التفاصيل الحقيقية فى قضية «البوسة».. لا «بوسة» ولا يحزنون

Foto

هل تثير قضية مثل هذه بكل تفاصيلها شعورًا عامًّا بعدم اللجوء إلى القانون والاكتفاء بالحلول العرفية؟


أثيرت فى الأيام القليلة الماضية ضجة واسعة فى وسائل التواصل الاجتماعى وفى الإعلام تتعلق بما أثير عن براءة طفل عمره أربع سنوات من تهمة تقبيل زميلته بالحضانة بمحافظة البحيرة، وبالطبع أثار الخبر قدرا كبيرا من العجب اجتماعيا وقانونيا بالنظر لكون هذا التصرف من أطفال لا يعتبر جريمة بل يمكن اعتباره طبيعيا تماما وبالنظر لكون الطفل غير مسؤول قانونا عن أفعاله أساسا فى مثل هذا السن.
وفى الواقع فإن الضجة التى أثيرت حول الموضوع لم تكن دقيقة تماما، فقد اتضح أن الاتهام لم يكن تقبيل الطفلة -رغم أن ذلك حدث بالفعل- ولكن كان الاتهام بدفعها والتسبب فى إصابتها، كما أن الاتهام أساسا كان موجها لجدة الطفل بتحريض حفيدها على إصابة الطفلة لوجود خلافات سابقة.
واتضحت فصول القصة بأن والد الطفلة هو عضو فى مجلس أمناء المدرسة وأن المدرسة ملحق بها فصول حضانة تضم الطفلين، ووفقا لكلام والد الطفلة فإن المشكلة بدأت نتيجة لكون الطفل لم يسدد رسوم الالتحاق بالحضانة بشكل طبيعى فى ما يبدو كنتيجة لكون جدته تعمل كمدرسة رسم بالمدرسة، وسواء كانت واقعة تقبيل الطفلة قد حدثت بالفعل كما أشار والد الطفل أو لم تحدث كما حاول والد الطفلة التأكيد، فالمهم أنه بعد ذلك دفع الطفل الطفلة فسقطت وحدثت بها بعض الإصابات مما دفع والدها لتحرير محضر ضد جدة الطفل يتهمها بتحريض الطفل على إيذاء الطفلة خصوصا أنها شهدت واقعة سقوط وإصابة الطفلة دون أن تتدخل وتم إرفاق تقرير طبى مع المحضر، وردت جدة الطفل بمحضر آخر اتهمت فيه والد الطفلة بسبها، ورغم أنه تم عمل جلسة عرفية لإنهاء الخلاف باعتبار العرف يمنع اللجوء للقانون قبل حل المواضيع عرفيا، فإن نتيجة الجلسة كانت تغريم والد الطفل بمبلغ مالى يبدو أنه لم يدفعه لتستمر القضية، والأغرب أن ما جرى قبل أيام لم يكن براءة الطفل وأن القضية لا تزال منظورة حتى نهاية الشهر.
من واقع هذه القصة فإنه بإمكاننا استنتاج أن ما جرى فى النزاع بين أسرة الطفلين كان المتهم الحقيقى فيه هو والد الطفلة وجدة الطفل، سواء بالتحريض على الضرب أو بالسب، وأن الطبيعى أن الضجة التى أثيرت كان الهدف منها إثارة الموضوع إعلاميا من قبل أسرة الطفل لحل الموضوع بشكل ما قبل الوصول لحكم قد يدين جدة الطفل مثلا.
ولكن ومع أن هذا كله يبدو كتصرفات كيدية معتادة فى المحاكم واستخدام إعلامى لقضايا منظورة عبر تغيير تفاصيلها الحقيقية وهو أيضا معتاد فى حالات الخلاف فإن الجانب الخطير هنا هو كيف تم تحريك البلاغ ضد الطفل من الأساس حتى ولو كانت التهمة الضرب؟ فمعنى ذلك أن ضباط مباحث القسم ومسؤولى وزارة الداخلية عموما لم يدركوا أن الطفل قانونا غير مسؤول عن أفعاله وأنه فى أفضل الظروف سيكون شاهدا ضد جدته وليس متهما، والأغرب بعد ذلك أن القضية وصلت إلى النيابة والتى بدورها ارتكبت نفس الخطأ باعتبار الطفل متهما بالضرب، ثم أحيلت القضية إلى محكمة الجنح التى فعلت نفس التصرف عندما أحالتها لمحكمة الأحداث على الرغم من كونها أدركت أن الطفل لا يمكن أن يحاكم أمامها لكنها لم تلتفت لكون عمره أقل من سبع سنوات وهى السن التى يمكن فيها أن يمثل أمام محكمة الأحداث بدلا من أن تنظر فى القضية باعتبارها جنحة يتهم فيها والد الطفلة جدة الطفل، ثم قامت محكمة الأحداث بتأجيل النظر فى القضية لآخر الشهر فى سيناريو غريب للغاية لأنه يكشف إما جهل هؤلاء جميعا بالقانون أو تعمدهم مخالفته.
إن الضرر الواقع من مثل هذه القضايا يتجاوز الواقعة بكثير فهو أولًا يشكك الناس فى مصداقية وفاعلية وكفاءة أداء المنظومة القضائية، وكلنا نعرف أن أحد النقاط الرئيسية التى يلعب عليها خصوم الدولة المصرية باستمرار هى التشكيك فى النظام القضائى عبر اتهام القضاة أو عبر الترويج فى قضايا الإرهاب بأن بعض المتهمين قصر أو غير مسؤولين عن أفعالهم على خلاف الحقيقة بذكر عمر أصغر من عمرهم الحقيقى «16 بدلا من 18 سنة مثلا» أو بالترويج لكون المتهمين أبرياء أو التحقيقات كيدية أو الإجراءات باطلة.. إلخ، وبينما تحاول الدولة إثبات كذب هذه الادعاءات تأتى قضية مثل هذه لتهيل التراب على كل هذا.
وثانيًا لأن قضية مثل هذه ولمن لم يتابع كل تفاصيلها لابد أنها ستثير شعورا عاما باحتقار القانون والسخرية منه، وهو أمر يعزز فكرة الالتجاء إلى الحلول العرفية بدلا من القانون من جهة، ومن جهة أخرى يعزز شعور المواطن بالفوضى وانعدام التمييز عندما يرى طفلا يحاكم بمثل هذه التهم العجيبة فى الوقت الذى يبدو فيه القانون فى إجازة فى مواجهة المتحرشين الحقيقيين مثلا.
وثالثًا لأن القضية عمرها حتى الآن خمسة أشهر، ومن الطبيعى حتى لو صدر حكم بالبراءة الآن أن يتساءل المواطن هل من الطبيعى أن تستغرق الشرطة والنيابة والمحاكم كل هذا الوقت فى قضية تبدو محسومة من أول لحظة؟ ولماذا تضيع هذه الجهات وقتها وبالتالى أموالنا التى ندفعها فى صورة ضرائب تمول مرتباتهم فى مثل هذه الأمور العجيبة؟وكيف لإجراءات التقاضى أن تستغرق كل هذا الوقت فى مثل هذه السخافات؟
فى الواقع فإنه حتى ولو كانت هناك مبالغات متعمدة من أطراف القضية أو من الإعلام فإن المشكلة الحقيقية هنا كانت فشل الدولة فى أداء وظيفتها، ما دمنا لا نعرف حتى الآن كيف حدث هذا كله، وهل تمت معاقبة المسؤولين فى الشرطة والنيابة المتسببين بإهمالهم أو بجهلهم فى هذه المهزلة أم لا؟
إن القضية هنا كانت ببساطة أن التهمة طفل، وأن من يقوم باتهامه دولة فشلت فى أداء وظائفها بكفاءة، وضحية كل هذا هو المواطن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات