.

حدث ذات صيف فى القاهرة.. عوالم ما بعد «الأحداث الكبرى»

Foto

لماذا اختارت ياسمين الرشيدى أن تختار ثلاثة أزمنة فى الثمانينيات والتسعينيات وبعد ثورة يناير لتدور فيها أحداث روايتها؟


تمر الأحداث فى هذه الرواية بتؤدة وثقل، تمامًا كنهار صيف قائظ، ولا عجب إذن فى أن المؤلفة ياسمين الرشيدى قد اختارت ثلاث «صيفيات» زمنًا أساسيًّا لروايتها التى تدور فى ثلاثة مواسم من الصيف القاهرى الساخن، أحدها فى منتصف الثمانينيات والثانى فى أواخر التسعينيات وثالثها فى صيف 2014 الذى جاء بعد عام من صيف سياسى و«دموى» ملتهب، آثرت المؤلفة أن تقتفى أثره لا أن تنقل أجواء روايتها إلى قلب لهيبه.

مع السطور الأولى للرواية -صادرة عن دار الشروق بترجمة متدفقة وذكية لأحمد شافعى- يبدو الأمر وأننا إزاء رواية جديدة تتناول أزمة الاختفاء المفاجئ للأب الذى غالبًا ما يتم لأسباب سياسية، وأن الأحداث ستعكس رحلة البطلة خلال سعيها للبحث عن الأب المفقود، حتى إن عبارات السرد الموجزة والمشاعر المكتومة والأحاسيس المغلقة التى تحيط بالعلاقات بين أبطال الرواية تجعلها تتماس كثيرًا فى فصلها الأول مع أجواء رواية الكاتب الليبى- الأمريكى صاحب البوليترز «هشام مطر» فى روايته الشهيرة «اختفاء»، لكن ياسمين الرشيدى -الكاتبة المصرية التى كتبت روايتها هذه بالإنجليزية لأسباب تتعلق فى ما يبدو بطبيعة عملها ككاتبة منتظمة فى «نيويوريك رفيو أفو بوكس»- سرعان ما تخرق هذه التوقعات، وتبدأ فى إضفاء سمة واقعية على الرواية وتستعيد جانبًا من معالم وأجواء القاهرة فى الثمانينيات، ثم إنها تدريجيًّا تكشف للقارئ عن أن معضلة الرواية ليست فقط هى اختفاء الأب الذى سيطول لأكثر من 30 عامًا متصلة وإنما فى هذه التغيُّرات التى عصفت بشخصية البطلة وبـ«قاهرتها» خلال هذه السنوات.
فى الفصل الأول الذى يدور فى «صيف 1984» وما قبله بعدة سنوات، يلملم القارئ بصعوبة، يبدو أنها مقصودة، أسباب الغرابة التى تحيط بأسرة البطلة، الأمر لا يتعلق باختفاء الأب المفاجئ والذى تتحدث عنه البطلة دومًا بوصفه «رحيل»، وكأنه أمر تم بإرادة الأب وليس قسرًا، وإنما أيضًا فى معرفة أن ابن عم الأب متورط وبشكل مباشر فى عملية الاغتيال الكبرى التى طالت الرئيس السادات عام 1981، وهو أمر كان يمكن أن يضيف طابعًا مثيرًا وتشويقيًّا على الرواية، ويبدو أن هذا السبب بالذات الذى جعل المؤلفة لا تتوقف عنده كثيرًا، وتبقيه فى خلفية الأحداث، وكأن الغرض منه هو الإشارة إلى تورط العائلات المصرية التى يمكن وصفها بالثرية على الأقل فى زمن ما قبل ثورة يوليو 1952، فى صناعة أجيال من المتشددين والمتطرفين، مثلهم فى ذلك مثل زوج تلك السيدة القادمة من إمبابة، لتقوم بأعمال التنظيف فى بيت الأسرة الكبير، والذى نعرف أنه «إخوان» لكنه يفكر بجدية فى التخارج من الجماعة عقب مذبحة الدير البحرى فى الأقصر عام 1997.
تبرز فى الرواية أكثر من شخصية، لكن يظل أبرزهم «ديدو» صديق البطلة الأناركى الناصرى، الذى يحلم بالتغيير والثورة منذ الثمانينيات ويخبرها برؤيته فى ذلك بأنه «السبيل الوحيد لتغيير حياتنا هو أن نطالب بالتغيير»، ثم نراه يسكن السجن كمعتقل سياسى فى 2014، تمر العلاقة بينه وبين البطلة بمساحات تقارب كبيرة، حتى إنه يكاد يتحول إلى مرشدها الفكرى فى مرحلة مبكرة من عمرها، يصطحبها فى رحلات إلى وسط البلد والتهام الآيس كريم، وينقل إليها وجهات نظره فى الحياة والسياسة وحتمية التغيير، ويحذرها من السقوط فى فخ البلادة، قائلًا «بلدنا الذى يصيبنا بالبلادة. أسأله ما معنى البلادة. معناها أن تستيقظى كل يوم وأنتِ لا تعرفين ماذا تفعلين»، ثم تتباعد بينهما الطرق مثلما حدث مع كثيرين عقب ثورة يناير، وقد اختار هو طريق «الثورة مستمرة ودائمة» بينما هى كانت بحاجة إلى التفكير والتدبُّر، حتى عندما تزوره فى السجن أخيرًا، تجده قد تقدَّم فى العمر سنوات عدة وانحنى جسده، يخبرها بأن السجن كسره، يبدو عليها التعاطف، لكنها لا تقوى على أن تذكره بنصيحته التى قالها لها ذات يوم «عندما أجد موجة سوف تضربنى فى وجهى يجب أن أغطس تحتها»، بدا أنه لم يطبق هذه النصيحة قط.
ثم إن هناك العم الذى لا يحب عبد الناصر ويراه الرجل «الذى صب خرسانة مسلحة فى حقل أزهار ثم انتظر هو والآخرون أن تتفتح الأزهار»، والذى يبدو حزينًا لأنهم قد أزالوا السلم الدائرى الذى كان يزين ميدان التحرير، معتبرًا أن ما حدث هو «عمل من أعمال التخريب وطمس هوية المدينة.. كل ما سبق أن عرفناه سوف يمحى كل ما يحمل أثرًا من تاريخ الماضى.. تلك هى التركة التى سيرثها جيل قادم». ويبدو العم تجسيدًا لجيل ظل ينتظر تغييرًا دون أن يشارك فى صنعه، ويتجلَّى ذلك فى أنه ظل أعزب طوال حياته منتظرًا طلاق حبيبته الأولى والوحيدة من زوجها، وهو أمر لم يحدث بطبيعة الحال.
تمر الرواية على اعتصام الجامعة الأمريكية الشهير فى منتصف التسعينيات، وكيف أن الصحف الحكومية اتهمت الطلاب المشاركين فى الاعتصام بأنهم يتعاطون المخدران ويمارسون أفعالًا جنسية ويعبدون الشيطان، ويمارسون الشذوذ ولعلهم مرضى بالإيدز.. وهى ذات التهم التى ستطول الشباب الذى اعتصم بميدان التحرير فى بدايات ثورة 25 يناير وما بعدها من أحداث.
لم تقُل ياسمين الرشيدى ذلك صراحة فى روايتها واختارت أن تخبر قارئها أن ما حدث فى 2011 (السنة التى قفزت عليها فى الأحداث بالأساس) ربما يكون قد وقع بالفعل قبل ذلك بسنوات، وهذه سمة تحيط بالرواية ككل، الإشارة إلى الحدث الرئيسى بحدث سبقه أو لاحق به بسنوات، الابتعاد عن سنوات «الانفجار» والتعامل مع تداعياتها (الفصل الأول يدور فى 1984، أى بعد اغتيال السادات بثلاث سنوات، والثانى فى 1998 أى بعد حادثة الدير البحرى بسنة وبعد زلزال أكتوبر المدمر بست سنوات، والفصل الأخير فى 2014 أى بعد ثورتَى 2011 و2013 وموقعة رابعة).
مثلما رحل الأب فجأة نراه يعود فجأة، للدقة يظهر ولا يعود، يبدو أنه خرج من السجن، لكن عودته لا تجيب عن كثير من الأسئلة العالقة، هل كان سجنه سياسيًّا أم له علاقة بمقتل السادات؟ أم كما يقول هو بسبب صراعه على البزنس مع «ولاد الريس»؟ لماذا لم يعد قط إلى البيت الكبير وظل بعيدًا عن البطلة وأُمِّها؟ ولماذا تعاملت البطلة نفسها مع هذا الأمر الغريب باعتباره أمرًا طبيعيًّا؟ ربما هى أسئلة أرادت ياسمين الرشيدى أن تتركها لخيال القارئ، لكنها كانت بحاجة إلى نثر مفاتيح تساعده على الإجابة خلال الفصول الثلاثة، أو لعلها اختارت أن ينحاز كل قارئ لتفسيره، وهو الأمر الذى سيساعده بعد ذلك فى استيعاب ذلك القرار الحاسم الذى اتخذته الأم فى ما يتعلق بالبيت الكبير الذى شهد رحيل الأب ووفاة الجدة ونصائح العم.
حدث ذات صيف بالقاهرة، تختار أن تتحدث عن الأثر الاجتماعى والنفسى الذى تتركه الأحداث السياسية الكبرى على البشر، تفعل ذلك بنفس هادئ وبطىء وتدريجى ودون مباشرة، وعبر الحديث عن تفاصيل ومنمنمات صغيرة، أسهمت وتسهم فى تشكيل وعينا، لتشير بوضوح إلى أن التغيير حتمى وقدرى ومحسوم، لكن تداعياته هى التى لا يمكن توقعها قط.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات