ما قدمه «قرقرة الدجاج فى ألفاظ ابن الحجاج» وابن الحجاج قرين له فى العمل وكان بينهما ما يكون بين المتنافسين، فكان كتاب القرقرة!


ابن مماتى الذى عرف بالعطف الفياض والإنسانية، هاله قسوة ممارسات «قراقوش» بحكم عمله فى الديوان، ولعله اصطدم به سياسيا فجاهر بعدائه، ولما طورد فر من مصر إلى حلب ليموت هناك.. كانت مصر تنتقل من حكم الفاطميين إلى الأيوبيين بمعاناة واضطراب، وكان ابن مماتى «الراوى» لحكايات «قراقوش»، واحتفظت المخيلة المصرية لقرون وقرون بحكايات المماتى عن «قراقوش»، ووظف الوجدان المصرى السخرية، فى مواجهة تعسف السلطة، ونالوا بالنادرة والحكاية ما لم يستطيعوا النيل منه بالثورة.. خلع المصريون على ظالميهم صور البلهاء والحمقى، بنوادر، وحكايات. يقول ابن مماتى عن الرمز القراقوشى: «إننى لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش، محزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، فالله يمحو عنهم كل غمة، لا يقتدى بعالم ولا يعرف المظلوم، من الظالم».


فزع ابن مماتى مما يفعله الأيوبيون، لإزالة أى أثر للفاطميين، كمصادرة الأملاك والقصور، وكان فى ديوان «الإنشا» يسجل ويرصد الجور والظلم، فى صورة حكايات، سوف نورد لها أمثلة، ونظم أشعاره فى وصف عمليات السرقة التى يقوم بها «الجهابذة»، والجهبذ هو الموظف الذى كان يسجل ما يصل للديوان من غلات: مخازيم «أى سجلات» تضمنت المخازى يجوز فعلها ما لا يجوز، لصوص يرفعون إلى لصوص حسابهم وسوء إدارة المؤسسات لدى الحكام الجدد وبينهم رموز.


الرشوة.. الظلم.. وقلة الكفاءة لدى الحكام الجدد، دفعت بابن مماتى لأن يصرخ فى الناس يدفعهم للتعبير عن عدم الرضا، ويحكى عن «قراقوش».

على المدى الزمنى نال ابن مماتى هو نفسه قدر من الظلم، بتعمد بعض المؤرخين، ممن ينحازون إلى الحكام، والذين جاهدوا لنفى ما كتبه ابن مماتى عن قراقوش، بل وعملوا على إثبات براءة قراقوش.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات