هل يصنع المصريون السياسات أم تتنزل عليهم؟

Foto

كيف أخطأ وزير التعليم فى الترويج لخطته؟ لماذا يفاجئ الوزراء المواطنين بقراراتهم؟


من الجيد أن تشعر الحكومة بالثقة فى أدائها فتصدر قرارات بعمل تغييرات كبيرة، لكن من الجيد أيضًا أن يكون لديها الذكاء الاجتماعى فى إخراج هذه القرارات للمجتمع، فمثلًا لابد أن يراعى الوزراء أو بعضهم التصريحات التى يطلقونها مصاحبة للتغيُّرات. فعند الشروع مثلًا فى الإعلان عن التغيُّرات فى نظام التعليم صدر عن وزير التعليم تصريح يؤكد تعريب المدارس التجريبية، ثم تصريح آخر بعدها ينفى التصريح الأول، وقد يكون هذا تراجعًا أو يكون التصريح الأول خطأً، أو يكون الاثنان معًا خطأً.

فى كل الأحوال، المواطن الذى يستقبل هذه القرارات لا يفهم ما المسار الجديد، ثم نأخذ وقتًا طويلًا من الساعات التليفزيونية فى مختلف البرامج لشرح الموضوع، لكن هذه المرة الشرح يكون لأصل الحكاية، وماذا جرى وقت إعلانها؟ ثم لماذا حدث هذا اللغط؟ علمًا بأن المواطن لا دخل له من قريب أو بعيد فى ما يقوله السادة الوزراء، وإنما المواطن متلق لما يصدر من قرارات، وللأسف الكثير من القرارات التى تحدث تغيُّرات جوهرية على مسار تقليدى، مثل زيادة أسعار تذاكر المترو تكون مفاجئة. وقد نتفهم عنصر المفاجأة فى سلع مثل البنزين لكى نمنع تخزين هذه السلع، لكن فى حالة تذاكر المترو فما الفائدة من المفاجأة؟ الشىء نفسه فى قرارات تطوير التعليم، ما الفائدة من المفاجأة؟ وما الضرر الذى كان سيقع على عملية التغيير إذا ما تواصلت وزارة التعليم بخطاب مرسل إلى أولياء الأمور فى المدارس التجريبية، لشرح طبيعة التغيرات التى ستحدث؟! على الأقل عندما يخرج الوزير للحديث عن نوع التغيرات فإنه لا يفاجئ أولياء الأمور فى أمور تخص مسار مستقبل أولادهم. فعنصر المفاجأة وإن كان مفهومًا نوعًا ما فى تجارة لمنع الاستغلال فإنه يصبح عنصر استخفاف فى حالة المسارات طويلة الأمد.
الأمر الثانى الذى نراه يتكرر من آن لآخر فى تصريحات بعض الوزراء هو الإشارة إلى القيادة السياسية، بمعنى أن الرئيس راضٍ عن هذه القرارات، وأن الوزير لم يخرج بها من تلقاء نفسه، وهذا أمر بديهى، لكن الذى يفوت الكثير من السادة الوزراء هو وقع هذا الكلام على نسبة من الجمهور المتابع، لا سيما الذى يقع عليه تأثير القرارات. وللأسف، لسان حال الكثير من المسؤولين وليس فقط الوزراء، يشير ضمنيًّا إلى عدم الإدراك لدى الشعب أو عدم قدرته على فهم طبيعة التحديات، ومن ثَمَّ شرح القرارات لعلاج التحديات عملية فى منتهى التحدى، لذلك نجد ضيق الصدر «خلف الكاميرات» مع طرح أى سؤال على بعض المسؤولين، قد يكون وقتهم ضيقًا، لكن الأكيد أن صدره أضيق! ومنهم مَن يرى أنه ليس من حق المواطن أن يسأل، ومنهم مَن اكتوى بضغط المواطنين حتى كاد يفشل فى مسؤوليته، فتعلم الدرس وعاهد نفسه بأن لا يسمح لمواطن أن يتدخل.
هذه الأمثلة وغيرها تشير إلى صعوبة العمل العام، لا سيما فى دولة مليئة بالتحديات، لذلك من الجيد أن يتم تطوير منظومة العمل العام بصفة مستمرة، وكلما زادت الاستعانة بالتكنولوجيا انخفض عدد المواطنين المتعاملين مباشرة مع الموظفين والمسؤولين، وهذا أمل نصبوا إليه لعل فى يوم يكون الأداء الطبيعى أن تجد الموظف الحكومى يرحب بالمواطن، والمسؤول الحكومى لديه سعة الصدر كى يشرح حقيقة ما يجرى.
الشاهد أن أدوات العمل العام فى مصر بحاجة إلى التطوير، فنعم لدينا متحدث رسمى لكل وزارة، لكن الحضور ضعيف. ونعم لدينا مؤتمرات صحفية للوزراء، لكن القليل منها يحدث التأثير المرجو. فماذا يجب علينا فعله؟
الفكرة أن لكل شعب ثقافة، وعلماء السياسة قسموا الشعوب إلى ثلاثة أصناف، منهم الشعوب التابعة التى لا تتدخل فى مدخلات القرار السياسى ولا عملية صنعه، وتتابع فقط مخرجات القرار السياسى، بمعنى أنها لا تصنع السياسات ولكن تتفاعل معها بعد صدورها، ومنهم الشعوب التى تتدخل فى مدخلات القرار السياسى لكن لا تشارك فى صنع القرار، فمثلًا يرفضون وجود شخصيات معينة فى الوزارة أو الحكومة أو فى لجنة ما، ومثل هذا المنع يجعل الشعوب قادرة بدرجة ما على التحكم بشكل غير مباشر فى النتيجة النهائية، فمثلًا تخيَّل لو أن هناك لجنة وزارية ستعمل على تغيير مناهج التعليم، ثم وجد الناس أن من ضمن اللجنة شخصية أو شخصيات مشهورة بعدائها لثقافة المجتمع وموروثه الحضارى والدينى، فمن الطبيعى لدى الشعوب التى لديها ثقافة إبداء الرأى فى مدخلات العملية السياسية أن تعبر عن رفضها لصانع القرار كى لا يستعين بالشخصيات غير المرغوبة! وأخيرًا شعوب لديها الثقافة والقدرة على التدخُّل فى السياسات التى يتم صنعها.
فى الأغلب النوع الأخير من الشعوب لديه نقابة مهنية وتمثيلات نيابية فعالة، تستطيع التدخل فى صنع السياسات الحكومية. فأين تقع مصر فى وسط هذه الأنواع من الشعوب؟ بعد ثورة يناير، أظن أننا كنا فى المستوى الثانى للشعوب، ثم الآن نشهد تراجعًا لهذا التفاعل، وقد يكون هذا شعورًا عامًّا لدى مؤسسات الدولة بأن نسبة التدخل غير الصحى أكثر من نسبة التدخل الصحى، بسبب وجود جماعات لا تريد الخير لمصر، لكن أيضًا لابد أن نأخذ فى الحسبان الخسائر التى تعود على المجتمع من التأخر بسبب المواجهة مع تنظيم الإخوان. وكلما بعد الشعب عن مدخلات العملية السياسية وصنع السياسات انفصل عن المسار السياسى وسهل استقطابه، لذلك نحن بحاجة إلى ميزان سياسى واعٍ لسياسة أمور المشاركة الشعبية، لكى نحافظ على حالة الحضور الشعبى، فالتحديات القادمة ومنها احتمالات الحرب القادمة تحتاج إلى التماسك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات