.

الأغنياء يزدادون غنى.. والفقراء يموتون من الفقر

Foto

ويمكننا القول إن بيكيتى بكتابه إنما منح العدالة الاجتماعية قُبلة الحياة.. تاريخيًّا وبتحليل الإحصائيات، تأكد أن العائد على رأس المال بكل مصادره يزداد بنسبة تفوق النمو الاقتصادى


الحقيقة الكبرى التى اكتشفها بيكيتى، وهى أيضًا عمود كتابه، أن الأغنياء يزدادون ثراءً متوحشًا وأن الفقراء يزدادون فقرًا، بل يموتون فقراءً.

ويمكننا القول إن بيكيتى بكتابه إنما منح العدالة الاجتماعية قُبلة الحياة.. تاريخيًّا وبتحليل الإحصائيات، تأكد أن العائد على رأس المال بكل مصادره يزداد بنسبة تفوق النمو الاقتصادى والدخل الذى تتحصل عليه بقية الفئات من كل المصادر المتنوعة غير الثروة، وأهمها العمل، وأن هذا يؤدى إلى تزايد ثروة الأغنياء -وقد شرح بيكيتى ذلك بالمعادلات- ونبّه إلى أن ذلك يمثل خطورة هائلة من خلال تركيز وتفاوت الثروات الموروثة، والذى يسمح لأفراد قليلين حالفهم حظ أن يرثوا ثروة عن الأجداد، أن يستحوذوا على أنصبة ضخمة من دون عمل؛ مثل السيدة «ليليان بيتينكوت» مالكة «لوريال» التى تبلغ ثروتها 38 مليار دولار.

بيكيتى يقبل بالتفاوت لكن بمبررات وبمقدار معقول يساعد على الاستثمار، ولكن استمرار تركز الثروة سوف يقضى على الدولة الديمقراطية التى قامت على أساسها الرأسمالية، ومن ثم العودة إلى مجتمع الأقلية الأوليجاركية الذى يقسم المجتمع إلى طبقتين، وهذا سوف يؤدى إلى عودة المجتمع الرأسمالى إلى المجتمع الريعى، والحل هو الأخذ بسياسات ترويعية للدخل تقلل من التفاوت وتساعد على إتاحة الفرص المتساوية.

بيكيتى يقدم حلولاً للمجتمع الرأسمالى المعاصر ودورًا أكبر للدولة، وضرورة أن تتسلح الدولة له بزيادة إيراداتها الضريبية وتشجيع أشكال الملكية وتطويرها. وهنا يعطى بيكيتى أهمية قصوى للتعليم واكتساب مهارات تكنولوجية، وفى هذا السياق لابد من إبراز تأييد علماء اقتصاد أمريكان من حمَلة «نوبل»؛ أمثال كروجمان وستيجلينز، لأهمية تنمية العنصر البشرى كوسيلة من وسائل تخفيض التفاوت؛ لأن ذلك سوف يسهم فى إعادة توزيغ الدخل.

تطوير التعليم والتدريب إحدى وسائل الحراك الاجتماعى لدى بيكيتى، علاوةً على فرض ضرائب تصاعدية على الثروة. وهنا مكمن قوة طرح بيكيتى، مع أن النظرة فى ما سبقه كانت ترى فى مثل هذه الفكرة نوعًا من الطوباوية، ولكن بيكيتى يرى الضرائب عمود الدولة للقيام بدورها.


يستلفت النظر فى كتاب شديد التخصص عن الاقتصاد تمثله لدور الأدب حين يعتمد على صور ومشاهد من أشهر الكتابات الأدبية، لتوصيل فكرة ما يحدثه الفقر فى الإنسان أو ما يحدثه تركز الثروة، بدءًا من روايات جين أوستن وأونوريه دى بلزاك فى ما يتعلق بالمجتمعين الإنجليزى والفرنسى، وحتى نجيب محفوظ فقد استشهد بصور من أعمال محفوظ عن القاهرة بين الحربين وما أحدثه التضخم وتشوهات الأسعار وآثار الحرب على الثروة، كما أشار إلى كتابات أورهان باموك عن تأثير تضخم الأسعار فى رسم الشخصيات.. فك بيكيتى شفرة تفاوت توزيع الدخل مستفيدًا من كل السابقين، ووضع معايير مُحكمة لقياس التفاوت وكشف تزايد نصيب رأس المال على حساب قيمة العمل. قدم بيكيتى للمرة الأولى أساسًا اقتصاديا للقياس الكمى لتفسير الظلم الاجتماعى والتفاوت الرهيب وانعدام التكافؤ.. بيكيتى الذى يعارض فكرة التوازن التلقائى للسوق يؤكد أن السوق لو تركت لحالتها لصبّت فى مصلحة الأغنياء وحدهم ومالكى الثروة.

ويقول مستندًا إلى إحصائيات بعيدة المدى فى فرنسا وأمريكا وإنجلترا، إن نصيب الواحد بالمئة -%1- الأكثر ثراءً فى الدول الرأسمالية يزيد فى العادة عن معدل النمو، وهو ما يؤدى إلى تركيز الثروة، ومن ثم تركيز السلطة.

على سبيل المثال؛ فى أمريكا زاد متوسط الدخل لفئة الواحد بالمئة الأكثر ثراءً بنسبة تزيد على %11 فى سنوات العافية الاقتصادية بعد 2008، بينما بقية الفئات أو %99 كانت نسبة الزيادة أقل من النصف بالمئة.

فى الولايات المتحدة حصل الـ%1 على %8 عام 1970، وحصلوا عام 2010 على %17، وأوضح بيكيتى أن هذه الزيادة أسهم التفاوت فى دخل العمل فيها بنسبة %68، والتفاوت فى الثروة بـ%32 يعنى تأثير الزيادات التى تذهب للمديرين.

لم تتحسن أجور %99 منذ التسعينيات، وخلص الأكثر ثراءً فى مستهل القرن الواحد والعشرين على %75 من زيادة الدخل، و%95 من الزيادة ذهبت إلى العشر (.1%) ثروات أغنى أغنياء أوروبا تتجاوز حجم ناتج أوروبا القومى بمراحل. لا ارتباط بين الإنتاجية والأجور.. المديرون يحددون أجورهم وفزاعة هروب رأس المال من زيادة الضرائب، ضاربًا المثل بما جرى أيام روزفلت، أيام الكساد العظيم لما رفع الضرائب على الأغنياء من أجل زيادة النمو بمعدل %91 على من يزيد دخله على 200 ألف دولار سنويا، أى ما يعادل مليون دولار حاليا، كما أشار إلى ارتفاع معدل النمو مع كلينتون، رغم ارتفاع الضرائب، وهاجم بشدة آثار الثروات الموروثة على إجمالى الناتج القومى، وقال إن العالم يعود إلى ما كان عليه فى القرن الـ19، وقارن -على سبيل المثال- بين ما كتبه تلزاك فى رواياته، وبين ما يجرى مستنتجًا عودة الأكثر ثراءً لتملك النصيب الأكبر من الثروة القومية. قوانين النمو الاقتصادى وتركيز الثروة وزيادة نصيب رأسمال على حساب قيمة العمل.. كلها تمثل بالسوق الملامح الرئيسية والتفاوت الفظيع هو الطريق إلى الحروب والثورات القادمة، والبشرية تكرر الأخطاء من عودة المجتمع الأوليجاركى وضرب المثل بما يجرى فى أمريكا.

وكما يقول الأستاذ إبراهيم نوار إن بيكيتى أعاد قراءة التاريخ من نافذة الاقتصاد والسياسة والأدب والتاريخ وأيضًا السياسة، ليستخلص أفكارًا أساسية ليعمل عليها -على الأقل- جيلان قادمان.
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات