.

تذكرتك رايح جاى.. لماذا لا تسمع الحكومة أجراس الإنذار فى المترو؟

Foto

لماذا غضب الناس الآن ولم يغضبوا فى 2017 عندما ضاعفت الحكومة سعر تذكرة المترو؟


الحكومة قررت رفع سعر تذكرة المترو، متجاهلة كل النصائح التى قدمت لها بتأجيل هذه الخطوة، لأن الشعب يكاد ينفجر، وهذا ما حدث يوم السبت، فقد أظهر الناس غضبهم الذى جاء عفويًّا دون تنظيم، ولم يكن فى الغاضبين أية شبهة انتماءات أيديولوجية، والأهم أن كثيرًا من الغاضبين الذين اقتحموا محطات المترو هم من مؤيدى النظام ومن كبار السن، لكنهم شعروا بسكين الحكومة على رقبتهم دن رحمة، وهم أكثر فئة مستفيدة من المترو.

لسنا هنا فى جدلية بيزنطية من التى يسوق لها رجال الحكومة عبر لجانهم الإلكترونية التى شغلت الناس بهل ارتفاع الأسعار من أجل خدمة أفضل أم لأن سعر المترو أقل من سعر مترو لندن؟ أم لأن المواطن يدفع فى التوك توك خمسة جنيهات فى المشوار الواحد؟ هذا حوار فارغ المقصود منه سحب الناس إلى حوار عقيم، فالمواطن ليس مطلوبًا منه أن يقاطع التوك توك، لكن المطلوب من الحكومة هو أن تقنن التوك توك ولا تترك المواطنين فريسة لمافيا التكاتك، ثم عيب أن تقارن الحكومة نفسها بالتوك توك، وهى حيلة غير كريمة، فالمترو يخدم مصريين وَفق ظروفهم ووَفق رواتبهم ووَفق أجورهم، يبدو أن الحكومة لم تفهم الدور الذى يقوم به المترو والذى من أجله وقعت مصر الاتفاقات مع فرنسا، وهو خدمة الناس لا الجباية منهم، فمن بداية تشغيل المترو عام 1987 تم تحديد سعر التذكرة بعشرة قروش كسعر موحد مع افتتاح أول مرحلة بالخط الأول للمترو من حلوان حتى رمسيس، وكان سعرًا مناسبًا جدًّا وقتها، وضمت هذه المرحلة محطات حلوان وطرة الأسمنت وطرة البلدة والسيدة زينب وسعد زغلول وأنور السادات وجمال عبد الناصر وأحمد عرابى ومبارك، مع اكتمال الخط الأول للمترو عام 1989 وافتتاح المرحلة الثانية منه تم تقسيمه إلى ثلاث مراحل، على أن تكون كل مرحلة بسعر مختلف للتذكرة، حيث شملت المرحلة الثانية من الخط الأول 12 محطة تمتد من رمسيس حتى المرج ضمت محطات غمرة ومنشية الصدر وكوبرى القبة وحمامات القبة وسرايا القبة وحدائق الزيتون وحلمية الزيتون والمطرية وعين شمس وعزبة النخل والمرج، ومع اكتمال الخط الثانى للمترو شبرا- الجيزة عام 2002 تم رفع قيمة التذكرة، حيث أصبح سعر تذكرة الخط الأول 25 قرشًا والخط الثانى 50 قرشًا والخط الثالث 75 قرشًا.
وفى عام 2006 تم إلغاء نظام المراحل فى سعر التذكرة، وتم تحديد سعر موحد للتذكرة قيمته جنيه واحد للكوامل و75 قرشًا للأنصاف، ورأت الحكومة أن من الأفضل رفع سعر التذكرة إلى الضعف فى 24 مارس 2017، ليصل إلى جنيهَين للكوامل و1.5 جنيه للأنصاف وجنيه واحد لذوى الاحتياجات الخاصة، وقتها لم يغضب أحد فهى زيادة طبيعية جدًّا، يعنى أن هذا الشعب لديه الوعى الكافى ليساعد الحكومة، كما أنه كان لديه أمل فى وعود الرئيس بأننا نصبر سنتين وبهما الحال ستتحسن، أما الآن فلا خطاب هادئ للجماهير ولا تقدير لهم، كما أنهم فقدوا الأمل فى غدٍ مشرق، ومما زاد الطين بلة أن الزيادة غير متوقعة وفوق طاقة المواطن البسيط، فقد كان من الممكن جدًّا رفع سعرها إلى ثلاثة بشكل موحد، ويكتفى بهذا، مع التمهيد قبلها، كان سيشعر المواطن أنه شريك فى هذا الوطن، ولم يكن سيشعر بالغصة كالآن.
يا سادة يا محترمين، الشأن شأن وطن ويجب أن نكون على قدر المسؤولية تجاهه، لن ألف أو أدور، هذا القرار خاطئ جدًّا يضاف إلى عشرات القرارات الخاطئة والمتسرعة التى اتخذت فى الآونة الأخيرة والتى راهنت الحكومة فيها على خضوع الشعب، وعلى قدرته على الصبر والجلد، لكنها لا تعرف أن للصبر حدودًا، وأن التحمل له نهاية، وشعبية الرئيس على العين والرأس لكنها لن تسد جوع جائع ولن توفر العيش لمحتاج، هذه ليست أزمة وستمر كما يتخيل المسؤولون، هذه أزمة سيكون لها ما بعدها، خصوصًا أن اليد الغليظة تعاملت مع الأزمة وهى طريقة مجربة فى إغضاب الجماهير وليس إسكاتهم، ولا أعلم مَن بالتحديد الذى أوعز إلى الحكومة أن تتخذ هذا الإجراء، قد نحتاج إلى سنوات طويلة لنفهم لماذا صمتت الحكومة آذانها عن سماع أنين المواطنين؟! ولماذا تجاهلت كل أجراس الإنذار؟! أعلم أن هناك مَن يتعامل مع الشعب باعتباره فريسة فى الغابة أو فى جنينة الحيوان، إذ يحاول الصياد أو الطبيب أن يخدر الأسد صوب بندقيته المخدرة عليه ومع سريان البنج فى جسد الأسد يقوم بالجرى والزئير من الصدمة، ولكن البنج ينتشر أسرع، ومن ثَمَّ يهدأ إلى أن يتم الطبيب أو الصياد مهمته، لكن لا الشعب فريسة ولا الحكومة صياد، ثم أين هذا البنج الذى خدروا به الشعب ليمرروا قرارهم؟!
كتبنا وسنكتب وسنظل نكتب، ننصح ونحذر ونوضح، فهذا واجبنا، وكان واجب الحكومة أن تسمع إلى الجميع، وأن تعمل على سلامة الوطن، لأن الغضب المكتوم أخطر علينا جميعًا من الغضب المعلن، وكلما زادت قسوة إسكاته كان رد الفعل مغالى فيه، لكن نقول لمين؟! الحكومة تفعل عكس المتوقع وتخالف كل النصائح وتستبيح كل المحذورات وترتكب كل ما يهدد سلامة الوطن، دون أى مبرر وكأن الله سلَّطهم على هذا الشعب المسكين ليغضبوه.
إن رفع أسعار المترو بطريقة كلها صلف وتعالٍ وكبر على المواطنين تحت مزاعم تحسين الخدمة يدل على فشل الحكومة وعدم إدراكها مهامها، لأن متوسط المواطنين المستفيدين من خطوط المترو الثلاثة يبلغ نحو 2،5 مليون راكب إلى 3 ملايين راكب يوميًّا، منهم 1،38 مليون بالخط الأول، و1، 6 مليون راكب بالخط الثانى، و130 ألف ركاب بالخط الثالث تقريبًا، من ثلاثة ملايين راكب يوميًّا منهم مليون ونصف المليون يستقلون المترو من خلال تذاكر مفردة قيمتها جنيهان، والباقى يستقل المترو من خلال اشتراكات سنوية وربع سنوية، مما يعنى أن دخل المترو يوميًّا ليس أقل من ثلاثة ملايين جنيه، قد يكون مرفق المترو فى حاجة إلى إصلاحات وصيانة وخلافه، لكن إلى هذه اللحظة لا يوجد تقرير رسمى يحدد الدخل والصيانة ويوضح المكافآت التى يحصل عليها المسؤولون، وكأن الأمر سرى، وكأن كلمة السر التى يجب أن نكتم فى قلوبنا بها هى ضعف الميزانية. المفروض أن الحكومة تعمل على زيادة الدخل من الخارج لا من جيوب المواطنين، فالحكومة التى تسد عجزها من جيوب الفقراء والمهمشين ستظل فقيرة ومديونة وفاشلة مهما طال عليها الزمن، لأنها اتجهت إلى سد العجز بأسهل الطرق وهو رفع الدعم والتهديد بالإرهاب مع وجود يد أمنية ثقيلة تهدد كل مَن يئن، وهذا الأسلوب ينشر الظلم ويشعر الناس بالغبن والتفرقة.
كان على الحكومة أن تقوم بعمل خطط خمسية، أو الإسراع فى تنفيذ برامج إصلاح اقتصادى قصيرة أو طويلة الأمد مع مراعاة الفقراء والطبقات الكادحة، وهى أمور لازمة لحماية المجتمع من اجتياح الغضب، هذه هى أصول الحكم، لكننا ندفع ثمن عدم وجود برنامج وخطة عمل لاقتصاد الدولة، وانتشار المبرراتية بمقولات سخيفة مثل أن المواطن ينفق على التكاتك والمحمول والسجائر والفسيخ وشرب القهوة مبالغ باهظة، ما جَتش يعنى على تذكرة المترو.. وهذا دليل فشل. أيها المسؤولون اتقوا الله فى هذا الشعب المسكين الذى آمن بكم ولم تؤمنوا به يومًا واحدًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات