.

صبرى موسى.. البحث عن المعرفة فى صحراء الذهب

Foto

كيف أنتج صبرى موسى روايته البديعة من رحلة فى الصحراء الشرقية؟ ولماذا تشبه قصة نيكولا التراجيديا اليونانية؟


إنها جوهرة أدبية مستخرجة من باطن رحلة مضنية لبطلها فى الأمكنة، وكذلك من رحلة كاتبها فى الصحراء الممتدة فى الشرق.. إنها «فساد الأمكنة»، العلامة السامقة فى تاريخ الرواية العربية، ودُرّة أعمال الراحل صبرى موسى.


صدرت الرواية كاملة للمرة الأولى عام 1973، بعد أن نُشرت مسلسلة فى مجلة «صباح الخير» الأسبوعية بين عامى 1969 و1970، وهى نتاج رحلة يوم لصبرى موسى فى الصحراء الشرقية عام 1964، قبل أن يطلب تفرغا من وزارة الثقافة لمعايشة فى الجبل لمدة عام من نوفمبر 1966 إلى نوفمبر 1967، والقارئ لكتاب صبرى موسى «فى الصحراء» سيجد أحداثا استعان بها المؤلف فى الرواية.


كيف يختبر الإنسان صلابته الداخلية بشكل حقيقى؟ الإجابة العامة التى يمكن أن نقدمها عن هذا السؤال هى أن ذلك يحدث عندما تحيط به المغريات، ذلك هو الاختبار الحقيقى فى ما يبدو للنفس التى تطمح إلى المعرفة الحقيقية ويكون مبلغ مأساتها عندما لا تروى عطشها لتلك المعرفة، كذلك كان نيكولا بطل الرواية، مهندس التعدين الروسى الذى جاء ليبحث عن نفسه: «كانوا جميعًا يحلمون بالذهب بينما نيكولا مبهورًا، يحلم بالمعرفة فى بحر التجوال».


قصة نيكولا تحمل معانى ملحمية، إنها تختزن قدرا كبيرا من التراجيديا والصراع، يقول المؤلف فى الفصل الأول: «أحكى لكم سيرة ذلك المأساوى نيكولا.. هذا العجوز الذى أعطته أمه اسم قديس قديم حين ولدته فى ذلك الزمان البعيد، فى بلدة لم يعد يستطيع أن يتذكرها الآن.. ذلك الذى كانت فاجعته فى كثرة اندهاشه، وكأن كل شىء يحدث أمام عينيه جديدا يلقاه بدهشة الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدا من التجارب!».


هذا هو نيكولا، الذى استعان به باشا مصرى ليُخرج له الذهب من جبل الدرهيب فى الصحراء الشرقية، إنه رجل موجوع بفساد الأمكنة، أو ربما فساد نفسه: «لم يكن شغوفا بأحد فى الإسكندرية، كما لم يكن شغوفا بأحد فى القاهرة.. وكذلك أيضا لم يكن شغوفا بأحد فى إيطاليا. ولم تستجب نفسه لفكرة الرحيل؟ فما فائدة الرحيل يا نيكولا ما دمت تحمل داخلك معك أينما حللت؟».


فى إيطاليا، ترك نيكولا زوجته الإيطالية التى لم تفهمه وارتحل فى البلاد إلى أن وصل إلى مصر، فجاءت له رحلة الدرهيب وكأنها مخرج من عذاباته، ظل يعمل ويخطط ويشق ممرات فى بطن الجبل ويستخرج الذهب لكنه أبدا لم يصل لذلك المعنى الداخلى الذى يريح البنى آدم ويكتب له مصالحة مع نفسه.


فى الصحراء يعرف نيكولا بشرا أقرب إلى قلبه، أولئك الذين لم يتلوثوا بأمراض المدينة و«غرست فيهم الصحراء شتى الفضائل، فأخذوا يشهرون من هذه الفضائل سلاحا يواجهون به مخاطر حياتهم اليومية، فإن مئات الخطايا التى نرتكبها بسهولة ويسر فى المدينة، ضد أنفسنا وضد الآخرين.. تتراكم على قلوبنا وعقولنا، ثم تتكثف ضبابا يغشى عيوننا وأقدامنا فنتخبط فى الحياة كالوحوش العمياء، فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية، ولكنهم فى الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها.. ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلا، بينما تحتاج دروب الحياة فى الصحراء إلى بصيرة صافية لتجنب أخطارها». فى الصحراء سيتعرف على إيسا، ذلك الفارس الشجاع، الذى سيموت فى البئر ليكتوى نيكولا بوجع رحيله بعد ذلك، لقد كان إيسا من هؤلاء الذين «يطوون فى جنوبهم كل الرموز والمعانى التى تعطيها كلمة رجال هذه»، وبعد موته وجد مهندس التعدين أهله فى صلابة مدهشة: «كان حزنهم جميعا متواضعا لأن الموت فى الصحراء عادة».


سيصطحب نيكولا «أبشر» ابن إيسا، والذى يحمل تشابها مع أبيه، إنه من ذوى العيون المواربة و«تلك عادة الناس الذين يكنون مساحات فارغة ممتدة تكتوى بنار الشمس.. إنهم يواربون عيونهم فتصبح درجة الإبصار أكثر عمقا، وأكثر حدة وتحتمى الحدقة من الضوء الشديد.. ويمكنهم حينذاك إخفاء الحزن الفاجع خلف هذا الخط الوهمى تحت العيون المواربة».


سيعمل نيكولا بكل جهد فى استخراج الذهب مدفوعا بحبه للمكان، لكنه بعد أن انفض عنه العمال وأصحاب المال ورحلوا بعد استخراج الذهب، يعيش أيامه وحيدا لا يريد مغادرة الدرهيب: «يكون الشاى المر إفطاره.. وبعدها يبدأ زحفه المقرر إلى قمة الدرهيب قبل أن تكتسى سفوح الجبال بلون الذهب.. فلن تكون الشمس قد أطلت من وراء الأفق الفضى بعد. وهكذا يكون نيكولا حاضرا حينما تتعرى الصحراء قطعة قطعة فى بشائر النور الذهبية.. عيناه تسبحان عبر السفوح والوديان قافزة فوق القمم، وجسده عار حر تدغدغه نسمات الصباح القادمة عبر السهول الجافة والسهول المزهرة، محملة بأريج بكر.. فيرتجف نيكولا بنشوة الشوق والشبع.. وتغمره السعادة».


هذه السعادة التى تغمر نيكولا مؤقتة دائما، إذ إنه لا يستطيع أن ينسى «خطيئته» التى ارتكبها فى هذا الجبل فألصقته به، إنها خطيئة يكشفها لنا صبرى موسى فى البداية بشكل صادم، وهى أن نيكولا «ضاجع ابنته فى باحة هذا الجبل، على وسادة من صخور، وأولدها طفلا، ثم سرقه منها وهى نائمة ليطعم منه الذئب والضبع!». خطيئة ملحمية كما يبدو، تشبه عقدة أوديب فى اليونانية، وهى مجرد أسطورة أيضا فى عقل نيكولا، لأن هذا لم يحدث حقيقة، لكنه خيِّل إلى الأب الذى يعيش مثقلا بالإحساس بالذنب.

أصل الموضوع أن ابنة نيكولا الجميلة إيليا التى جاءت لتعيش مع أبيها ستذهب فى نزهة بالصحراء مع الملك الذى حل وسط حاشيته فى رحلة جبلية، سيعجب الملك بالصبية وسينتهك أنوثتها بقوة السلطة والمهابة، وسيترك فى بطنها جنينًا، هذا الجنين سيحسبه نيكولا نتاجا لفعل مشين له مع ابنته عندما يصحو محموما فى ليلة وقد حلم بأنه يضاجع ابنته، فيختلط عنده كل شىء ويظن أنه قد وطأ إيليا، وهكذا تتولد فى داخله أحاسيس مأساوية أخرى، بخلاف الإحساس بالذنب فى البداية لأنه لم يمنع الملك من أن يأخذ إيليا معه فى نزهة. يعيش نيكولا مع خطيئته المتخيلة، ويفكر فى التخلص منها فيسرق الطفل من أمه إيليا ويلقيه للذئاب، كما يستدرج ابنته لسراديب الجبل ويحبسها بداخله، ثم يجلس وحيدا ملتصقًا بصخور الدرهيب أملا فى التوحد مع تلك الطبيعة البِكر.. علّه يلتصق بالصخور تماما وينصهر داخلها: «هنا يمكنك أن تختبئ يا نيكولا بكل ما تحمل روحك من عذاب وتقبع يا نيكولا فى كهف صغير مغلق، كطفل فى رحم.. أو دودة فى شرنقة.. ولن تكون بحاجة إلى الطعام ولديك فى داخلك من الألم ما يكفى لتمضغه!». تلك محاولة للموت ليست الأولى لنيكولا، إنه جرب الموت فى الصحراء القاسية من قبل، عندما «يضرب الإنسان على غير هدى بين الصخور باحثا عن الطريق والماء يوميا أو يومين.. وفى اليوم الثالث أو الرابع يجد نفسه وحيدا معزولا فى جبال لا نهاية لها، وقد جف حلقه، وتشققت أطرافه وشفتاه.. فيخطف الرعب قلبه لكن غريزة البقاء تدفعه يمينا ويسارا منقبا عن بئر.. ويصبح من الصعب أن يتنفس من حلقه الجاف فيتأرجح بين الغيبوبة والوعى.. ثم ينزلق على الأرض ويتنازل عن النهوض».


لكن نيكولا لم يمت، كما أنه لم يعش، إنه فى تلك الحالة المعذبة، حالة البين بين: «أى عناد يبقيه حيا بين هذه الصخور الحادة بأشكالها المغرقة فى الغرابة، إلا شعور متفرد ونادر يملؤه ويوحى له ويقنعه بأن جسده البشرى، ذلك المكان المحدود الذى يحتوى روحه اللا محدودة قد ذاب وانتشر وامتزج عضويا فى ذلك المكان الأم.. الممتد والفسيح.. فيزحف زاهدا فى الطعام.. وفى الشطرنج.. بل زاهدا أيضا فى التجول داخل شرايين الدرهيب، تحيط به، وكأنها سيوف مشرعة، أسنان خامة التلك الشمعية التكوين، باحثا عن إيليا.. صديقته الحميمة.. ابنته.. تلك التى أغلق عليها كهفا بانهيار صخرى غادر».


يبدو لنا العالم فى نهاية الرواية خاليا إلا من هذا الإنسان المعذب، نيكولا الوحيد، صاحب الخطيئة الكبرى والأخطاء المتكررة، الرجل الذى كان يعيش وزاده الدهشة والتجربة والاستكشاف فبات منغلقا عن ذاته إلى أضيق مدى، متأملا فى الفراغ الطبيعى.

ويوما بعد يوم نجده «مستندا بظهره إلى صخور الدرهيب التى بدأت فى التثلج، حتى يظهر فى شرق السماء كوكب المريخ باحمراره القرنفلى الخفيف مطلا فوق جزيرة العرب.. ويبدأ المشترى يتأرجح بعيدا فوق الصحراء الكبرى.. فيسبح عقل نيكولا فى الملكوت».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات