.

بروفة افتراضية للدين الجديد

Foto

الحكاية هنا لا تتوازى مع المرويات الدينية، ولا تنبنى عليها، بل تقترح بدايات أخرى عن طريق تفكيك الدين المبتدع المرصود فى الرواية


لا يسعى الروائى المصرى عمرو عاشور، فى روايته الثالثة «رب الحكايات» (ميريت للنشر- القاهرة) إلى مضاهاة الأديان الإبراهيمية والتماهى مع ما ترويه الكتب المقدسة.

الحكاية هنا لا تتوازى مع المرويات الدينية، ولا تنبنى عليها، بل تقترح بدايات أخرى عن طريق تفكيك الدين المبتدع المرصود فى الرواية، فعبر أربع حكايات، يفكك الروائى البنية التاريخية والأسطورية التى تسهم فى قيام أى دين واستمراره.

الحكاية الأولى حملت عنوان «الجنة والدنيا»، وتعرض قصة زهرة الجبل وأخيها جلال اللذين فرَّا من بطش والدهما، مرورًا بمغامرات كثيرة، تغطيها الأساطير وغبار الحكايات الشعبية.

يبنى الروائى قصته الأولى بصوت راوٍ عليم، يحكى بالفعل الماضى ونشأة الحياة على الجزيرة المعزولة التى وصل إليها جلال وأخته. الحكاية تتشعب وتتناسل بشكل يشبه طريقة القص فى «ألف ليلة وليلة»، ويتخللها ظهور الجان والعفاريت والمرَدَة. فى «الجنة والدنيا» سينشغل القارئ بمتابعة تلك الحكايات الشيّقة، خصوصًا مغامرة جلال بعد أن فك اللعنة عن المدينة، ومساعدات الجنى ابن زهرة الجبل له، والذى يبدو تدخله فى مسار الأحداث محاولة لترسيخ مفهوم القوى الغيبية القادرة على كل شىء، هذا المفهوم الحاضر كعامل مشترك فى الديانات الكبرى.


بحلم تبدأ أحداث القسم الثانى من الرواية «الإنسان البدائى»، ينثر الحلم عبر عالمه الضبابى المزيد من رماد الأساطير والأجواء السحرية، ينتقل مع الحكاية الثانية صوت الراوى إلى ضمير المخاطب، ليحكى حكاية حسن زعبولة، المهووس بالسحر والشغوف بتعلمه، فالسحر هو السبيل الوحيد أمام زعبولة ليصل إلى هدفه «النساء»، وتحديدًا بنت السلطان، والثروة، والقوة والراحة. يلتقى زعبولة بالساحر الحقيقى الذى يعيش فى كوخ معزول عند تخوم المدينة، يعده الساحر بتعليمه تحضير سائل الإخفاء، يضع الساحر الخلطة على الموقد، ثم يخرج من الكوخ ولا يرجع، يحتار حسن كيف يتصرف مع الخلطة السحرية؟ وفى النهاية يغلبه الفضول فيشربها، لتنتهى به الحال إلى التحول لعقلة إصبع، وهكذا يستطيع التسلل لقصر السلطان ليشاهد الأميرة وهى عارية.


الخيط الرابط بين الحكايات يبدأ فى الاتضاح مع القسم الثالث الذى حمل عنوان «الجسر»، الحلقة الرابطة بين الحكايات السابقة، إذ يلتقط عاشور هنا حدثًا هامشيًّا من الفصل الثانى «تلبُّد الجو»، ويعيد ذكره فى القصة الثالثة، لنصل هنا إلى أول إشارة زمنية توضح تعاقب هذه الحكايات وتراكمها لتشكل فى منقضاها ميراثًا ثقافيًّا وحضاريًّا ودينيًّا لأبطال العمل.

تعرض حكاية «الجسر» هنا سيرة عبده الحلاق، الذى يوضع فى السجن ويحكم عليه بالإعدام ظلمًا، بتهمة قتل ملفقة، إلا أن الجنى ابن زهرة الجبل يعود هنا للظهور وينقذه، ويهرب به من الزنزانة أمام نظرات عطية -السجين الآخر- الجنى يخبر عبده بأنه قريبه من دمه ولحمه، وأن كليهما قريبان لجلال العظيم الذى أنقذ المدينة من لعنتها عندما قتل المارد. ومن هنا تبدأ الرسالة فى التكون فى دخيلة عبده الحلاق، عطية الوحيد الشاهد على الحادث يصبح أول الأتباع، يروجان معًا لفكرتهما الجديدة. فى البداية يأخذ سكان المدينة الأمر كمزحة، إلا أنهم ينبذونه ويتهمونه بالجنون والسُّكْر بسبب تلك الحكايات، وفى النهاية يحكم على عبده بالإعدام بالسيف، ليتم طمس الدين الجديد من مصدره.


اختار الروائى فى هذا الفصل العودة لضمير الغائب، لكن مع لفتة شديدة الذكاء بنقل زمن الحكى إلى المضارع، دليل الاستمرارية، وتراكم الحكايات، وبالتالى تراكم ميراث معرفى وثقافى وحضارى عند سكان تلك المدينة.


الحكاية الرابعة والأخيرة «حكايات وطقوس»، تعرض قصة جلال خرّامة، ابن صانع الأحذية الذى لا يؤمن بالدين المتوارث فى مدينته، ذلك الدين الذى يقدس جلال وزهرة الجبل والجنى وعبده الحلاق وعطية، والذى توارث طقوسًا تافهة؛ مثل الصوم ثلاثة عشر يومًا كما فعل عبده الحلاق، أو التطواف حول الكوخ كما فعل حسن زعبولة. لقد انتشرت الدعوة بمرور السنوات، وأصبحت المدينة كلها تؤمن بأن جلال الأول هو أصل المدينة/ الخليقة، أما جلال خرامة فيكفر بالدين الجديد، ويرفض واقعه ويهرب، يصل لمدينة بعيدة، يوظف جموحه وطموحاته وذكاءه ليصبح أميرًا فى مدينته الجديدة.


نجح النص بفضل الاستخدام المتقن لأدوات الكاتب فى إنتاج مستويات للتأويل، هناك حكاية شيقة، تلفها الكوميديا والكرتونية من جانب، وتتمتع بمنطق داخلى من جانب آخر، منطق داخلى يحتفى أساسًا باللا معقول والمعجزات والماورائيات، خصوصًا فى فصوله الأولى التى تمثل البداية والنشأة ثم مرحلة الإنسان البدائى، ثم هناك مستوى آخر كامن فى التفاصيل، فكرة وجودية وتساؤل عن الحقيقة الغائبة فى الصراع الدينى على احتكار الحقائق.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات