.

منصة تجديد الفكر تبدأ من المناظرات الثقافية

Foto

هل من الممكن أن نصنع أجواء ثقافية مفعمة بالحيوية فى أوضاع سياسية مغلقة؟ هل نحن قادرون على تقديم الوعى الثقافى على الوعى السياسى؟


فى عام 1992 كانت هناك المناظرة الشهيرة بين فرج فودة والدكتور عمارة والشيخ الغزالى، وقبلها كانت مع الدكتور عمارة فى نقابة المهندسين بالإسكندرية، وبالطبع انتهت نهاية مؤسفة لا نتمنى أن تتكرر.

جلس الدكتور عبد الوهاب المسيرى مع الدكتور سيد القمنى فى قناة الجزيرة، وجلس الدكتور عمارة مع نصر حامد أبو زيد فى قناة الجزيرة أيضا، وكان الحواران الأخيران هادئين يتسمان بالعقلانية، كل يعرض وجهة نظره بهدوء، وقال الدكتور يوسف زيدان فى إحدى محاضراته إنه كان ينتوى أن يعقد ندوات بالاشتراك مع الدكتور سليم العوا قبل الثورة ولكن جاءت الثورة فتأجلت تلك المشاريع.
وجلس الدكتور عبد الصبور شاهين مع الشيخ زغلول النجار فى ضيافة محمود سعد فى مناظرة عن كتابه الذى أثار ضجة وقتها وهو كتاب أبى آدم، وذهب البعض لتكفيره.
احتفينا كثيرا بمناظرات أحمد ديدات الشهيرة مع القس جيمى سواجارات، وإن كنا تعاملنا معها بعاطفة على أنها مباراة ملاكمة بين الإسلام والمسيحية.
وما زال البعض يحتفى بذاكر نايك الهندى الذى يتحدث الإنجليزية بطلاقة رغم أفكاره الراديكالية والسلفية من وجهة نظرى وإصراره على تربية اللحية على أساس أنها جزء من الدين ويرفع بنطاله كما يفعل السلفيون على أساس أن إطالته منهى عنها، ويعقد ندواته فى قاعات عرض كبيرة على أساس أنه يناظر المسيحيين والملحدين، وإن كانت أوروبا تطلبه الآن وتتهمه بالتحريض على العنف.
إذا كنا حقا نريد أن نرفع حالة الوعى ونثير العصف الذهنى ونستقطب الشباب فى مناورات ومناظرات فكرية بعيدا عن السياسة فعلينا أن نعيد تلك الأجواء بدلا من منصة الجزيرة التى استقبلت تلك الحوارات بعد أن تخلت عنها مصر، وجاءت أجواء استقطاب حادة عصفت بالحوار وحل محله التشاحن والتباغض.
المناظرة التى كانت بين إسلام بحيرى من جهة، والشيخ أسامة الأزهرى والحبيب على الجفرى من جهة، كان يغلب عليها التشنج والتعصب، وإرادة كل طرف أن يسجل نقاطا ضد خصمه، ولم تكن أجواء ودودة، واستمر كل طرف له أنصاره ومؤيدوه ولم تنه المناظرة حالة التشاحن بين الأطراف وامتدت إلى السوشيال ميديا وتبعتها القضايا التى أودت ببحيرى للسجن، وما زال محمد عبد الله نصر بالسجن حتى الآن، على حد علمى، تحت دعاوى ازدراء الأديان.
فى لحظة من اللحظات استضاف تونى خليفة وغيره ملحدين ليحاورهم على الهواء، ولكن الأمر لم ينته نهايات حميدة، وبدأ طردهم على الهواء فى مشاهد مثيرة للدهشة، على أساس أن المضيف تعجب من عدم اعترافهم بالقرآن أو بالنبوة وتحدث عن انتقاداته ليس للإسلام فقط ولكن للأديان بشكل عام.
محمد شحرور وعدنان إبراهيم وإسلام بحيرى يتحدثون من مربع الإيمان، كل على طريقته، فيرى شحرور أن هناك فرقا بين الكتاب والقرآن، وأن الترادف فى القرآن غير موجود، ويقدم أطروحات مختلفة ضد كثير من بعض الأمور التى يراها الأزهر وغيرهم من التيارات ضد الثوابت الدينية، وإن كان شحرور ينطلق من منطلقات لغوية وتفسيرية مختلفة لآيات القرآن نفسه.
بينما يقف عدنان إبراهيم مع التطور الداروينى ويدافع عنه ويختلف مع البخارى فى الكثير من الأحاديث، وله آراؤه.
فى حين يقف بحيرى موقفا حادا مع التراث وينتقده، وإن كانت حدته قد اختلفت فى برامجه الأخيرة، وحاول أن يبتعد عن التعبيرات التى ربما تستفز الكلاسيكيين من الشيوخ والذين يرفضون التغيير ويعتبرون أن ما وصل إليهم من معلومات هى حقائق مطلقة لا مجال للخوض فيها أو تغييرها أو تبديلها.
حتى سعد الدين الهلالى وهو متخصص وابن المؤسسة الأزهرية، ما زال الكثيرون من الأزهريين يهاجمونه هجوما لاذعا على مواقع التواصل الاجتماعى وكذلك السلفيون، رغم أنه ينطلق من منطلقات تراثية ومذهبية ويملك أدواته جيدا حيث إنه متخصص فى الفقه المقارن ويأتى بآرائه من متون المذاهب نفسها، وكان من أكثر الأمور التى انفرد بها وأثارت لغطا، أن أبا حنيفة لم يحرم كل الخمور لأنه لم يأخذ بحديث «ما كان كثيره مسكر فقليله حرام» واعتبر أن خمر العنب هو الذى يأخذ التحريم بالكلية، وما عدا ذلك فالشرب مع عدم السكر داخل مربع الإباحة، والشرب مع السكر يدخل فى دائرة التحريم.
هل تعود المؤسسات الثقافية لاستقبال حوار من هذا النوع؟ وهل تحتفى الفضائيات بهذا النوع من الحوار مرة أخرى؟ربما هذا يعيد الأضواء للقنوات مرة أخرى بعد أن فقدت الزخم وانسحبت عنها المشاهدة.
أنا شخصيا أذهب لأبعد من هذا، إلى الحوار مع اللا دينيين والملحدين، أمثال حامد عبد الصمد وأحمد حرقان وغيرهما كثير، بشرط أن يكون الحوار داخل إطار النقاش الفكرى الهادئ بعيدا عن السخرية.
ولكن قبل الذهاب إلى الحوار مع الخارجين عن مربع الإيمان، فهل نحن قادرون فى البداية على الحوار مع من هم داخل مربع الإيمان؟
أين النقابات وأين قصور الثقافة وأين المنتديات التى كانت تستقبل مثل هذه الحوارات؟ حتى معرض الكتاب، مر هذا العام فاترا، دون أن يجذب الانتباه أو يثير الفضول، حتى على مستوى الكتاب والرواية، لم يصدر ما يثير الجدل أو يجذب الانتباه، على حد علمى على الأقل، بعيدا عن كثافة النشر التى تزايدت فى الفترة الأخيرة بشكل عام.
لماذا عزف الأزهر عن مناقشة هؤلاء والاستماع إلى رؤاهم ومناقشتهم أو مناظرتهم أو الحوار معهم؟ نحن فى حاجة ماسة إلى إلقاء أحجار متتابعة فى مياه الثقافة الراكدة.
هل أجواء السياسة المغلقة ألقت بظلالها على الحياة الثقافية قاطبة؟ وهل نحن قادرون على الخروج من هذه العتمة على المستوى الثقافى بديلا عن السياسى؟ الله أعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات