.

يوميات عبد العزيز «دولتشين».. ورحلته السرية إلى «مكة»!

Foto

كلفت هيئة الأركان العامة للجيش الروسى، عبد العزيز دولتشين بالمضى إلى مكة، ليؤدى شعائر الحج


قبل ما يقرب من مئة وخمسة وعشرين عامًا، اتخذ القرار غير العادى بإرسال ضابط فى الجيش الروسى، مسلم، إلى «مكة»، كى يحج.. ويكتب تقريرًا!


كلفت هيئة الأركان العامة للجيش الروسى، عبد العزيز دولتشين بالمضى إلى مكة، ليؤدى شعائر الحج.


خلّف لنا «النقيب» نوعين من الكتابات: «يوميات»، و«تقرير»، والعملان أداهما بنفس القوة.. كانت يومياته مفعمة بالروحانية وعمق الشعور الدينى، وكان التقرير على أدق درجة من تفهم طبيعة المهمة من حيث إدراك المطلوب والمطروح على الساحة، والأولويات، وغيره.


هو النقيب «دولتشين».. أو عبد العزيز دولتشين، الذى ولد فى يونيو ١٨٦١، لعائلة ضابط روسى.. عائلة «تتَرية» تتسم بالاحترام والنفوذ بين القومية التى تنتسب لها.. والد «عبد العزيز دولتشين» يعد واحدًا من النبلاء، شغل مناصب هامة فى الدولة الروسية، منها إدارة مناطق الأورال.. جمعت الأسرة ما بين روح التقوى الإسلامية والانتماء النبيل والروح العسكرية.. يعنى توليفة نادرة، خصوصًا أن عبد العزيز دولتشين بعد تخرّجه فى مدرسة الإمبراطور بافل العسكرية فى بطرسبورج، خدم خمس سنين فى قلعة دينابورج، وتعلم اللغات الشرقية فى دائرة وزارة الخارجية، ليتقن التركية والفارسية والعربية، إلى جانب الفرنسية والإنجليزية، بالطبع مع لغته القومية واللغة الروسية.


لم يسعَ «دولتشين» وراء مناصب، لكن مقوماته كانت تدخره لدور عظيم. اشتغل فى آسيا الوسطى لسبع سنوات، تشرّب خلالها كل قضايا المسلمين وطباعهم ومشكلاتهم، وتعلم اللهجات المحلية، والتقى حاكم مقاطعة سوف يصبح فى ما بعد وزيرًا للحربية هو كوروباتكين، رئيس مقاطعة ما وراء قزوين.. قدّر الرجل مواهب وإمكانيات النقيب المسلم، ونشأت بينهما علاقة صداقة.. وعندما حان وقت ترشيح «ضابط» فى الجيش الروسى كى يحج، وتفهم مدى الأهمية كى لا تصبح ممارسة الحج خطرًا على مصالح روسيا فى الشرق، تذكر «كوروباتكين» الضابط، النقيب «دولتشين»..


اعتبر النقيب الترشيح منحة ربّانية، من جهة أخرى رأى فى «المهمة» مهمة لمساعدة إخوته فى الإيمان من مسلمى روسيا الذين يحتاجون للمساعدة لأداء فريضة الحج.. معادلة النقيب «دولتشين» لم تكن لتختل قط.. كان مخلصًا للقسم الذى أصبح يلتزم به كضابط فى الجيش الروسى، وفيًّا للإمبراطورية، ورأى فى مهمته نوعًا من توطيد الدولة لحقوق رعايا المسلمين وتلبية لحقوقهم المشروعة.. تميز عبد العزيز دولتشين بمعرفة ليس فقط حاجات المسلمين الروس، إنما كانت له علاقات بارزة بعدد من الشخصيات الإسلامية ذات التأثير فى روسيا: حميد الله أخون، الذى تمتع باحترام عميق من مسلمى بطرسبورج، وعطا الله بايازيدوف، مؤلف العديد من الكتب الإصلاحية.. أغنياء من التتر.


هيئة الأركان الروسية التى أصدرت التكليف «بالحج» كانت تدرس بلدان الشرق الأدنى وقتها باهتمام عميق.. كانت تكلف الضباط الروس بـ«مهام علمية وصفية دقيقة» لكل مناطق الإمبراطورية العثمانية.. وأصدرت مجموعة من المواد الجغرافية والطبوغرافية والإحصائية عن آسيا، وظّف النقيب الروسى معارفه اللغوية كافة فى هذه المهمة، وتجلّت عيونه اللقطة والخبرة.. استفاد من كل ما كان يصل إليه من مصادر، وأيضًا كان دقيقًا فى كل شىء وهو يصف «مكة» من المراسم والشعائر وحتى النباتات والأحجار والحيوانات والميزانية والتقسيم الإدارى والقضايا التى تشغل المسلمين، وعلى الأخص دعوات كانت تدعو مسلمى الروس إلى النزوح إلى البلاد العربية، والأمراض التى تصيبهم.. تضمن تقرير دولتشين معلومات سياسية وعسكرية وتاريخية واقتصادية حول الجزيرة العربية، لم يترك -كما يقال- لا شاردة ولا واردة إلا وسجّلها وكان له فيها رأى.. بعد العودة من مكة، وطبع التقرير، تكررت المهمات إلى مناطق آسيا المسلمة لتمام إدراجها فى الإمبراطورية التى لابد من الإلمام بظروفها آنذاك.


قبل بداية الحرب العالمية الأولى، دور العامل الإسلامى قد تعاظم فى سياسة روسيا الداخلية والخارجية.. والعالم على تخوم القرن العشرين، وقد تعاظم النفوذ الروسى فى الشرق الأوسط، وفى آسيا الوسطى معًا.. كان هناك الملايين من مسلمى إمارتى «بخارى» و«خوى»، قد انضموا إلى إمبراطورية روسيا، ليصل تعداد المسلمين إلى ستة عشر مليونًا.


الظرف التاريخى وقتها حتّم نزول روسيا إلى حلبة الصراع على منطقة الخليج العربى والبحر الأحمر، واستلزم الأمر بناء سكك حديد بغداد، وتابع: دفعت روسيا أن تظهر بسفنها الحربية والتجارية لتحوز جزءًا من المكاسب، فى نفس الوقت الذى حاولت أطراف عديدة شد النفوذ الروسى إلى جانبها، ومنهم ألمانيا التى راح أحد متخصصى تاريخ وثقافة الجزيرة العربية وعميل المخابرات الألمانية وقتها، ويُدعى إدوارد غلازر، يستفز وزير الخارجية الروسى ويحثّه على التدخل فى شأن الجزيرة العربية إلى جانب تركيا، وانتهى الأمر بتقارب روسى ألمانى فرنسى فى مواجهة النفوذ الإنجليزى. المهم أنه ودون كثير من ملابسات التاريخ، حملت روسيا نوعًا من الحذر إزاء سياسات القيصر الألمانى، وكتب القيصر الروسى إلى القيصر الألمانى عام ١٨٩٨، فى أثناء إقامته فى القسطنطينية: «تذكر أننا، أنا وأنت، قد اتفقنا فى بيترهوف على أن لا ننسى أبدًا أن من الممكن أن يصبح المسلمون ورقة كبيرة للغاية فى لعبتنا، إذا ما وجدنا أنفسنا فجأة، أنت وأنا، فى حالة حرب مع دولة معروفة تدس أنفها فى كل مكان».. فى الخلفية الروسية كان هناك تخوّف من أن محاولات ألمانيا استغلال الورقة الإسلامية ضد إنجلترا قد تمس روسيا ذاتها التى يعيش فيها ملايين من المسلمين.. روسيا لم تكن تأمن إلى تركيا وكانت سياستها تتسم بالحذر إزاء مسلميها.. تؤمن بحرية العقيدة والشعائر وتتبنى رجال الدين التقليديين وتحوّلهم إلى موظفين، وكان القرآن قد صدر فى بطرسبورج أواخر القرن الثامن عشر بأمر من الإمبراطورة إيكاترين الثانية، وأعيد الطبع فى «قيزان» وبطرسبورج، وألغيت القيود على المطبوعات الدينية، ثم أنشئ أول مسجد فى بطرسبورج ومطبعة إسلامية، مما أكسب روسيا تعاطف شعوبها الإسلامية، بدليل ما قاله هذا الضابط الذى ذهب كى يحج بأمر رسمى، وعاد ليكتب تقريرًا جاء فيه من ضمن ما جاء: «إيماننا صحيح ولا ريب فى هذا، ولكن لا وجود للعدالة فى البلدان الإسلامية، وعلينا البحث عن العدالة لدى الروس».


علينا أن نذكر فى هذا السياق بعض ما أشار إليه رحّالة عرب على مدى قرون، ومنهم ابن بطوطة، عن السكان المسلمين فى هذه المناطق. ذكر -مثلاً- أن اسم مدينة أستراخان نفسه يرتبط بإعفاء هذه المدينة من الضرائب لأن حاجًّا تقيًّا كان يعيش فيها.. وقد لعب الحج دورًا عظيمًا فى مناطق روسيا الإسلامية، وفى حفاظها على الدين، وكان الحجاج يتمتعون بدرجة عميقة من الاحترام.. وهناك وصف لوصول عدد من الحجاج فى مدينة من آسيا الوسطى، جاء فيه «انتشر نبأ وصولنا فى كل مكان، تدفق النساء والأولاد كى يلقوا نظرة على الحجاج وينالوا بلمسهم جزءًا من أفضال الأمر الربّانى.. الشيوخ والنساء.. دون تمييز، الجميع رغب فى لمس الحجاج». وفى موضع آخر «قدموا لنا الفاكهة المجففة والخبز وكانوا ينظرون إلينا بدهشة، ومن كل الأنحاء كانت تصل إلينا الهتافات (أهلاً وسهلاً)، والناس يتدافعون لتقبيل أقدام الحجاج».


وفى إمارة خوى، خرج الناس يودعون الذاهبين إلى الحج بالدموع «مَن يعرف متى تسعد خوى مرة أخرى بهذا العدد من الأتقياء، تأويهم بين جدرانها».


علينا أن ندرك -إذن- أهمية سفرة النقيب الروسى المزدوجة إلى مكة.. كان تقيًّا بالفعل، راغبًا فى توفير كل الظروف المريحة لأبناء دينه كى يعرفوا مكة والمدينة، وكان أيضًا ضابطًا مخلصًا للإمبراطورية.. كانت الأوساط الحاكمة تحمل قلقًا من مجمل وضع مسلميها، وكان على هذه الأوساط أن تجمع المعلومات بشأن قضايا أخرى متعلقة بدور الإسلام فى الحياة السياسية والاجتماعية، وعلى الرأس منها الحج. اكتسبت قضية الحج أهمية خاصة لأنها السبيل لنقل الأفكار إلى روسيا، وكان هذا موقفًا لا يخص روسيا وحدها بل أوروبا كلها، الحج كظاهرة سياسية قبل أن تكون دينية. أفاد مراسل رويتر عام ١٨٧٨، إبان الحرب الروسية التركية، أن رئيس لجنة الهلال الأحمر راح إلى مكة بذريعة مراقبة التدابير الصحية، ولكن الهدف الحقيقى كان يتلخص فى تبادل الآراء مع الحجاج من الهند وأفغانستان وآسيا الوسطى، والتأثير فيهم بروح ملائمة للسياسة البريطانية والمُعادية لروسيا.


كان الحجاج الروس يفضّلون استخدام جوازات سفر فارسية أو تركية أو بخارية قديمة، ليتجنبوا البيروقراطية التى كانت تواجه روسيتهم، والتى كانت تصل أحيانًا إلى حد المنع من الدخول أو الابتزاز المالى، وهناك مذكرات لحجاج روس توثّق لذلك.


المهم أنه فى السياق الروسى كما فى غيره، كان الحج ظاهرة سياسية دينية اجتماعية، وقد استطاع النقيب الروسى المسلم أن يقوم بالمعادلة دون التباس ولا تناقض، فأعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله.. لله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات