.

نكتة الفرنساوية

Foto

يشعرك الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار» أن أمرا جللا سوف يحدث هذه السنة: أول سنى الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور


«لم يقع بها شىء من الحوادث الخارجية سوى جور الأمراء وتتابع مظالمهم».

الجملة للمؤرخ عبد الرحمن الجبرتى يستهل بها جزءه الثالث من مذكراته، بعد انتهائه من الجزء الثانى عند عام ١٢١١- ١٢١٢ هجرية، وهى -أى الجملة- مفتاح تاريخ مصر، وملخص هذا التاريخ كما يرى الدكتور حسين فوزى، فلم يقع فى تاريخ مصر منذ فجر التاريخ سوى جور الهكسوس والفرس واليونان والرومان، جور الأمراء والولاة والحكام والسلاطين والمماليك والباشاوات والخديويين وتتابع مظالمهم.


فى مستهل الجزء الثالث، عام ١٢١٣ هجرية، يشعرك الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار» أن أمرا جللا سوف يحدث هذه السنة: «أول سنى الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالى المحن واختلاف الزمن، وتتابع الأهوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وتوالى التدمير»، ثم يلقى بالموعظة: «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون»، فما الذى جرى؟ فى عاشوراء ١٢١٣ وردت إلى القاهرة مكاتيب من ثلاثين مركبا وقفت بعرض بحر الإسكندرية، حاول الإنجليز استرضاء السيد محمد كريم وذلك بأنهم جاؤوا لمدافعة الفرنساوية الذين يتهددون بر مصر برئاسة بونابرت، وقد علم الإنجليز أن حملة فرنساوية كبيرة خرجت من فرنسا برئاسة بونابرت ويخشى الإنجليز أن يدهم الفرنسيون الديار المصرية، «فلا تقدرون على دفعهم»، ولا يطلب الإنجليز من المصريين إلا إمدادهم بالماء والزاد وبثمن مع وقوف مراكبهم فى البحر من بعيد.. ولم يقبل محمد كريم، وأجابوهم بكلام خشن «هذه بلاد السلطان وليس للفرنسيين أو غيرهم عليها سبيل»، اما أمراء «الغز» فلم يهتموا بشىء من ذلك ولم يكترثوا به، اعتمادا على قوتهم وزعمهم «إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون فى مقاتلتهم».. وكان للفرنسيين سبيل على بلاد السلطنة بعد أسبوع وداس الفرنسيون على المماليك وبلاد السلطان فى أسبوعين، دخلوا الإسكندرية من جزيرة العجمى فى جنح الليل ودخلوا القاهرة بعد موقعة مع مراد بك فى مديرية البحيرة لم تدم ربع ساعة وموقعة مع بقية المماليك فى بر إمبابة لم تستغرق أكثر من ثلاثة أرباع الساعة.


يعلق هنا دكتور حسين فوزى: نؤكد هنا ظاهرة فذة فى تاريخ مصر، لم تعرفها منذ ألفى عام إلا نادرا، ألا وهى خروج الشعب المصرى إلى الحرب، فقد مرت قرون ولم نسمع أن المصريين اشتركوا فى قتال بالداخل أو الخارج إلا قليلا ولعل آخر ما سمعنا من حروبهم كانت فى عهد الأسرات حتى الأسرة العشرين وفى آخر الأسرات الفرعونية كان الجيش المصرى مؤلف من الليبيين والإغريق والنوبيين، ونسمع على مدى التاريخ بغزوات وحروب مصرية تقوم على أذرع جيش مصرى مكون من المقدونيين واليونانيين والليبيين وفرسان العرب والبدو والأكراد والمغاربة والأتراك والبلقان والتتار والقبجاك والجركس والقوزاق، بل وبعض الجرمان الذين أرسلوا إلى مصر مماليك اختطفوا من سواحل البلطيق.. الحدث الكبير كان تطوع أهل القاهرة للدفاع عنها والوقوف فى وجه الغزاة.. لم يخرج المصريون لمحاربة الإسكندر ولا القيصر ولا صد عمرو بن العاص ولا جنود هولاكو ولا لمحاربة الصليبيين ولا الفاطميين ولا العثمانيين ولكنهم أمام كل غزو بكوا ضياع الحرية وشعورهم بالمأساة قوى جدا، من هنا تفرد ما جرى منذ شهر محرم ١٢١٣ هجريا أواخر القرن الثامن عشر، عندما قام الشعب بدفع أعدائه.


وقد كانت هناك علامات بدت كمقدمات منها أن يوسف بك الكبير، من أمراء محمد بك أبو الذهب، كان رجلا سهل الاحتدار والتخليط فى الأمور ولا يستقر فى مجلس ويقعد ويصرخ ولما تولى إمارة الحج ازداد تعنيفا وانحرافا وبخاصة مع طائفة المعممين، وقد وجد فى حادثة الشيخ صادومة فرصة للنيل من المشايخ. كان الشيخ صادومة من سمنود وله باع فى الروحانيات وتحريك الجادات ويكلم الجن، وقد كشف يوسف بك ذات يوم عن حجاب خبأته واحدة من المحظيات بمكان فى جسمها، وقررت أن الشيخ كتبه ليحببها إلى سيدها، فقبض يوسف بك على الشيخ وأمر بإلقائه فى البحر ثم احتاطوا على داره، فقبض عليه ثم اتفق أن جرت واقعة أخرى.. اتفق أن الشيخ حسن الجداوى المالكى قد طلق امرأة فى غيبة بعلها وقام بتزويجها إلى الشيخ عبد الباقى وحضر زوجها الأول من الفيوم وذهب إلى ذلك الأمير يشكو له الشيخ عبد الباقى، فقبض على هذا الأخير وأهانه ووضع الحديد فى رقبته ورجليه وحبسه فى حاصل أرباب الجرائم، فركب الشيخ الجداوى والشيخ العدوى وجماعة كثيرة من «المعممين» وذهبوا إليه وخاطبه الشيخ الصعيدى قائلا «ما هذه الأفعال وهذا التجارى؟» فقال له «أفعالكم يا مشايخ أقبح! من يقول إن المرأة تطلق من زوجها إذا غاب عنها، وعندها ما تنفقه وما تصرفه ووكيله يعطيها ما تطلبه؟» فقالوا له: «هذا مذهب فى المالكية معمول به ونحن أعلم بالعلوم الشرعية»، فقال «لو رأيت الشيخ الذى فسخ النكاح…» فقاطعه الشيخ الجداوى: «أنا الذى فسخت النكاح على قاعدة مذهبى» فقام الأمير على أقدامه وصرخ: «والله أكسر رأسك» فصرخ عليه الشيخ الصعيدى وسبه وقال له: «لعنك الله ولعن اليسرجى الذى جاء بك، ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميرا»، وتوسط الحاضرون من الأمراء يسكنون حدته وحدتهم وأحضروا الشيخ عبد الباقى من الحبس وخرجوا وهم يسبون الأمير وهو يسمعهم!! وحدث أيضا ما يشبه ذلك عندما قبض هذا الأمير على الشيخ عبد الرحمن العريشى وحبسه عند الخازندار، فركب الشيخ السادات إليه، وكلمه فى أمره، وطلبه من محبسه، فلما علم الشيخ عبد الرحمن بحضور الشيخ السادات، رمى عمامته وصرخ وخرج يعدو مسرعا وهو يقول: «يخرب بيتك يا يوسف بك!»، ونزل إلى الجيش صارخا بأعلى صوته، واحتد يوسف بك وقام صارخا ينادى على خدمه: «أمسكوه.. اقتلوه» ونحو ذلك، والشيخ السادات يهدئه قائلا «اجلس يا مبارك» ثم أخذ الشيخ عبد الرحمن إلى داره وتلافوا القضية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات