إلى شيخ الأزهر.. ابحث مشكلات الماضى حتى لا تتكرر مستقبلًا

Foto

لماذا يتنصل الأزهر من الإرهابيين والتكفيريين الذين تخرجوا فيه؟ متى يُحسن شيخ الأزهر تشخيص أزمة انتشار التطرف والإرهاب؟


«هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضى محكوم عليهم بإعادته»، هكذا قال الأديب والفيلسوف الإسبانى جورج سانتيانا، وربما هنا تكمن أهمية التاريخ الذى يظن البعض أن كتابته حكرٌ على المنتصرين، ولكنَّ للتاريخ أناسًا يحمونه ويوثقون أحداثه، لذلك لابد من تذكُّر الماضى مرارًا وتكرارًا والتعلُّم منه، حتى نتجنب إعادته، خصوصًا إذا كان هذا الماضى مخيفًا أو دمويًّا.

للأسف، شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، تجاهل الماضى ولم يتذكره عندما قال فى كلمته التى ألقاها، خلال الجلسة الافتتاحية للقاء التشاورى العالمى للعلماء والمثقفين حول وسطية الإسلام، بحضور الرئيس الإندونيسى جوكو ويدودو، فى مدينة بوجور الإندونيسية، إن الأزهر الشريف لم يتخرج فيه إرهابيون أو تكفيريون.
تصريحات شيخ الأزهر ليست مستحدثة، فوكيل الأزهر الدكتور عباس شومان، قال فى تصريحات تليفزيونية وصحفية عديدة، إن رؤساء دول كبرى تحارب الإرهاب الآن تخرجوا فى الأزهر الشريف، فى إشارة منه إلى عدم منطقة احتواء المناهج الأزهرية على أية مواد تكفيرية أو إرهابية أو تحرض على العنف والفتن.
ولكن الماضى يقف لتصريحات الشيخَين بالمرصاد، فلطالما دافع شيخ الأزهر وقيادات المؤسسة الدينية فى القاهرة عن الوسطية واعتدال مناهج المؤسسة الدينية الأقدم فى العالم العربى، وهو ما يتنافى مع وجود شخصيات درست فى الأزهر ولكنّها انتهجت أفكارًا متطرفة، ومنها مَن تورّط فى أعمال إرهابية.
فالأزهر تخرج فيه العديد من الإرهابيين، أمثال عمر عبد الرحمن الذى درس فى كلية أصول الدين الأزهرية عام 1965، وتدرج فى المناصب الإدارية داخل الأزهر من إمام مسجد فى إحدى قرى الفيوم إلى معيد فى الكلية، ويُعد الزعيم الروحى للجماعة الإسلامية فى مصر والتى نشأت أفكارها فى بعض أوساط الجامعيين فى السبعينيات من القرن الماضى، وتحديدًا فى الصعيد، للتمرد على سياسات الدولة عقب نكسة 1967، وكانت الغطاء الأكبر للحركات الإسلامية التى ارتكبت عمليات إرهابية ضد مسؤولين كثر أبرزهم عملية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981.
والأمر لم يقتصر على المصريين فقط، فعلى سبيلى المثال والحصر محمد سالم رحّال، الذى ولد فى قرية صويلح الأردنية، إبّان نكبة 1948، وكان أبوه والكثير من أبناء أسرته ينتمون إلى حزب التحرير الإسلامى، وأنهى دراسته الثانوية فى الأردن، ثم أتم دراسته فى الأزهر الشريف بالقاهرة، وحصل على شهادة البكالوريوس والماجستير فى أصول الدين، وبدأ التحضير للحصول على الدكتوراه فى الفقه فى مطلع السبعينيات، ولكنه لعب دورًا أساسيًّا فى توحيد التنظيمات المتطرفة بمصر، ورحَّلته أجهزة الأمن المصرية فى يناير 1981 إلى الأردن، للاشتباه فى تورطه فى أحداث إرهابية حينذاك، ووقع اختياره على الكويت لاستئناف العمل من جديد، لكن الأمن تعقبه وأمر بترحيله بعد ورود اسمه فى قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.
قد يظن البعض أن هذه الكوادر كانت فى الماضى وليست موجودة الآن، ولكننا إذا تذكرنا حادث تفجير الطائرة الروسية، سنجد أن مَن يقف وراءه هو «أبو أسامة المصرى» أحد قادة تنظيم ولاية سيناء الموالى لـ«داعش»، واسمه الحقيقى «محمد أحمد علِى» وينتمى إلى إحدى العائلات الكبرى فى مدينة العريش، ويناديه أعضاء التنظيم بأبى أسامة الأزهرى، وهو أيضًا من خريجى الأزهر، وتلقى تدريبات عسكرية عالية المستوى فى كل من قطاع غزة وسوريا، واشتهر بأنه مفتى التنظيم بسيناء، لحفظه القرآن ودراسة الأحكام الفقهية، برز اسمه فى وسائل إعلام غربية باعتباره العقل المدبر لإسقاط الطائرة الروسية بسيناء فى أكتوبر 2015، وقال فى فيديو نشره «داعش»: «نحن مَن أسقطناها، موتوا بغيظكم».
الأمر ليس مقتصرًا على الأسماء المذكورة، ولكنَّ هؤلاء التكفيريين الذين تخرجوا فى الأزهر الشريف أو مروا عليه أو تأثروا بخريجيه كُثر، وربما إذا اجتهدت عزيزى القارئ فى البحث عن الأسماء الآتية: «أبو بكر شيكاو، عبد الله عزام، أبو ربيعة المصرى، عبد رب رسول سياف، برهان الدين ربانى، مولوى قاسم حليمى» ستجد نفس النتيجة الدموية البائسة.
ما السبب إذن وراء تخرج الإرهابيين فى الأزهر الشريف؟
فالفكر الوهابى وكذلك الأزهرى حاضران فى وعى المتطرفين بسبب ضعف تلك الكيانات وعدم تطوير أساليبها الدعوية والتنويرية، فشيوخ الأزهر أنفسهم تأثروا بالفكر الوهابى منذ الطفرة التى اخترقت المنظومة الأزهرية وصنعت بيئة مواتية لنشر تلك الأفكار، فضلًا عن سهولة حدوث انتقال من الأزهر إلى الجماعات الإرهابية على مستوى القواعد فى الوقت الحالى، بسبب تطور أساليب تجنيد الشباب عبر الإنترنت فى ظل غياب دور المؤسسة الحاضنة التى أهملت المناهج والخطاب الدينى المعتدل.
كثير من الأزهريين -للأسف- يستخدمون لفظ «تكفير» ويرفضون تفنيد التراث الإسلامى أو الاعتراض على تفسير نص ما فى القرآن الكريم، مثلما ينددون بأية محاولات عربية أو إسلامية لتجديد الخطاب الدينى والمساواة بين الرجل والمرأة مثلما حدث فى تونس.
إذا كنا نريد علاج الأزمة ومواجهة الإرهاب حقًّا فيجب أن تعترف الدولة بالأزمة أولًا، فالتشخيص الصحيح هو أولى خطوات العلاج السليم للمرض، وفيروس الإرهاب ينهش فى جسد الدولة المصرية ويرهقها ويستنزفها تدريجيًّا، بل وأصاب العقول أيضًا وخلَّف مجتمعًا إرهابيًّا حتى لو يحمل السلاح، فللأسف المجتمع المصرى أصبح يعانى أحادية فى الرأى ونبذ الآخر وإصدار الأحكام والفتاوى مرارًا وتكرارًا دون إعمال حقيقى للعقل واحترام قيمة البحث العلمى ومراعاة تغيُّر الأيام وشؤون الدنيا.
وللأسف ربما يستكبر الأزهر الشريف أن يعترف بتورط المناهج الأزهرية فى تشكيل العقلية التكفيرية، فالدكتور عباس شومان وكيل الأزهر، كتب مقالًا نشر عبر «اليوم السابع» فى 12 مايو 2017 بعنوان: «مناهج الأزهر والإرهاب!» وجاء فى نصّه الآتى: «أما تلك العبارات التى يُقذف بها فى وجوه الناس للتدليل على الربط بين مناهج الأزهر والعنف، فلا تخرج عن أمرَين: الأول: أنها لا تدرس أصلًا، وبقاؤها فى بعض الكتب فى مرحلة ما هو من باب الأمانة العلمية التى تلزمنا عند عرض أو تحقيق كتاب تراثى بالحفاظ على متنه كما هو، حتى إن بعض اتجاهات التحقيق ترى عدم التدخل لتصحيح الخطأ الإملائى أو النحوى فى المتن، وإنما يثبت كما هو ويصحَّح فى الهامش وليس فى المتن، وأصحاب هذا الاتجاه يخشون خطأ الباحث فى تقديره لما يظن أنه خطأ، فقواعد الإملاء مثلًا مرت بمراحل، وقد تكون الكلمة مظنة الخطأ من إحدى مراحلها، فظنها خطأ وهى ليست كذلك، أو تكون الكلمة على وجه نحوى بعيد أو غير شائع فظنها خطأ وهى ليست كذلك، ولذا يرون ترك المتن بما فيه خشية الإضرار من حيث إرادة الإصلاح، فضلًا عن أن المتن بما فيه شاهد على علم المؤلف وثقافته وفكره. ويرى آخرون تصحيح ما يُتيقن من خطئه مع الإشارة إلى ذلك فى الهامش ليحكم أهل الاختصاص على صوابه أو خطئه، لكن الجميع مجمعون على أنه ليس من حق أحد حذف كلمة واحدة من كتاب تراثى؛ لأن ذلك يعد خيانة علمية».
وفى مقال وكيل الأزهر اعتراف صريح بوجود بعض العبارات التى تهدف إلى العنف ولكن لا يتم تدريسها، وتبقى موجودة داخل كتب الأزهر، تنفيذًا للأمانة العلمية!
فهل هذا المنطق يحمى المجتمع من خطر التطرف والإرهاب والتكفير؟ ألا تمثل تلك النصوص -وَفقًا لمقال وكيل الأزهر- عاملًا حفّازًا لطلاب الأزهر من أجل الاستسلام للجماعات التكفيرية أو الإرهابية؟ وإذا كانت نيّة الأزهر طيبة من أجل الحفاظ على الأمانة العلمية فهل افترض هذا الصرح الدينى نوايا مَن يستخدم تلك النصوص ويترجمها على هيئة موجات عنف وتكفير وكراهية؟!
تشكيل العقلية الإرهابية أمر له أكثر من مسار، وبالطبع هدف الأزهر الرئيسى ليس تشجيع الإرهابيين أو توريد الجهاديين للمجتمع، ولكن فى النهاية أرض الواقع عليها إرهابيون -كُثر- من خريجى الأزهر، فلماذا لا يتم بحث هذا الأمر بشكل علمى وعملى بدلًا من إنكاره؟ وإلى متى سيتم الصمت على كل مَن يروج للتكفير وكراهية أصحاب العقائد الأخرى؟
نحن لا نطالب بإحراق كتب التراث أو حتى تعديلها، فالتاريخ لا يمكن محوه والتراث جزء من هذا التاريخ، ولكن يجب إعادة النظر فى المناهج التى تدرس لطلبة الأزهر، ويجب فتح ساحات الحوار والنقاش والبحث العلمى من أجل تفنيد التراث ونقده، وبالطبع لا يمكن استمرار الأزهر فى تدريس نفس الأفكار والمنطلقات التى خرجت فى سياق اجتماعى وتاريخى وسياسى مغاير، فبعض النصوص تهدد مفاهيم المواطنة، وما لم يحدث هذا سيظل فكر الإرهاب فى انتشار يورد الجهاديين والمتعاطفين معهم.
إذا كان الأزهر حريصًا حقًّا على الإسلام وبقائه وقوته، فيجب مواجهة أحاديث المشايخ المتشددين، وخطاب الزوايا الصغيرة فى القرى والأزقّة، ونصوص الكتيبات الصغيرة التى تباع فى الأكشاك وعلى الأرصفة، يجب الدعوة لفهم إسلامى مختلف عن مفاهيم القرون الوسطى ويتبنى قيمًا للحب والإخاء بين الناس بمختلف طوائفهم.. هذا هو السبيل الوحيد لتدعيم الإسلام وتصحيح صورته التى شوّهت كثيرًا بسبب هؤلاء الذين تنصل منهم شيخ الأزهر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات