كذب الصالحين: إنا كنا إذا هوينا أمرًا صَيَّرنا له حديثًا!

Foto

كيف استحل «الصالحون» وضع الأحاديث وأضافوا «العمد» لحديث النبى فى النهى عن الكذب عليه ليحل لهم الكذب عليه؟! لماذا روى مسلم عن «مئة صالح بالمدينة مأمونين» لا يؤخذ عنهم الحديث وقال فيهم القطان: لم نر الصالحين فى شىء أكذب منهم فى الحديث؟!


يروى فيما أسنده الحاكم عن «سيف بن عمر التميمى»، وهو واحد من مشاهير وُضّاع الأحاديث، أنه قال: كنت عند سعد بن طريف، فجاء ابنه من الكتّاب يبكى، فقال له: ما لك؟ قال: ضربنى المعلم، قال: لأخزينهم اليوم!، حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: «معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين»!


فى الرواية السابقة نموذج طريف حزين، مضحك مبكٍ، يوضح بشاعة وتدنى وخطورة ما آلت إليه حرفة وضع الأحاديث متنًا وإسنادًا على لسان النبى، والحقيقة التى ينبغى التأكيد عليها أن الكذب على النبى لم يكن خلال التاريخ الإسلامى كله أمرًا نادرًا ولا قليلاً ولا سريًّا، ولا هو وقع بفعل أعداء الإسلام من الزنادقة والكفّار المارقين وأصحاب الأهواء الفاسقين، ولا بفعل هذه المؤامرة الفارسية المانوية الحاقدة التى تتحدث عنها كتب التاريخ، كلما نكب الخلفاء تابعيهم من الفرس، بل تلك أمانيهم، وإنما على العكس، كانت حرفة الكذب على النبى مستقرة شائعة ومعمولاً بها على نطاق واسع فى أوساط الفقهاء والمحدثين، الذين كانوا يسندون ما يستنبطونه من أحكام الشرع فى أحاديث يرفعونها – اعتياديا - مكذوبة على النبى.


والأسوأ من ذلك كله، والأبلغ فى العبثية والبعد عن المعقول والأبعث على الحزن والأسى، حقيقة أن الصالحين من المسلمين، من غير الفقهاء، كانوا يكذبون على النبى بوضع «الأحاديث الصالحة» على لسانه، ويجعلون ذلك حسبة لله، ويقولون إذا استهول ذلك منهم أحد: نحن نكذب له لا عليه، والكذب على من تعمده!


بهذه الطريقة كانوا يؤولون حديث رسول الله: «مَن كذب علىَّ عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». والحقيقة أن لفظة «عامدا متعمدا» هى على الأرجح مما يسمى فى علم الحديث «الوضع بالإدراج»، بمعنى أنها هى بذاتها مفتراة على النبى ومكذوبة على لسانه ومنسوبة بحسب فهم السامع لا قول النبى إليه!، فالحديث على أصح رواياته يقول عنه صلى الله عليه وسلم: «من كذب علىّ فليتبوأ مقعده من النار» دون هذه الإضافة المدرجة الموضوعة المفتراة «أى عامدا متعمدا».


على هذا أصبح عند طوائف المسلمين الصالحين لونان من الكذب على النبى، لون متعمد وهو ما يتم بسوء نية، ولون غير متعمد وهو ما يتم بنية خيّرة بيضاء!، ويرجح أنه من هؤلاء خرج معتقدنا العجيب القديم عن الكذبة البيضاء والكذبة السوداء!، والأخطر من أحدوثة «الكذبة البيضاء» هو هذا الكذب العجيب الذى يصفه «مسلم» بأنه يجرى على لسانهم ولا يتعمدونه! :
روى «مسلم» فى كتابه عن «يحيى بن سعيد القطان» قال: «لم نر الصالحين فى شىء أكذب منهم فى الحديث». وفى رواية: «لم نر أهل الخير فى شىء أكذب منهم فى الحديث». وهو يعنى بذلك كما يقول «مسلم»: «يجرى على لسانهم ولا يتعمدون الكذب»!.


و«مسلم» كذلك هو مَن يروى عن «أبى الزناد» قوله: «أدركت بالمدينة –مدينة رسول الله– مئة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث». ويقصد أنه لا يؤخذ الحديث عنهم لأنهم مأمونون فى الكذب على النبى، ووضع الأحاديث على لسانه، بعد أن جوزوا وضع الكذب فى الترغيب والترهيب!.


قال «عبد الله النهاوندى»: قلت لغلام أحمد بن حنبل: من أين لك هذه الأحاديث التى تحدث بها فى الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة»!. وغلام «أحمد» هذا يقول فيه «ابن الجوزى»: إنه كان يتزهد ويهجر شهوات الدنيا، ويتقوت الباقلاء صرفا، وغلقت أسواق بغداد يوم موته.


وفى شرح «النووى» على «مسلم» أن «خالد بن يزيد» قال: «سمعت محمد بن سعيد الدمشقى يقول: إذا كان كلام حسن، لم أر بأسًا من أن أجعل له إسنادًا»!. ويروى عن «أحمد بن محمد الفقيه المروزى» أنه كان من أصلب أهل زمانه فى السنة وأكثرهم مدافعة عنها وتحقيًرا لمن خالفها، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه. وأخرج «البخارى» عن «عمر بن صبيح» أنه قال: «أنا وضعت خطبة النبى»!.
ولأنه لم يكن فى تاريخ الإسلام كله تقريبًا مَن هم أكثر ورعًا وتمسكًا بالعبادة من الخوارج، فقد اشتهروا – للمفارقة - بكثرة واستحلال الكذب على النبى، وهو ما يصرخ به «الحافظ بن حجر» فى قول ينضح بالأسى:
«بدعة الخوارج كانت فى مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون، ثم فى عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشىء فحدّث به ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن، فيحمله عنه غيره ويجىء الذى يحتج بالمنقطعات فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت»!.

كما ورد عن «أبى لهيعة» أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد أن تاب: «إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثا».


ولم يتوقف الأمر بوُضَّاع الأحاديث من الكذبة الصالحين، عند حد أنهم شوهوا حديث «من كذب علىّ» بالعمد والتعمد، حتى يتسنى لهم الكذب بموجبه غير عامدين!، بل إنهم ما لبثوا أن نسجوا من الأحاديث على لسان النبى نفسه ما لا يجوز لهم الكذب عليه بموجبها فقط بل ويحض عليه. وهو شأن يفوق فى حد ذاته كل وصف له بالكارثى أو العبثى أو المستفضح، فقد رووا على لسان «أبى هريرة» مرفوعا للنبى: «إذا حدثتم عنى حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به، قلته أم لم أقله، فإنى أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه، فكذبوا به، فإنى لا أقول ما ينكر ولا يعرف»!.


هكذا صيروا النبى ناطقًا بلسانهم «قلته أم لم أقله!»، ناطق بالأصالة عما يرضى نزوعهم ومعتقدهم وأهواءهم «فإنى أقول ما يعرف ولا ينكر!»، بل وأضافوا لأنفسهم سلطة رد الأحاديث الصحيحة إذا جاءتهم على لسان النبى دون أن توافق أهوائهم: «وإذا حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به»!.


وهو نفس الحديث من جهة المعنى، وإن كان بلفظ آخر، رواه «أحمد»، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم وتلين له أبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم عنه».


المدهش أنه بُنى على مثل هذين الحديثين ما صار يعد عند أهل الحديث معيارًا لتحقيق الحديث ورده وقبوله. وهو معيار ذاتى بكل معانى الكلمة، لا ينطوى على أثر من الموضوعية، أو على أى معيار علمى، كأن يكون الحديث مباينا للمعقول أو مخالفًا للمنقول، بل هو معيار جعل من سلطة المحدّث أو الفقيه رد الحديث اعتمادًا على التقدير والذوق والحس الداخلى، بنفس الطريقة التى جعل بها وُضّاع الأحاديث من سلطتهم وضع الأحاديث بالتقدير والذوق والحس الداخلى!


يقول ابن القيم: «إنما يعرف من تضلع فى معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بلحمه ودمه وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرع للأمة كأنه مخالط له (يقصد النبى)، فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأفعاله وأقواله، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز، ما لا يعرفه غيره».


وهذه «الملكة» عند «ابن القيم» يسميها ابن دقيق العيد: «هيئة نفسانية عرفوا بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة وما لا يجوز».


وطبعا يدخل «ابن تيمية» على الخط ليكون الأكثر صراحة وكشفا لطبيعة هذا المعيار الذاتى من الجميع بقوله: «القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعى.. فمتى ما وقع عنده، وحصل فى قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله كان ترجيحا بدليل شرعى.. فإذا اجتهد العبد فى طاعة الله وتقواه، كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة»!.


وفى الحقيقة، فإن الكلمات السابقة أصرخ من أن ينبه إلى خطورتها، فليس الأمر فيها أمر علم وفحص معيارى وموضوعى دقيق إذن، لكنه أمر ذائقة ورأى شخصى، يتوعد ابن تيمية بأن يكون البت فيها «دليلا شرعيا»، بمجرد أن يقع لشخص الفقيه أو المحدّث صحته، أو يعلن ذلك على لسانه.


إنه بمثابة إضافة وظيفة جديدة للكهنوت الدينى، أو بمثابة تأسيس جديد لـ«نبوة الفقيه» والعياذ بالله، وجعل ذلك ساريا ليس على المسلمين فقط، ولكن على نبيهم عليه الصلاة والسلام نفسه!
فهل تعرفت الآن على عقل هؤلاء الذين بوسعهم أن ينسبوك إلى الكفر والإلحاد إذا رفضت الكذب على خير الأنام بلسانهم؟!، طائفة منهم رأت أنها مخولة من قبل النبى نفسه، وأحلوا لأنفسهم الكذب بوضع «الصالحات» والأحكام الشرعية على لسانه!.


وطائفة منهم اعتقدوا أنهم مخولون من قبل النبى نفسه، فى أن يحلوا محله فى الحكم على ما تفوه به، طبقا لما تعرفه وتنكره قلوبهم!.


فهل تستبعد عليهم تكفيرك طبقا لما تعرفه وتنكره قلوبهم من قولك؟!، فإذا كانت قلوبهم القاسية وعقولهم العمياء استحلت الحكم على قول النبى ذاته ونفيه عنه ونسبته إليه، فهل تتعفف عن الحكم على مسلم بإثبات الكفر له ونسبته إليه؟!


فى الحقيقة لومنا لا يجب أن ينصرف إلى القدماء ولا فائدة منه، وقد كان وضع الأحاديث ونفى الأحاديث والتكفير والتبديع يجرى فعلا بينهم كما تجرى «الصالحات»، بحكم اعتقاد عقلهم الساذج وبحكم ما وصل إلى زمانهم من علوم، وطبقا لما حققته مجتمعاتهم القديمة من نضج عقلى وعلمى وإنسانى.


لومنا حقيق أن ينصرف إلى هؤلاء الذين قضوا على أنفسهم وعقولهم بالسجن فى رداء هذه العصور القديمة، وما لبثوا أن حاولوا جر مجتمعاتهم كلها إلى ما تردوا فيه.


أخيرًا، كان من نتائج هذا الشيوع الفاحش فى الكذب على النبى أن صار كل ما يروى من حصاد الأكاذيب المهول فى تراثنا الإسلامى، وفيما ورثناه فى ما يقال عنه «الصحاح» من حديث، حصادا رهيبا ومؤسفا يقشعر منه الجسد ويقف له الشعر هَولاً، إذ يُؤْثر عن البخارى مثلا قوله: «أحفظ مئة ألف حديث صحيح ومئتى ألف حديث غير صحيح»!


ومن أين للبخارى علم الصحيح من غير الصحيح، إذا كانت شناعة الكذب على النبى قد بلغت هذه المستويات المرعبة من الدقة والشيوع والتحقيق؟!.. ومع أن كتاب البخارى نفسه يقل عدد الأحاديث فيه بعد حذف المكرر منها عن 3000 حديث. بالتأكيد لا بد أن تكون الإجابة أن الله ورسوله أعلم، فليس من إجابة عند الكهنوت غير تقديس نفسه!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات