.

يوسف إدريس يناكف ماركيز: سبقتُك إلى الواقعية السحرية بـ3 سنوات

Foto

«الفرافير» اكتشفت الواقعية السحرية قبل «مئة عام من العزلة»


فى صيف عام 1986، ذهب يوسف إدريس -كعادته الأثيرة- إلى المصيف، وعلى «البلاج» اصطحب معه رواية «خريف البطريرك» لجابرييل جارثيا ماركيز، قائلًا لنفسه: «ليس أروع من القراءة على صوت الموسيقى الهادئة المتصلة بالبحر وهو يلامس فى عناق عنيف رمال الشاطئ».

فى كتابه «إسلام بلا ضفاف»، الهيئة العامة للكتاب 1989، والذى ضم مقالات متعددة فى الشأن الإسلامى وتطرق إلى موضوعات سياسية وثقافية، نجد مقالًا ليوسف إدريس «19 مايو 1927- 1 أغسطس 1991»، بعنوان «خريف البطريرك.. وصيفنا»، نستعيده فى ذكرى ميلاده الثامنة والتسعين، وبعد شهر من الذكرى الرابعة لرحيل «جابو» «6 مارس 1927- 17 أبريل 2014».
تكشف لنا هذه الصحبة المثيرة بين عملاق القصة العربية -«قارئًا»- والأسطورة الكولومبية للأدب اللاتينى - «كاتبًا»- رأى إدريس الحاد فى «خريف البطريرك» وفى أدب ماركيز عمومًا، وعلى رأسه ملحمته «مئة عام من العزلة»، رغم اعترافه بأنه «أنبغ كتاب أمريكا اللاتينية».
يقول إدريس -متحدثًا عن «مئة عام من العزلة»- إنه تعرف على أدب جابرييل قبل سنوات، إذ تابع انتشار اسمه عالميًّا: «قرأت هذه الرواية قبل حصول ماركيز على جائزة نوبل وقرأتها بالإنجليزية وكانت سمعة ماركيز قد بدأت تستشرى فى العواصم الأوروبية فسمعت عنه فى باريس ولندن واستكهولم».
كان إدريس مأخوذًا بهذا القلم الكولومبى الفذ: «حين انتهيت من قراءة الصحفات الخمسين الأولى كنت مبهورًا أشد الانبهار فها هو كاتب من عالمنا الثالث، يغوص فى قاعه وفلكلوره ويخرج لنا بطريقة جديدة تمامًا فى كتابة الرواية، جديدة على العالم الغربى هذا صحيح، ولكنك كقارئ عربى تحس فيها أصداء من ألف ليلة وليلة وآثارًا عربية كثيرة أخرى فى طريقة القص، وفى حياة الأبطال، تجعلك تكتشف أن آثار العرب على الإسبان، وعلى البرتغال، كان قويًّا جدًّا، إلى الدرجة التى انطبعت فيها تلك الآثار على حياتهم بطريقة لا تُمحى».
يستعيد إدريس الأجواء الملحمية فى الريف المصرى، وحكايات طفولته عن تاريخ عائلته وأصولها فى الجزيرة العربية: «جعلنى ماركيز -سامحه الله- أسرح مع عائلتى وجدتى وأم جدتى، فالحقيقة أنه عن عمد اكتشف أن الأصالة ليست كلمة ولكنها غوص حقيقى فى التراث الشعبى والأغانى الشعبية والتقاليد الشعبية، مع رفعها إلى درجة الحداثة التكنينكية أو لغة العصر السائد فى الدنيا كلها الآن».
عُرف هذا الأسلوب عالميًّا فى أدب ماركيز بـ«الواقعية السحرية»، ويعتبر إدريس أن التعبير عن هذه الأصالة بشكل حداثى «معادلة» صعبة، قبل أن يطلق رأيه القوى: «من الغريب أن هذه المعادلة لم تراود ماركيز فقط ولكنها راودتنا هنا قبله بكثير». ثم يحدِّد أكثر فيتحدث عن نفسه: «حين بدأت كتابة القصة القصيرة فى الخمسينيات، كان هذا هو هدفى الذى لم أحِد عنه وإن كنت دائم التطوير له. والشىء نفسه بشرت به فى عام 1963 فى مقالاتى نحو مسرح مصرى- نحو مسرح عربى، والتى على أساسها كتبت مسرحية الفرافير مستمدة من صميم تراثنا المسرحى الشعبى». قبل أن يناكف الأديب الكولومبى قائلًا: «إذن نحن كنا -عفوًا يا ماركيز- قبلك بكثير، نضمر هذا ونكتبه».
وصدرت «مئة عام من العزلة» فى 1967، وتدور أحداثها عبر عشرة عقود فى قرية «ماكوندو» فى أجواء أسطورية فانتازية، من خلال ستة أجيال من حياة عائلة «بويندا»، «وفى مقال له فى (الأهرام) بتاريخ 16 يونيو 2008 يقول الدكتور جابر عصفور إنه عرَّف إدريس على الرواية وحدَّثه عن إعجابه بها كثيرًا»، بينما كتب يوسف «الفرافير» فى 1964، وهى من المسرحيات الفريدة فى تاريخ المسرح العربى بأجوائها الفانتازية الساخرة، وتقنية عرضها التى كانت مبنية على مشاركة الجمهور فى التمثيل، وإن كان إدريس عُرف عمومًا بريادته للواقعية فى القصة القصيرة.
يستدرك إدريس ليعود فيعترف بفضل «جابو» وتميزه: «لكن براعة ماركيز أنه كتب بهذه الطريقة الروائية فى حين أن روايتنا العربية لا تزال سائرة على الدرب الأوروبى».
كل هذه كانت مجرد أفكار مبنية على انطباعات يوسف إدريس على أول خمسين صفحة فى «مئة عام من العزلة»، لكن ماذا كان رأيه عندما أكمل: «عاودت القراءة فى اليوم التالى ووجدت أنى بعد أقل من عشر صفحات أعانى صعوبة بالغة فى استمرار القراءة، ذلك أن الذى روعنى فى مبدأ الأمر كان هو جدة الطريقة وروعتها ولكنّ لكتاب الرواية قدرًا غريبًا على الصبر، وأنا بطبيعتى ملول لا أحتمل الصبر».
كاد يوسف إدريس يترك «مئة عام من العزلة» ولا يكملها مدفوعًا بالملل الذى غذّاه صيف أغسطس، لكن «فى الشهر التاسع أُعلنت جائزة نوبل فإذا بماركيز يفوز بها. وكان علىَّ أن أعود إلى الرواية لإكمالها. وأقول لكم الحق -وليقل علىَّ النقاد ما يشاؤون- إنى أكملتها بصعوبة بالغة».
يرى يوسف إدريس أن «لماركيز طريقة فى الكتابة تحتاج إلى صبر كثير لمتابعتها، فهو دائمًا يعود فيكرر ما قاله دائمًا بطريقة مختلفة قليلًا أو كثيرًا عن المرة السابقة».
عند بداية كلامه عن «خريف البطريرك»، وجه إدريس نقدًا إلى الترجمة العربية للرواية: «مع احترامى للمترجمين اللبنانيين إلا أن طريقتهم فى استعمال اللغة العربية مختلفة تمامًا عن طريقتنا فى مصر أو فى أى مكان آخر من الوطن العربى، حتى إننى لأول مرة أعود للقاموس المحيط لمعرفة بعض معانى الكلمات التى أوردها الأستاذ المترجم».
وصدرت «خريف البطريرك» عام 1975، وترجمها التونسى محمد علِى اليوسفى إلى العربية لأول مرة لدار «الكلمة» البيروتية سنة 1981 قبل أن تصدر فى طبعة حديثة عن دار «المدى» الدمشقية فى 2005.
قبل أن يقول رأيه «الفنى» فى الرواية، يتلقط إدريس تفصيلة من تاريخنا الإسلامى تبدو متشابهة مع الفكرة الأساسية فى «خريف البطريرك» من أن البطريرك صحا ذات يوم فقرر تغيير التوقيت وإصدار مرسوم جمهورى بذلك: «كان يحكم مصر ذات عام من مئات الأعوام الحاكم بأمر الله الذى أصدر قرارًا بأن يعمل الناس ليلًا فى مصر وينامون فى النهار، لأن النهار حار والليل يغرى بالعمل. وأصدر أمرًا كذلك بمنع أكل الملوخية، ونفَّذ الشعب القرار وأشرفت الشرطة على تنفيذه».
ربما لاحظنا هنا أيضًا استشهاد إدريس بواقعة تاريخية قد تؤيد ما ذهب إليه من أسبقية الأدب العربى إلى الأجواء التى يكتب عنها ماركير.
ثم يعود ويتحدث عن ماركيز وروايته، ولا نفهم هل هذا هجوم حاد أم نقد فنى، إذ يرى أن شيئًا ما فى «خريف البطريرك» يدفعك إلى القىء، ويضيف أن الكاتب «لا يتوانى عن استخدام ألفاظ تقشعر لها أبدان القراء فى العالم العربى لو ذُكرت، ألفاظ قبيحة ومكشوفة، ويكتب أحيانًا بروث البهائم، وأحيانًا بروث الآدميين، أو بمؤخراتهم، ولا يهم الطريقة لو فعلها أى كاتب منا فى عالمنا العربى لصُلب وجُلد ورُجم ودُمغ إلى الأبد. كل الخرافات الشعبية عن الجنس هناك والذى لابد كانت جدودها وجداتها عنده حواديت ألف ليلة وليلة وكتاب رجوع الشيخ إلى صباه والكاما سوترا الهندى».
أخذ إدريس كل هذه الانطباعات وشكل كل هذه الآراء من أول خمسين صفحة من الرواية أيضًا، تمامًا مثلما حدث مع «مئة عام من العزلة»، لأنه يقول عن الصحفات التالية «وجدت كل شىء بعد هذا لدى ماركيز يكرر نفسه عود على بدء».
هذه طريقة «ماركيزية» تمامًا فى الكتابة، كما يعقِّب إدريس الذى يقول إنه لا تهمه طريقة الكتاب بقدر ما يحصل عليه من متعة فى المضمون أو الشرح، ربما لذلك أكمل الرواية إلى النهاية: «تابعت قراءتها لشغفى بكل ما أورده ماركيز عن الحياة فى أمريكا الوسطى، تلك البلاد ذات المناخ الرطب الممطر الحار، الحافلة بالبراكين والخرافات»، إنها «بلاد غريبة عنا تمامًا وقريبة بالدم منا جدًّا»، كما يتصور إدريس.
لكنَّ ثمة سببًا آخر دفع إدريس لاستكمال الرواية وأن «يتشبع وجدانيًّا بها»، وهو أنه قرأها بالتزامن مع نهائيات كأس العالم فى المكسيك «31 مايو- 26 يونيو 1986» «التى وإن كانت تمُتُّ إلى الجزء الشمالى من أمريكا إلا أن أصلها الإسبانى الهندى الأحمر قريب الصلة جدًّا بأمريكا الوسطى والجنوبية».
وللمفارقة، فإن هذه النسخة من المونديال أقيمت فى المكسيك بدلًا من كولومبيا، بلد «جابو»، الذى تعذر عليه استضافة كأس العالم لعدم قدرته اقتصاديًّا على تحمل تنظيم البطولة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات