.

مفهوم مختلف للدين.. وتصور مغاير للإله

Foto

يكتب جيمس بالدوين مولد يسوع فوق الجبل، ويكشف عن الحياة الدينية للأفارقة الأمريكيين


فى حى «هارلم» بمدينة نيويورك الذى كان يطلق عليه «عاصمة أمريكا السوداء» تدور أحداث رواية «أعلنوا مولده فوق الجبل»، للكاتب الأمريكى جيمس بالدوين، والتى ترجمها هانى حلمى، وصدرت عن دار رؤية للنشر والتوزيع بالقاهرة.

يكتب جيمس بالدوين مولد يسوع فوق الجبل، ويكشف عن الحياة الدينية للأفارقة الأمريكيين.

ويستلهم الكاتب طفولته التى عاشها فى عاصمة الزنوج فى النصف الأول من القرن العشرين، ويبحث عبر بطله عن طريق للتحرر من الأمان الخانق الذى يقدمه الدين بصورته المتزمتة المنغلقة على الذات: الأمان من الضغوط الاجتماعية ممثلة فى التمييز العنصرى، أو الأمان من عواطفنا وآلامنا، من ضعفنا ومخاوفنا.

هى ليست رواية دينية تبشيرية كما يظهر من العنوان، لكنها رواية تصور تجربة روحية وجودية بأبعادها النفسية، وتشابكاتها الاجتماعية ومن هنا جاء الالتباس والغموض الذى يلقى بظلاله على الرواية.


وقد استلهم الكاتب عنوان روايته من أغنية كنسية كان يرددها السود الأمريكيون فى أعياد الكريسماس والتى يبدأ مطلعها: «انطلقوا وأعلنوا مولده فوق الجبل، مولد يسوع المسيح».


تصور الرواية شخصية الفتى جون جرايمز فى بدايات مراهقته ومأزقه الروحى والوجودى الناجم عن ضغوط الأب ومنظوره الدينى الخانق ورؤيته للحياة المترعة بالمرارة والكراهية وميراث العنصرية الأمريكية، وتتعقد أزمة الشخصية من جراء صراعه الداخلى مع وعيه المتنامى بأزمة الجسد الجنسية، وشكوكه الدينية وتنازع مشاعره بين الفوز بحب أبيه واحترامه ورغبة أوديبية فى الإطاحة به وبسلطته، فالسطوة الأبوية المحمية بلاهوت استبدادى صارم تحكم أجواء الرواية وشخوصها جميعا، وتستنفد كل طاقة وإمكانية لحياة طبيعية وعلاقات إنسانية سوية. ويصبح الابن جون الذى هو بطريقة أو بأخرى صورة ذهنية للمؤلف نفسه ساحة للصراع النفسى والعقلى بين أفكار أبيه الدينية وتصوره الخاص للدين المتسم بالمحبة والتحقق الذاتى والجمعى.


يعرى بالدوين المجتمع الذى يلجأ للدين هربا من مشكلاته المجتمعية والحياتية، لكنه يقع فى الخطيئة. نجد المجتمع الأسود يمارس العنصرية على بعضه البعض، ويحاول طوال الوقت أن ينال رضا الرجل الأبيض، الذى يعاملهم جميعا باحتقار ودونية. جاءت الرواية بمثابة الصرخة ضد الرجل الأبيض، وضد الكنيسة التى تسلب الناس إنسانيتها، وتجعلهم يتخلون عن هذه الإنسانية أمام خطاب دينى يغيب وعيهم.


تعد هذه الرواية من الكتابات المهمة التى أرخت للزنوج ومعاناتهم من عنصرية البيض، وتجىء فى إطار رغبتهم فى التحرر. وتمتاز ببعد دينى يعطيها القدرة على البحث فى الهوية البشرية ومأزقها فى الوجود على الأرض، وسؤالها الدائم عن المصير وقدرة الإنسان على تغييره.


وتحاول الرواية أن تطرح مفهوما مختلفا للدين وتصورا مغايرا للإله، وهو ما نجده فى معرض انتقاد بالدوين المباشر للنفاق الأخلاقى الذى اتسم به تصور الأمريكى للدين وممارسته له، يقول: «من كان يرغب فى أن يصبح إنسانا أخلاقيا صادقا.. عليه أن ينأى بنفسه أولا عن كل القيود والجرائم وأشكال النفاق التى ميزت الكنيسة المسيحية فإن كان ثمة جدوى أو نفع لمفهوم الرب، فهو أن يحملنا على أن نكون أكثر رحابة وتسامحا وأكثر حرية ومحبة».


تأتى نهاية الرواية منفتحة على فكرة التسامح ونبذ الكراهية والعنف، واعتبار العنصرية والكراهية والمرارة وكل أشكال العذاب البشرى باعتبارها جزءا من الشر الكامن فى الوضع الإنسانى: «أدركت أنه علىّ أن أجد نفسى ككاتب حتى ولو كان الثمن هذا الكتاب. صرت مشلولا، ولم أستطع مواصلة العمل فيه.

شعرت أنه دُمِّر تدميرا نهائيا، وأننى دمرت معه». كان الانتهاء من الرواية وصدورها إيذانا بميلاد بالدوين نفسه كواحد من كتاب أمريكا اللامعين، وعلامة فارقة فى تاريخ الرواية الإفريقية الأمريكية، تركت أثرها على كثير من الأجيال اللاحقة من الكُتاب السود.

واحتلت مكانها بين كلاسيكيات الأدب الأمريكى والأدب العالمى المكتوب بالإنجليزية مثل تونى موريسون التى أوقفت مشروعها الروائى لكشف العنصرية التى تمارس ضد الأمريكيين من أصل إفريقى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات