.

يحدث الآن فى الشرق الأوسط

Foto

ماذا قدمت الجريدة المشتركة للقوات السورية والروسية فى سوريا؟ لماذا تعدم السلطات العراقية المشتبه فى انتمائهم إلى داعش على مشانق السجون؟ لماذا توافق أمريكا- إسرائيل على خلق منطقة أمان فى الجولان؟


ترجمة: أميرة جبر عن «إندبندنت» البريطانية

 

فى الغرب، من السهل التركيز على الدراما اليومية بشأن الشرق الأوسط ونسيان العالم حيث تعيش شعوب حقيقية فى المنطقة. ويخفى هذيان الرئيس الأمريكى الأحدث بشأن اتفاق إيران النووى -والذى، حمدًا لله، أخيرًا عارضه الاتحاد الأوروبى بصرامة- أراضى المقابر الجماعية والأنفاق، حيث يوجد الشرق الأوسط المسلم الآن. حتى داخل المنطقة قد تزايدت لا مبالاة تكاد تكون مروعة تجاه المعاناة التى أُلحقت هنا على مدى السنوات الست الماضية. إنها ضربات إسرائيل الجوية فى سوريا التى تستحوذ على الاهتمام.

ولكن تأملوا اكتشاف عشرات الجثث فى مقبرة جماعية بالرقة، «العاصمة» السورية لـ«داعش». لقد حصل بالكاد على ٣ فقرات فى الصحف العربية هذا الشهر، لكن الـ٥٠ جثة التى تمت استعادتها كانت حقيقية بما يكفى وربما تتم استعادة ١٥٠ أخرى. وكمُنت الجثث أسفل ملعب كرة قدم بالقرب من مستشفى استخدمه مقاتلو «داعش» قبل هروبهم من المدينة -بالاتفاق مع قوات كردية- وتم تحديد هوياتهم فقط من خلال علامات دلَّت على أسمائهم الأولى (إذا كانوا مدنيين) أو أسمائهم الحربية المستعارة إذا كانوا جهاديين.. مَن قتلهم؟
وحصل اكتشاف بشع آخر الشهر الماضى فى أنفاق أسفل مدينة دوما السورية شرق دمشق على مساحة أقل حتى، وتبين أن جحر الأرانب الحجرى الشاسع هذا المكون من شوارع تحت الأرض تتسع لسيارات وشاحنات يحتوى على ١١٢ جثة من بينها ٣٠ جنديًّا سوريًّا، وأن الباقين على الأرجح مدنيون قتل الكثير منهم منذ وقت طويل من المفترض على يد جماعة «جيش الإسلام» التى قاتلت من أجل المدينة لسنوات.. هل كانوا رهائن تمنى الجهاديون مبادلتهم بسجناء؟ ثم قتلوا عندما لم يصغ أى اتفاق؟
وحقق زميلى باتريك كوكبيرن، فى عملية قتل جماعى أبشع حتى وقعت خارج الموصل عام ٢٠١٤، وكان أغلب الضحايا جنودًا عراقيين «شيعة». ونعلم ذلك لأن «داعش» صورت نهايتهم المروعة، رصاصة فى الرأس ثم الإلقاء بإهمال فى مياه نهر دجلة الملطخة بالدماء، بعضهم طفى جنوبًا حتى بغداد. ولم يكن التاريخ كريمًا تجاه تلك الأراضى. فى ١٩١٥ عندما كان الأتراك يذبحون الأرمنيين انجرف الكثير من الجثث أسفل نهر دجلة ووصلت الموصل، موقع الإعدام ذاته الممكن رؤيته فى فيديو «داعش» الذى تم تصويره بالطبع بعد ٩٩ عامًا.
وعلى غرار مقابر أوروبا الجماعية عقب الحرب العالمية الثانية -خصوصًا فى الاتحاد السوفييتى- لن تُنسى ذكرى هذه الوحشية. ولهذا السبب تعدم السلطات العراقية (وأغلبها شيعية فى حالة المحاكمات «القضائية» التى لا تلبِّى أى معايير دولية) جنوب البلاد المشتبه فى انتمائهم إلى «داعش» كالطيور المغردة على مشانق السجون، ٣٠ شخصًا فى المرة. ويبدو أن الأكراد يتصرفون بإنسانية أكثر خارج الرقة حيث القليل من العدالة فى جلسات المحاكمات، ولو كان غير معترف بها فى الغرب.. وهكذا دواليك.
وإلى مَن يلجأ المرء للعدالة؟ أو السلام؟ والمثير للاهتمام بما فيه الكفاية هو أن الروس فى سوريا قد بدؤوا فى نشر جريدة شهرية للقوات السورية والروسية المشتركة فى البلاد. ولديها لمسة من الاتحاد السوفييتى القديم، العنوان هو «سويًّا.. نصنع السلام» -والذى قد لا يقنع معارضى الحكومة السورية- وهناك صور لقوات روسية تطعم اللاجئين «خبزًا عربيًّا مسطحًا» وأخرى لجنود ببيريهات حمراء يقومون بدوريات على الخطوط الأمامية، بالإضافة إلى صورة كبيرة جدًّا على الصفحة الأولى لكل من فلاديمير بوتين وبشار الأسد.
وعلى نحو مثير للفضول، تأتى أسفلها مباشرةً صورة ملونة ربما لأهم جندى روسى فى سوريا، الجنرال ألكسندر جورافليوف صاحب الأوسمة الكثيرة، مرتديًا زيه الأزرق الداكن الرسمى يحدق غير مبتسم فى الكاميرا. وربما سنسمع أكثر عنه مع مرور الأسابيع، لأن وجود روسيا فى سوريا بعيد كل البعد عن الانتهاء.
كما تحاول النسخ العربية من الجريدة تعليم الجنود السوريين أساسيات اللغة الروسية، وتعلِّم النسخة الروسية اللغة العربية. وهناك حتى «فى النسخة العربية المطبوعة» دليل لموسكو وخرائط لروسيا وقصص عن أسلحة الحرب العالمية الثانية. وفى أعلى الزاوية اليسرى لكل صفحة أولى يوجد رمز آخر على الطراز السوفييتى، يدان متشابكتان، واحدة بألوان العلم السورى الأحمر والأبيض والأسود والأخرى بالألوان الروسية الأحمر والأزرق والأبيض. نعم، سيوجد الروس لفترة طويلة.
وكذلك الإسرائيليون، فقد جاء هجومهم على القوات الإيرانية فى سوريا -والتى تبدو أقل بكثير مما يتخيل الغرب، على الرغم من أنه لا يزال هناك فى البلاد الكثير من مقاتلى حزب الله المؤيدين لإيران- على نحو مثير للريبة على مقربة من إعلان ترامب تنصله من الاتفاق النووى الأمريكى مع إيران. وبالتأكيد، جاء البيان الإسرائيلى بأن الإيرانيين لديهم صواريخ فى سوريا بالتنسيق مع إدارة ترامب، فقد جاء خلال ساعات والصدف فى الشرق الأوسط لا تأتى بهذا القرب.
ولابد أن الضربات الجوية الإسرائيلية الأخيرة بين عشية وضحاها، والمفترض أنها ضد قوات إيرانية فى سوريا عقب هجوم صاروخى إيرانى مفترض على قوات إسرائيلية فى الجولان -ومن المهم استخدام كلمة «المفترض» وعدم الاكتفاء بالظواهر- كانت معروفة مسبقًا للأمريكيين، وكذلك الروس. ومن الواضح أن أية خطط إسرائيلية لخلق «منطقة أمان» (أى منطقة احتلال) داخل سوريا وعلى طول حدود الجولان -على طول خطوط «منطقة الأمان»، والتى بنفس القدر احتلتها الميليشيات المحلية وقامت بدوريات بها، فى جنوب لبنان حتى عام ٢٠٠٠- ستقابل بموافقة أمريكية.
وبالتالى، فهى لحظة تحدق فيها جميع الأطراف فى بعضها بقلق متزايد. وعلى نحو غريب، بالكاد علَّق أحد، فى سائر تغطية انتخابات لبنان السلمية فى غالبيتها خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضى، على واحد من المرشحين الشيعة الناجحين فى محافظة بعلبك- الهرمل. واسمه معروف -جميل السيد- وكان مديرًا للأمن العام فى لبنان، وكان صديقًا وفيًّا لسوريا، وسجنه الغرب لمدة ٣ سنوات عقب التحقيق فى مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريرى، ولكن أطلق سراحه دون العثور على أى أدلة ضده. وبعد ذلك أصبح الجنرال السيد زائرًا متكررًا لدمشق.
ومنذ بضعة أشهر هناك، قال لى فى أثناء احتساء القهوة: «روبرت، لماذا تكرهنى؟». خطف ذلك أنفاسى، وسارع مراسلكم لإنكار أى شعور من هذا القبيل. ثم جاءت الدعوة للمطعم الذى يمتلكه فى بيروت.
وبالطبع، المقصود هو أن انتخاب الجنرال السيد يعنى أن واحدًا من أصدقاء سوريا الموثوق بهم لديه الآن كرسى فى البرلمان اللبنانى، وسيتم سماع خطبه باهتمام عميق من قبل زملائه البرلمانيين. وبعيدًا فى الغرب -أو غرب ترامب المتوحش- لا تحصل المقابر الجماعية والتحالفات الروسية والانتخابات اللبنانية على التغطية التى تستحقها.

 


 

روبرت فيسك
كاتب وصحفى إنجليزى، مراسل جريدة «إندبندنت» البريطانية فى الشرق الأوسط منذ عام ١٩٨٩، وإقامته الأساسية فى بيروت، فاز بجائزة الصحافة البريطانية كأفضل مراسل خارجى ٧ مرات، يتحدث العربية ومن بين حفنة من الصحفيين الغربيين الذين حاوروا أسامة بن لادن، فقد حاوره ٣ مرات بين ١٩٩٣ و١٩٩٧.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات