لقد أظهر ترامب بسلوكه تجاه إيران أنه النسخة الأمريكية من القذافى

Foto

ماذا كان سيحدث لو أن إيران هى من خرقت الاتفاق النووى؟


ترجمة: أميرة جبر عن جريدة «إندبندنت» البريطانية

 

كنت أحاول منذ بضع ساعات -بعد خرقه المخزى الشائن المجنون لاتفاقية دولية رسمية- بمن بالضبط يذكرنى دونالد ترامب. بدأت التفكير فى العنصرى المتحمس المتبجح ثيودور روزفلت، «الخيال القاسى» الذى استمتع بالحرب «والتهديدات»، ولكن ثيودور روزفلت فاز فعلا بجائزة نوبل للسلام.. ثم أدركت أن القائد السياسى الأكثر تشابها مع ترامب هو العقيد القذافى الراحل، رئيس ليبيا.
إن أوجه الشبه مخيفة إلى حد كبير. كان القذافى مجنونا، كان رجلا مدعيا متقلبا تافها، وكان مهووسا بالنساء، وحتى جعل مؤلفا مأجورا يخترع «الكتاب الأخضر» من فلسفته الشخصية، تماما كما جعل ترامب دليله التجارى يكتب له. كان القذافى انتقاميا تجاه خصومه ولكن آراءه بشأن الشرق الأوسط كانت غريبة على أقل تقدير. وذات مرة دعا لحل بدولة واحدة لإسرائيل وفلسطين، والتى اقترح -بكل جدية- أن تسمى «إسرائيلطين».. شىء على غرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
إن بيت ترامب الأبيض الآن مثل خيمة القذافى، التى أخذها القائد الليبى معه فى كل مكان. ومشاهدة ترامب للتليفزيون فى وقت متأخر من الليل ليس مختلفا عن إصرار القذافى على إجراء الأعمال فى خيمته. وكانت مصافحة القذافى أسطورية، وكذلك قبلته من تونى بلير، والذى تذلل للقذافى فى ليبيا كما تذللت تيريزا ماى لترامب فى واشنطن. ويا لها من منافع عادت على بلير أو ماى من ذلك.
لقد أدار القذافى تعاملاته التجارية من خلال عائلته -يا لها من فكرة- وحافظ حتى على علاقات جيدة مع روسيا. كانت خطبه مطولة حتى الملل -كان يحب صوت نفسه- وعلى الرغم من كذبه المستمر كان جمهوره مجبرا على الاستماع وخشية غضبه. وفوق كل ذلك، كان القذافى منفصلا عن الواقع، فإذا كذب صدق أكاذيبه، واعتقد أنه يفى بوعوده، وآمن بالعالم الذى أراد هو أن يؤمن به حتى وإن كان لا وجود له، وكان من المفترض أن يجعل مشروعه «النهر الصناعى العظيم» ليبيا عظيمة مجددا.
وإذا بدا كل هذا سطحيا فهناك تشابها غريبا بين ترامب وقادة شرق أوسطيين آخرين، ويحضر إلى ذهنى الرئيس الإيرانى السابق محمود أحمدى نجاد، الذى زعم أن سحابة مقدسة ظهرت فوق رأسه عندما تحدث بالأمم المتحدة ثم أنكر أنه قال ذلك، حتى أخرج معارض سياسى شريط الفيديو. وأتصور أن بعد أداء ترامب المخزى الأخير سنسمع من أحمدى نجاد قريبا. وأعتقد أن الرجل الآخر الوحيد الذى نستطيع مقارنة الرئيس الأمريكى به هو «الرجل الصاروخى الصغير» الكورى شخصيا، والذى بدا منذ بضع ساعات أنه الرجل الذى قد يعطى ترامب جائزة نوبل تلك. أيجرؤ المرء على التفوه بالكلمات الجلية: يا أيتها الآلهة!
وبالطبع، نحن نعلم ما يعنى خرق ترامب للاتفاق النووى الإيرانى، بعيدا عن أكاذيبه وحججه المحتالة بشأن الاتفاق الأصلى، إن الولايات المتحدة الآن جزء من سياسة إسرائيل الخارجية. اعتاد العرب على القول بأن إسرائيل ولاية أمريكية. والآن أصبحت الولايات المتحدة جزءا من دولة إسرائيل. وتضمن ذلك الخطاب المشين ٧ إشارات إلى «الإرهاب» فى ما يتعلق بإيران: «دولة ترعى الإرهاب»، «تدعم وكلاء الإرهاب»، «عهد.. الإرهاب»، «نظام إرهاب عظيم»، «يمول.. الإرهاب»، «دعم للإرهاب»، «الدولة الراعية للإرهاب الأولى فى العالم».. وهكذا دواليك. هذا يكاد يكون بجودة خطابات بنيامين نتنياهو فى الأمم المتحدة.
ومن المفترض أن نصدق، كالأطفال، أن إيران الشيعية تدعم القاعدة المسلمة السنية، مع أنها تقاتل القاعدة فى العراق وسوريا. ومن المفترض أن نصدق أن «الوثائق الاستخباراتية» الإيرانية القديمة التى عفا عليها الزمان تقدم «دليلا قاطعا» بأن وعد إيران بأن لا تسعى إلى أسلحة نووية كذبة. ولكن ما قيمة أمريكا الآن -فى الشرق الأوسط أو أى مكان آخر «تحضر كوريا الشمالية إلى ذهنى»- عندما تستطيع بشكل سافر تمزيق اتفاقية دولية وافقت عليها حكومة الولايات المتحدة ذاتها. كان ذلك ما اعتاد القيام به بعض القادة الأوروبيين -واحد بالأخص- فى الجزء الأول من القرن العشرين.
لكم فقط أن تستعرضوا السيناريو بالعكس وتستبدلوا الشخصيات فى هذه الدراما القذرة. تخيلوا إذا كانت الحكومة الأمريكية قد استطاعت صياغة اتفاقية نووية دولية مع إيران.. ولكن فكروا فى ما كان سيحدث إذا كان رد فعل إيران على رئاسة ترامب إعلان الجمهورية الإسلامية أنها ستمزق الاتفاقية؟ كان سيصطف أمثال ماى وماكرون وميركل -وربما حتى روسيا والصين- إلى جوار ترامب ليشجبوا هذا الفعل الخائن. كنا سنسأل أنفسنا: كيف لإيران أن تخترق اتفاقية دولية ملزمة كتلك؟ أى نوع من الأنظمة يدير إيران؟ كان سيكاد أن يكون كافيا لنصفه بـ«نظام إرهابى».
ولهذا استمتعت جدا بتعبير ترامب عن حبه للإيرانيين. يتحدث جميع رؤساء الولايات المتحدة عن مدى حبهم للشعوب التى يوشكون على غزوها. قال بوش نفس الشىء عن العراقيين. وكذلك ريجان قبل قصفه لليبيا القذافى. والآن يشعر ترامب بالأسف لـ«معاناة الإيرانيين الطويلة». وذكرنا ترامب جميعا بوقت خلاله إيران «ازدهرت فى سلام» و«حظت بإعجاب العالم»، ولم يلحظ أحد أنه كان يشير إلى إيران الشاه، التى أبقت شرطتها السرية «السافاك» الإيرانيين فى حالة من الرعب والإرهاب الدائم من خلال برنامج تعذيب فاحش.

 

...

روبرت فيسك

كاتب وصحفى إنجليزى، مراسل جريدة «إندبندنت» البريطانية فى الشرق الأوسط منذ عام ١٩٨٩، وإقامته الأساسية فى بيروت، فاز بجائزة الصحافة البريطانية كأفضل مراسل خارجى فى العام ٧ مرات، يتحدث العربية، وهو من بين حفنة من الصحفيين الغربيين الذين حاوروا أسامة بن لادن، فقد حاوره ٣ مرات بين ١٩٩٣ و١٩٩٧.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات