.

معايير تعذيب الدراما!

Foto

متى تنتهى لجان الوصاية على الفن والإبداع من معاملة الدراما كمراهق مشاغب؟ لماذا تتفنن الدولة فى مقاومة الفساد والجريمة فى المسلسلات بدلًا من الواقع؟


من أبشع وسائل التعذيب القديمة، ربط قدمى ويدى الشخص المُعذب بأربعة خيول أو جمال، ليذهب كل واحد منهم فى اتجاه مختلف، لينشطر الشخص وتتقطع أوصاله حيا، وكانت تلك الوسيلة الوحشية للتعذيب اختراعا عربيا، للأسف. تتعرض الدراما لنفس النوع من التعذيب، من جهات مختلفة، تسير كل منها فى اتجاه مختلف، بعضها يدعى الحفاظ على أخلاق المشاهد، وبعضها يرضى جهات سيادية، وأخرى ترضى جهات خارجية، وما سيتبقى لنا فى النهاية: فن مُمزق، خائف، سابق التجهيز، بروباجاندا بلا روح أو أصالة أو مضمون.

تقوم الرقابة بقوانينها القديمة بمنح المصنف الفنى تصريحا بالتصوير من عدمه، وفى حالة الموافقة قد يكون لها شروط تتعلق بحذف مشاهد أو تخفيفها، وهذا هو الحصان الأول المربوط فى قدم الدراما، ويعوق تقدمها للأمام.
حينما نادى البعض بتحرير الدراما من قيود الرقابة بشكلها الرجعى الذى انقرض فى الدول المتقدمة سينمائيا وتليفزيونيا، تم اقتراح تطبيق كود التصنيف العمرى، وهو نظام مُعترف به عالميا، ويمنح الدراما حرية التعبير الكاملة، ويفرض على قنوات العرض إعلان التصنيف العمرى فى بداية كل حلقة، مما يمنح الآباء القدرة على مراقبة ما يشاهده أبناؤهم من أفلام ومسلسلات، وأصبح هذا المعيار مثاليا للفن وللجمهور فى نفس الوقت، وتحكى الممثلة الإنجليزية الشابة مايسى ويليامز، التى جسدت شخصية أريا ستارك، صغرى بنات شخصية اللورد ند ستارك، بطل مسلسل «Game of Thrones» «لعبة العروش»، أن أسرتها كانت تمنعها من مشاهدة حلقات المسلسل الذى كانت تشارك فى بطولته، وكان عمرها وقتها ١٢ عاما، ويحتوى المسلسل على مشاهد لم تشارك فيها ولا تلائم مشاهدة الصغار.
أزمة التصنيف الدرامى فى مصر أنها لم تأت بديلا عن الرقابة التقليدية، بل قيدا جديدا للدراما، ولم يلتفت أحد إلى هذا التناقض العجيب، وتم التعايش معه، كجزء من فسيفساء التناقضات المصرية السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية.
أصدرت لجنة الدراما، المنبثقة من المجلس الأعلى للإعلام، برئاسة المخرج محمد فاضل، معايير الأعمال الدرامية والإعلانات المعروضة على الشاشات ومحطات الإذاعة، وأول شىء لافت بهذه المعايير هو توقيت إعلانها، قبل أيام من بداية ماراثون الدراما الرمضانى السنوى، وغرابة التوقيت تعبر عن عشوائية وتخبط، فكيف تصدر معايير للدراما فى وقت انتهى فيه كثير من شركات الإنتاج من تصوير ومونتاج الجزء الأكبر من أعمالها؟ وكيف ستلتزم شركات الإنتاج بضوابط تحدد عدد الحلقات التى يجب تسليمها قبل بداية العرض؟ ألم يكن التوقيت الأنسب قبل بداية تصوير المسلسلات بستة أشهر مثلا؟
ثم هل هذه المعايير استرشادية، أم إجبارية؟ ففى نهاية بيان اللجنة نقرأ: «يؤكد المجلس وبكل وضوح أنه لا يراقب ولا يقيم الأعمال الفنية، ولكنه يقيم آثارها على الشارع والمجتمع المصرى»، وقبل هذه الجملة بسطرين نقرأ «ويؤكد المجلس أنه سوف يستخدم حقه الذى كفله له القانون فى توقيع العقوبات على المخالفين». نفهم من هذا أن اللجنة لا تنصح فقط، لكنها ستعاقب من يخالف نصائحها، ثم لا نفهم تماما مسألة آثار الأعمال الفنية على الشارع، وما هى معايير هذا النوع المستحدث من رقابة الشارع على الأعمال الفنية؟ وكيف يمكن للجنة قياسها وتحليلها؟ ومن منحها سلطة التحدث باسم الرأى العام والشارع؟ وكيف لا ترى اللجنة أن هذا المنطق الذى يتحكم فى صورة الدراما لا يختلف كثيرا عن منطق لجان الأمر بالمعروف الوهابية، وقضايا الحسبة التى يرفعها محامون ضد الفن والفنانين؟
تبدو صياغة المعايير مرتجلة، كما لو أنها صيغت على عجل، وبدون مراجعة جيدة للغتها ومضمونها، حتى إنها خصصت ثلاثة بنود للحديث عن الألفاظ الخادشة للحياء، وكلها متشابهة تقريبا فى مضمونها، ويمكن دمجها فى بند واحد.
لنقرأ معا نص البنود الثلاثة، ولن أقوم بأى تصحيح لغوى لها، ويقول أولها: «عدم اللجوء إلى الألفاظ البذيئة وفاحش القول، والحوارات المتدنية والسوقية التى تشوه الميراث الأخلاقى والقيمى والسلوكى بدعوى أن هذا هو الواقع». ويقول البند الذى يليه: «البعد عن إقحام الأعمال الدرامية بالشتائم والسباب والمشاهد الفجة وتخرج عن سياسة البناء الدرامى وتسىء للواقع المصرى والمصريين، خاصة وأن الدراما المصرية يشهدها العام العربى والعالم كله». وأخيرا يقول البند الثالث: «عدم استخدام تعبيرات وألفاظ تحمل للمشاهد والمتلقى إيحاءات مسيئة تهبط بلغة الحوار، ولا تخدمه بأى شكل من الأشكال». ولا أجد تعليقا على البنود الثلاثة سوى إفيه محمد هنيدى فى فيلم «عندليب الدقى» حينما اكتشف أنه يردد أبيات شعر متشابهة: «والله نفس المعنى».
لا تستطيع الدراما المصرية، ولم يحدث أبدا أنها نقلت سُباب الشوارع إلى الشاشة، حتى لو كان العمل مُصنفا للكبار فقط، وتكتفى فى حالات تصوير شخصيات تستخدم هذا النوع الحاد من السُّباب بنوعية بديلة من الألفاظ القوية التى لا تقترب من ألفاظ الشتائم الحقيقة، وهو حل ردىء ولكنه المتاح، ويبدو أن هذا الحل نفسه غير مقبول فى حقبة ترغب فيها مؤسسات بالدولة تجاهل الواقع، واستخدام الدراما فى تصوير واقع خيالى بديل ومضحك، ويكفى أن مشاهد مشاجرات البلطجية وردح نساء الحوارى فى الأفلام والمسلسلات تنتمى إلى عالم المحاكاة الساخرة رغم جديتها الشهيرة، وحتى أفلام محمد رمضان الأولى من نوعية «عبده موتة»، و«الألمانى»، و«قلب الأسد»، المتهمة بترويج البلطجة والألفاظ الخادشة للحياء، لا يحتوى أى منها على لفظ سباب واحد صريح من الألفاظ المألوفة فى العشوائيات، أو المتبادلة بين قائدى السيارات فى الشوارع.
أما جملة الدراما تسىء للمصريين، فهى جملة نمطية تحمل سذاجة، وتشبه أن نقول إن أفلام الويسترن تشوه التاريخ الأمريكى، وتسىء للأمريكيين، خصوصا أن الأفلام الأمريكية يشاهدها العالم كله، الخلط بين حقائق الواقع، وخيال الدراما خلل فى التفكير، ومسؤولية الفن عن إفساد أخلاق المجتمع خرافة تم الترويج لها سنوات طويلة، حتى سيطرت على عقول بعض المحسوبين على الفن والثقافة.
لا تكتفى لجنة الدراما بكونها قيدا إضافيا لتعذيب الفن، بل تضيف مزيدا من القيود المربوطة بخيول تتحرك فى اتجاهات متناقضة، فتقول فى واحد من بنود المعايير الجديدة للدراما: «ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص فى كل مجال فى حالة تضمين المسلسل أفكارا ونصوصا دينية أو علمية أو تاريخية حتى لا تصبح الدراما مصدرا لتكريس أخطاء معرفية». وهذا الأمر لو خرج عن مجرد النصح العام، فإنه يفتح الباب لعشرات القيود الرقابية التى ستقضى على أى محاولة فنية لعرض زاوية مختلفة لحكاية تاريخية أو نظرية علمية، خصوصا فى ظل ميل الإبداع بطبيعته إلى تفكيك الآراء والأفكار السائدة، وكيف يمكن التعامل مثلا مع عمل درامى يعتمد على فكرة سرد رواية تاريخية بديلة عن صلاح الدين الأيوبى، أو عمرو بن العاص، أو سعد زغلول، أو جمال عبد الناصر؟ ما مصير فيلم من نوعية الفيلم البريطانى Anonymous «مجهول»؟ وهو فيلم أُنتج عام 2011، ويُشكك فى كتابة شكسبير لمسرحياته، بل ينسبها إلى لورد متمرد من العائلة المالكة، استخدم الدراما والمسرح والمسرحى المغمور ويليام شكسبير وسيلة مستترة لنقد حكم الملكة إليزابيث الأولى.
ثم من قال إن الدراما بطبيعتها التى تعتمد على الخيال مصدرا للمعرفة والمعلومات؟ فى أى معهد سينما أو أكاديمية دراما يتم ترويج معلومة مثل هذه؟
استهجان البيان الاستعانة بقوالب الدراما الأجنبية «التركية والإسبانية والهندية.. إلخ» مقبول فى إطار الدعوة للانفتاح على سيناريوهات كتاب مصريين، واقتباس روايات مصرية تعبر عن موضوعات وأفكار محلية، ولكن هل تنوى اللجنة منع اقتباس الدراما الأجنبية؟ أنا شخصيا ضد التوسع فى تمصير واقتباس الدراما الأجنبية لأسباب يطول شرحها، لكنى لست مع منعها جبرا لو كان هذا هدف لجنة الدراما.
العودة إلى زمن الفن الجميل مصطلح تكرر كثيرا فى أحاديث أعضاء لجنة الدراما، وهو يحمل كثيرا من النمطية والسطحية، وأى فن يسعى للعودة للوراء هو فن يسعى للجمود والتخلف، ولا يبحث عن التجديد والتطور، ولا يواكب العصر بمتغيراته، وهو فن مُفلس لا جديد يقدمه، هو فن عجوز يعيش على أطلال الماضى. هذا المصطلح ذو البريق الظاهرى يتم استغلاله ضد أى تيار تجديد فى الفن، والتجديد والتجريب يحتوى على نسب من الخطأ والتشوش، وملاحقة الفن بكرابيج معايير الدراما التى تعبر عن ذوق أحادى، مسألة ضد فكرة الفن بتنوعها وثراء أفكارها.
لا أدرى إذا كانت بنود معايير الدراما التى تقترح ما يجب تقديمه فى الدراما مجرد اقتراحات أم أوامر، فباستثناء بعض المعايير التنظيمية المتعلقة بمواعيد تسليم العدد الملائم من الحلقات للقنوات فى مواعيد مناسبة قبل بداية شهر رمضان، فأغلب المكتوب ينتمى إلى الآراء الشخصية التى تعبر عن ذوق فنى خاص يتعامل مع المشاهدين جميعا كما لو كانوا جهلة أو أصحاب إعاقة ذهنية، وغير قادرين على تمييز الخطأ والصواب.
الترويج لبطولات رجال القوات المسلحة والشرطة سيأتى بصورة طبيعية فى الدراما لو كان الفن يمتلك حرية نقد سلبيات نفس الجهات، وإلا أصبح بروباجاندا دعائية بأوامر عليا.
تصوير الجريمة مادة مفضلة فى دراما العالم كله، لاحتوائها على عناصر الحبكة الدرامية القوية التى تصور الصراع الأزلى بين الخير والشر، ومن أكثر الروايات مبيعا فى العالم روايات كاتبة الروايات البوليسية أجاثا كريستى، وتحولت إلى عشرات من الأفلام والمسلسلات، ولا أظن أن تلك الأعمال الدرامية زادت من نسبة الجريمة، بل بعضنا يردد خرافات رددها البعض بلا أدلة وصدقها، هل هناك دراسة تؤكد مسؤولية أفلام السبكى ومحمد رمضان ومسلسلات التليفزيون عن زيادة نسبة الجريمة فى مصر؟
المشاهد المصرى يمتلك رصيد مشاهدة أفلام ومسلسلات عربية وأجنبية تزيد عن المئة عام، وهو قادر عن التمييز بين الواقع وجرائم الدراما، الأطفال فقط هم من تجب حمايتهم من الخلط بين الواقع والخيال، نظرا لعدم اكتمال قدراتهم الذهنية والعقلية، والتصنيف الفنى يفعل هذا.
السعى إلى تصوير الواقع المصرى دراميا على أنه يوتوبيا تزييف للواقع، وهو أمر يختلف عن بث روح التفاؤل المطلوبة، فالدراما ليست مخدرات يتناولها مشاهد يعانى من تفاصيل الحياة اليومية القاسية، وفى النهاية الفنان يمتلك الحرية فى اختيار نوع موضوعاته.
فى بدايتها الفنية فى التسعينيات، جسدت الممثلة ساندرا بولوك، شخصية شرطية فى فيلم الأكشن «Demolition Man» (الرجل المدمر)، وكانت البطولة لسيلفستر ستالونى وويسلى سنايبس، والفيلم يدور فى المستقبل «عام 2030»، بعد أن أصبحت لوس أنجلوس مدينة خالية من الجريمة، وتم القضاء على العنف، وتجميد الشخصيات الخطيرة، ومنهم ضابط الشرطة العنيف، ولم تجد الشرطة ما تفعله فى هذه اليوتوبيا إلا تحصيل المخالفات من المواطنين الذين يقومون بسب الآخرين، وكانت المدينة تحوى أجهزة ذكاء صناعى تستطيع تحديد هوية الأشخاص الذين تصدر عنهم ألفاظ خادشة للحياء.
ربما الأَوقع والأَولى أن تقضى الدولة على الجريمة والفساد والعنف والألفاظ الخادشة للحياء فى الواقع، ثم نناقش مسألة الدراما لاحقا، حينما نمتلك النضج العقلى الكافى لفهم الفن ودوره الحقيقى فى المجتمع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات