.

دولة السلطان.. جذور التسلُّط والاستبداد فى التاريخ الإسلامى

Foto

متى ظهر مصطلح «الآداب السلطانية» فى التاريخ الإسلامى؟ ولماذا يسمّى أيضًا باسمى «مرايا الأمراء» و«نصائح الملوك»؟


فى منتصف القرن الثانى الهجرى، وعلى يد طائفة من كُتَّاب الدواوين ذوى الأصول الفارسية، تخصيصًا، ظهر فى الفكر السياسى الإسلامى مصطلح جديد يُعرَف باسم «الآداب السلطانية»، ويدور معنى هذا المصطلح حول النصائح والقيم التى تُقدَّم إلى الخلفاء وأولى الأمر، فى ما يخصّ التدبير السياسى، وإدارة الشؤون الداخلية والخارجية للدولة، ولعل ذلك هو ما حدا بالبعض إلى إطلاق اسم «مرايا الأمراء» أو اسم «نصائح الملوك» كمترادفات لمصطلح «الآداب السلطانية»، كونها تعتمد، بالأساس، على إسداء النصائح والتوجيهات إلى الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء وغيرهم ممن يقومون على تنظيم أمور الناس السياسية، فهى بمثابة نمط من الكتابة لأجل السلطان، ومعلوم أن كتابةً كهذه لابد أن تحمل من المداهنة والنفاق والتودّد إلى الحاكم ما تحمل، على حساب الرَّعية، فتلك الكتابات فى حقيقتها تؤكد الحق الإلهى للملوك، أكثر من اهتمامها بالناحية العملية فى الحكم، وأكثر من الاهتمام بتأصيل الجوانب النظرية التى تحكم الفلسفة السياسية!

وفى كتابه «دولة السلطان» يُفصح صاحبه الدكتور أحمد محمد سالم، منذ مقدمته، عن حقيقة ما يُسمى بالآداب السلطانية، وجذورها داخل الحقل التداولى لثقافتنا العربية الإسلامية، وسماتها العامة، والآثار التى ترتّبت على ترسيخ الآداب السلطانية كأيديولوجيا للتنظيم السياسى فى الإسلام، فهو فى مقدمة الكتاب يؤكد أن الآداب السلطانية اعتمدت، منذ بدايتها، على نصوص أولى مؤسِّسة، مثل عهد أردشير، ورسائل عبد الحميد الكاتب «ت 132هـ»، وأعمال ابن المقفع «ت 145هـ»، وأعمال أرسطو المنحولة، مثل رسالة «سر الأسرار»، ثم أُعِيد إنتاج معظم هذه النصوص فى كل أعمال الآداب السلطانية على مدى التاريخ الإسلامى، على يد الفقهاء والوزراء والمؤرخين، ما يعنى أن اختلاف انتماءات المؤلفين الثقافية، من فقه وتاريخ وفلسفة وأدب، وكذا تبايُن واختلاف وظائفهم السياسية، لا أثر نوعيًّا له فى طبيعة الكتابات السياسية السلطانية، وبالتالى «لا معنى للقول بنصّ سلطانى فقهى أو فلسفى، فالتحليل المورفولوجى يبرز انمحاء هذه الحدود الثقافية» (دولة السلطان: ص 9).
وقد فصّل صاحب «دولة السلطان»، فى مقدمة كتابه -أصدرته «مصر العربية للنشر والتوزيع» سنة 2014، وجاء مشتملًا على 207 صفحة تتوزّع على فصلَين- أهم سمات الآداب السلطانية، التى بلغت ست سمات، أولها أنها كتابة من أجل السلطان، فالجاحظ «ت 255 هـ» فى مقدمة كتابه «التاج» يقرّر أنه يخصّ بكتابه هذا الأمير الفتح بن خاقان، وزير الخليفة المتوكل، مولى أمير المؤمنين، «إذْ كان بالحكمة مشغوفًا، وعلى طلبها مباشرًا، وفى أهلها راغبًا!«، وقد أحصى الدكتور أحمد سالم، أسماء من أهدوا كتبهم للخلفاء والأمراء والوزراء، بخلاف الجاحظ، كما هى الحال عند ابن الربيع «ت 227هـ»، الذى أهدى كتابه «سلوك المالك فى تدبير الممالك» إلى الخليفة المعتصم بالله، ونظام الملك الطوسى «ت 485هـ» الذى أهدى كتابه «سير الملوك» إلى السلطان محمد بن ملكشاه، والإمام الغزالى «ت 505هـ» الذى أقرَّ بأنه كتب كتابه «التبر المسبوك فى نصيحة الملوك»، فى أواخر أيامه، إلى السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقى، كما أهدى الشيزرى «ت 589هـ» كتابه «المنهج المسلوك فى سياسة الملوك» إلى صلاح الدين الأيوبى، ومثله الوزير جمال الدين القفطى «ت 646هـ» الذى أهدى، أيضًا، كتابه «أساس السياسة» إلى صلاح الدين الأيوبى، ولا ينسى صاحب «دولة السلطان» أن يشير إلى ابن الحداد «ت 639هـ» الذى أهدى هو الآخر كتابه «الجوهر النفيس فى سياسة الرئيس» إلى الأمير بدر الدين لؤلؤ، أحد أشهر الأمراء الظالمين الجائرين، الأمر الذى يؤكد أن معظم، إن لم يكن كل، كتب الآداب السلطانية، إنما كُتبت، فى المقام الأول، لخدمة السلطان وتأييد سياساته، من خلال مزج النصائح والتوجيهات بالنفاق والمداهنة وغسيل سُمعة الحكّام الظالمين، والوقوف إلى جانبهم فى مواجهة الرّعية!
وأما باقى سمات الآداب السلطانية فهى على ترتيب الكتاب: الأدب السلطانى تدبير سياسى واجتماعى، الأدب السلطانى يستلهم التاريخ، الأدب السلطانى فن أدبى، الأدب السلطانى إطار أخلاقى للتدبير السياسى، الآداب السلطانية مزيج من الثقافة الإسلامية مع الموروثات الثقافية القديمة، فقد أظهرت الآداب السلطانية بوضوح، الامتزاج بين الثقافة العربية الإسلامية وثقافات الأمم القديمة، ولا سيما الثقافة الفارسية، «فبداخل نصّ الآداب السلطانية نجد كل الثقافات، حيث يتجاور الحديث عن عدل أنوشروان مع عدل عمر، ومقولات أرسطو وأفلاطون إلى جوار مقولات سفيان الثورى وأنوشروان وأردشير، وفى نصوص الآداب السلطانية تنصهر ثقافة العرب والمسلمين مع ثقافة الفرس واليونان فى بوتقة واحدة، وتتجاور آيات القرآن والأحاديث مع مقولات الحكماء والفلاسفة« «دولة السلطان: صـ21»، ولعل ذلك كله هو ما حدا بكثير من الباحثين إلى وسْم محاولات التوفيق بين هذا المزيج الكثيف داخل الآداب السلطانية بـ«التلفيق»، إذ كيف تمتزج قواعد الحكم الإسلامى فى المُلك، من جهة، مع الأعراف والثقافات الفارسية «الساسانية» واليونانية، من جهة أخرى، إلا لو كان الأمر «تلفيقًا»؟!
ومن خلال مجموعة من التساؤلات المهمة، التى ذكرها مؤلف «دولة السلطان» فى بداية كتابه، سعى إلى الإجابة عنها من خلال فصلى الكتاب، فها هو ذا فى الفصل الأول الذى جاء تحت عنوان «الآداب السلطانية: دراسة فى الخلفية السوسيو تاريخية»، يؤكد أن أول مَن استدعى مفهوم الآداب السلطانية، كموروث فارسى قديم، ووظّفه فى شؤون الحكم، هم الأمويون، الذين تحوَّل الحكم على أيديهم إلى ملك وراثى عضوض، فقد استقرؤوا سير ملوك العجم، واقتدوا بدءًا من معاوية، المؤسس الأول، بملوك العجم وممارساتهم المختلفة فى الحكم والإدارة، كما اعتمدت الدولة الأموية على بعض نصارى مصر والشام فى إدارة شؤون الدولة، فكانت هذه الآداب وسيلتهم لتوطيد أركان حكمهم توطيدًا سياسيًّا قائمًا على توظيف الدين ومفرداته لخدمة السياسة، وتبرير وجودهم على سدّة الحكم بالوراثة، لهذا روّجوا، عن طريق فقهاء وكتبة الخلفاء والأمراء، أن توليهم أمور الحكم إنما يجرى بقدَر الله، وبالتالى فما على الرعية سوى الالتزام بقضاء الله وقدره، فلا يخرجوا عليهم، ومن ثَمَّ فقد «خضعت عقائد الإسلام للتوظيف السياسى النفعى على يد بنى أمية»، لذلك «مال الأمويون إلى مذهب الجبر، وعوّلوا عليه لإثبات حقهم فى الخلافة، وتعلّقوا به لتصحيح اختيارهم لها، فد استقرّوا على أن الله اختارهم للخلافة وآتاهم الملك، وأنهم يحكمون بإرادته، ويتصرّفون بمشيئته، ولذا أحاطوا خلافتهم بهالة من القداسة، وأسبغوا على أنفسهم كثيرًا من الصفات الدينية؛ إذْ كان معاوية بن أبى سفيان، فى نظر الأمويين، خليفة الله فى الأرض» (دولة السلطان: صـ53، 54- حسين عطوان، الفرق الإسلامية: صـ207).
ويلفت صاحب «دولة السلطان» النظر إلى المذهب النفعى/ البراجماتى، الذى سيطر على خلفاء بنى أمية، فهم على الرغم من تبنّيهم سياسة التمييز بين العرب والأجناس الأخرى، وتعصّبهم للعنصر العربى على حساب الموالى وسائر الأجناس، ونظرهم إلى الموالى نظرة احتقار وازدراء، الأمر الذى أدّى إلى ظهور «الشعوبية»، وصراع الأجناس، فعلى الرغم من ذلك فإن الأمويين لم يستطيعوا بحال الاستغناء عن الموالى والعجم فى شؤون الإدارة، وكأن ثمة شريحة ممتازة من أولئك الموالى والعجم كان الأمويون يعاملونها معاملة تختلف عن غيرها من معاملاتهم مع سائر الموالى، وما ذلك إلا لاحتياجهم إليهم لإدارة الدواوين وشؤون المال والخراج والتفويض السياسى، فى بعض الحالات، خصوصًا مع عدم إجادة كثير من العرب للقراءة والكتابة، وقد ظهر فى أواخر الدولة الأموية جيلٌ من كُتاب الآداب السلطانية، كان له الفضل فى نقل التراث الفارسى فى الإدارة والحكم إلى اللغة العربية، نظريًّا، وإلى قصور الخلفاء والأمراء ودواوين الحكم، عمليًّا، وقد كان، منذ بداية القرن الثانى الهجرى، لترجمة المدونات الفارسية فى الإدارة والحكم، والرسائل اليونانية فى الفلسفة السياسية، أثر عظيم فى منح «حنكة التناول الإسلامى لهذه الأمور» (دولة السلطان: صـ70- برنارد لويسن لغة السياسة فى الإسلام: صـ17).
وتبدّلت الحال مع الدولة العباسية التى استولت على كرسى الخلافة منذ عام 132هـ، فقد امتزجت الأجناس بين العرب والفرس على مستوى الخلفاء والحاشية الحاكمة ومستوى العامة، فالعباسيون عملوا على احتواء كل العصبيات والأعراق داخل بوتقة الإسلام، لذلك يمكن النظر إلى الدولة العباسية على أنها تمثّل قمة التطور الثقافى والحضارى فى الإسلام، وقد اعتمدوا بشكل أساسى على الفرس فى إدارة شؤون الدولة والحكم، وكان أول تأسيس للوزارة فى عهد الدولة العباسية، وتولّى إدارتها فى البداية سلالات مختلِفة من الفرس، الذين تعرّض معظمهم للقتل والتصفية من قِبل الخلفاء كلما شعروا بزيادة سلطة أولئك الوزراء، ونتيجة لتغلغل الفرس فى إدارة الدولة العباسية، كان نموذج الدولة «الساسانية» هو النموذج الذى يقتدى به العباسيون فى إدارة شؤون الدولة، فكان يُنظَر إلى الخليفة على أنه ظل الله فى الأرض، وأنه أمين الله، وأصبح تطبيق مضامين الآداب السلطانية ذات الأصول الفارسية هو السائد فى كل شؤون الحياة السياسية. (دولة السلطان: صـ98).
وفى الفصل الثانى من الكتاب، الذى جعله الدكتور أحمد سالم بعنوان: «دراسة فى جذور العلاقات الاستبدادية»، يسوق من الأدلة ما يؤكد أن الآداب السلطانية عنيت ببناء صورة للخليفة تصوره فيها بأنه «ظل الله فى الأرض»، وأنه «الواسطة بين الله وخلقه»، وقد وظَّف مصنّفو تك الآداب النصوص الدينية لتكريس تلك الصورة، على الرغم من كونها صورة ليست إسلامية، لأن الإسلام لا يضفى على الحاكم أية قداسة من أى نوع، لكنه الموروث الفارسى القديم، الذى يصوّر الحاكم فى صورة إله أو ظلّ له!
ويذكر المؤلف أنه بسبب الصورة المطلقة التى رسّختها الآداب السلطانية للملك/ الخليفة كإله أرضى، فقد سعَت تلك الآداب إلى ترسيخ الخوف من السلطان فى قلوب الناس، فهو قادر على البطش بأى أحد فى أى وقت، دون أى قانون أو شريعة، وعلى الرغم من أن الرعية هى «وعاء الدولة أو السلطة الملكية»، فإن الآداب السلطانية نظرت إليها نظرة دونية، فهم «كالبهائم السائمة، ولا يصلحون من قِبل أنفسهم، ولابدّ لهم من ملك يصلح حالهم» (دولة السلطان: صـ192)، وهذا دليل على أن تلك الآداب إنما تعمل على تحقير الرعية فى مقابل رفع شأن الحاكم/ الخليفة إلى ما لا نهاية، ليؤكد ذلك ما أشرنا إليه فى صدر مقالنا من أن الآداب السلطانية كانت تحمل من النفاق والمداهنة للحاكم ما تحمل، على حساب الرعية!
ولم ينسَ الدكتور أحمد سالم أن يلفت أنظارنا إلى أننا لمّا نزل نعيش فى طىّ مفردات الآداب السلطانية فى تصورها عن الرعية والعوام والدهماء، ولم ننجح حتى اليوم فى تأصيل المفاهيم الحديثة للدولة، والحديث عن الشعب والمواطنة والمساواة، فلا تزال المفاهيم السياسية للآداب السلطانية تشكّل الوعى الجمعى الحديث، وما زلنا عاجزين عن تأسيس الدولة العصرية الحديثة، على الرغم من أن معرفتنا بالدولة الحديثة قد اقترب من قرنين من الزمان، وفى عبارة جدّ فارقة وجدّ متساوقة مع الراهنية السياسية فى كثير من دول الشرق، يذكر الدكتور سالم أن أهم آفة رسختها الآداب السلطانية هى «شخصنة الدولة فى كيان الملك، فالملك هو الدولة، والدولة هى الملك، فلا تمييز بينهما!» (دولة السلطان: صـ198).
ولعل أفضل ما توصّل إليه صاحب «دولة السلطان»، هو إشارته إلى أن الآداب السلطانية، على الرغم من توسُّع التصنيف فيها، لم توضّح لنا كيف يمكن أن يتحول العدل إلى ممارسة عملية فى شؤون الحكم، لذلك سيظلّ تطبيق العدل فى دولة السلطان مرهن بوجود إرادة خيّرة للملك، فليس هناك أى ضابط أو قانون يحدّ من ظلم الحاكم، بل روّجت الآداب السلطانية أن على الرعية، فى حالة ظلم الحاكم، أن تصبر، فلا بديل أمامها سوى الصبر، حتى لا تحدث فتنة عند الخروج على الحاكم، ولهذا كانوا يردّدون القول بأنه: حاكم غشوم ولا فتنة تدوم!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات