من الشباك.. فرجة على عربة الترحيلات

Foto

ما تفاصيل العالم داخل هذه السيارة المغلقة على عشرات من البشر؟ ولماذا هى «جسر من الراحة بين عذابين»؟


ماذا عن الشباك الذى يفصل بين ظلامك والنور، بين قيدك والحرية؟ هل تحبه لأنه بارقة الأمل الوحيدة وسط العتمة، ووسيلة اتصالك الوحيدة بالأفق الحر؟ أم تكرهه لأنه لا يمل تذكيرك بما أنت فيه من أسر تعجز عن فكّه؟


مهلاً.. ما هذه الأسئلة الناعمة؟ الفلسفة رفاهية لا ينعم بها المدفونون خلف شباك سيارة الترحيلات.

هذه الأسئلة لا يستطيع الإجابة عنها سوى شخص تتوفر له كل الحقوق الإنسانية والظروف الآدمية، شخص إذا جاع سيأكل، وإذا عطش سيشرب، وإذا امتلأت أمعاؤه أو مثانته يستطيع قضاء حاجته! أما راكب عربة الترحيلات فلا يستطيع حتى الحصول على «نَفَس» لو اختنق!


أوجاع كثيرة تلك التى حاول الكاتب الشاب أحمد خير الدين أن يعبّر عنها من خلال كتابه القصصى «من الشباك»، الذى ينقل ويرصد ويوثق حكايات من داخل عربات الترحيلات، وهو الكتاب الذى صدر عن دار الشروق فى بدايات 2017، وبعد نحو 6 أشهر من خروج «اشتباك» للنور، وهو فيلم من إخراج محمد دياب، تدور أحداثه بالكامل داخل عربة ترحيلات.


إذن، أصبح لدينا فيلم وكتاب! هل يغير ذلك من الأوضاع غير الآدمية فى عربات الترحيلات، والتى هى نفس أوضاع «الحجز» و«الزنزانة» فى أغلب أقسامنا وسجوننا؟


«السجن تأديب وتهذيب وإصلاح» مجرد شعار يشبه «الشرطة فى خدمة الشعب»، أما لو أردت الحقيقة فقُل «تأديب وتعذيب وإفساد»، وتفاصيل ذلك لا أكثر منها فى كتاب أحمد خير، تفاصيل تؤكد أن سجوننا تُخرج مرضى نفسيين لا أناسًا مؤدبين مهذبين مصلوحين! مكان سيئ التهوية، ردىء الخامات، عطن الرائحة، والمخبرون والعساكر يغلقون على مَن بداخله بابَين، ليصبح مصدر الأكسجين الوحيد شبابيك قليلة متناهية الصغر، تكاد تكون مسدودة بطبقتى سلك سميكتين.. كل ذلك فى مكان لا يخضع أبدًا للتنظيف «عربة الترحيلات بطبيعتها قذرة. البلد كلها محبوسة ومفيش وقت حد ينضفها»، بتلك الكلمات فسرت إحدى المترددات على السجون، بسبب نشاطها السياسى، سر «قذارة» تلك السيارة.


الحالة العامة لتلك العربة، وإصرار رجال الأمن على تكديس المقبوض عليهم بداخلها دون وضع حد أقصى لما تحتمله من بشر، يجعلها «دافئة شتاءً، ميكرويف صيفًا»، على حد تعبير فتاة جربتها. فى الكتاب نقطة تستحق الثناء، وهى أن أحد فصوله رصد كيف وصف أحد كبار رجال النظام السابق عربة الترحيلات، التى ذاق طعمها عقب الثورة «صعوبة التنفس بدأت على السلم، لا داخل السيارة، علا صوت شهيقى وزفيرى، فاقترب العسكرى وطمأننى أنه سيفتح الباب من أجلى، قبل أن أصرخ فيه أن يبقيه مغلقًا كى لا يرانى أحد». ويواصل: «صعدت السيارة بالكلبش، فخرجت فى وجهى الحرارة من جوف المعدن الذى احتوانى بعد دقائق». «الباشا» لم يتحمل عربة الترحيلات وهى تحتويه وحده، ماذا لو جربها ومعه أكثر من 40 شخصًا محشورين فى هذا المستطيل البائس؟


«جفت حلوقنا، وغطى العرق أجسامنا»، أحد مَن ذاقوا سيارة الترحيلات يصف حاله وزملائه، حينما توقفت السيارة لوقت غير قصير بالصحراء فى عز الحر، قبل أن يكتشفوا أن كل ذلك حتى يؤدى الضباط صلاة الظهر! المشكلة أن الوجود فى هذا الحر وتلك القذارة غالبًا ما يأتى وعلى جسدك سترة رديئة يجبرك السجن على ارتدائها، يقول أحد مجربيها: «أسأل نفسى كل مرة ألبسها، من أى مادة صنعوها؟ كانت تسبب لى حكة مستمرة وحساسية».


«المكان ملىء بالبراز والبول وبقايا قىء مساجين سبقونا (...) دخل أمين شرطة، قال إنه سيكمل الطريق معنا لأن لا مكان له فى الخارج. بعد دقائق أخذ يدق بكفيه مناديًا زملاءه ليُخرجوه. لم يتحمل الرائحة»! وهذه حكاية أخرى تشرح الوضع داخل العربة. لعلك تسأل عن سر امتلاء المكان بالبول والبراز، آه نسيت أن أخبرك أنه بمجرد دخول هذه العربة، يُسلب حقك فى قضاء الحاجة، ولا تتعجب، فالحق فى التنفس نفسه غير مضمون، ويعودون بعد ذلك ويطالبون الشرطة بمراعاة حقوق الإنسان! التبول والتنفس من حقوق الحيوان، يا سادة.


وهذه قصة على لسان صاحبها: «البرد الشديد زاد حاجتنا للتبول. دققنا بأيدينا وأرجلنا على الباب، طلبنا منهم أن يسمحوا لنا بالخروج لدقائق تحت حراستهم لإفراغ مثاناتنا. لا مهرب لنا فى هذه الصحراء. سخروا منا تارة، وتجاهلونا تارة أخرى. جربنا أن نهددهم بالتبول على أرضية السيارة، لتصل المياه إلى مكان وجود المخبرين والأفراد. لم يترك التهديد أى أثر. بدا أنهم يعلمون أن هذا سيكون عقابًا لنا وليس لهم. وجدنا زجاجة فارغة، فتوجهنا بالتناوب إلى زاوية بعيدة وتقاسمنا ملأها بما أراح كل واحد فينا. لو تعلم شركة المياه الغازية ما حَلّ بديلاً لمشروبهم. قالها زميلى وضحك». هذا عن حق التبول، وللحق فى التنفس قصة أخرى، قصة مسيلة للدموع، يمكن مطالعة تفاصيلها من فصل بعنوان «عبد المأمور»، يتضمن شهادة أمين شرطة للنيابة عن واقعة وفاة أكثر من 30 مصريًّا بداخل عربة ترحيلات «أربعة. خمسة وأربعين. لا أتذكر الرقم بدقة (...) كانوا متكدسين. لم تسمح الأعداد ولا المساحة لهم سوى بالوقوف متلاصقين». رغم أنه يخشى مصيره وما سيلقاه أهله، على حد قوله، قرر الأمين أن يكون أمينًا، فأعلنها: «الضباط هم المسؤولون عمّا جرى»، سأله المحقق عما دفعه لقول غير ذلك فى المحضر الذى حررته الشرطة، فأجاب: «تغير كل شىء بعد الحادث. أمرنا الضباط أن نوقّع على أوراق تقول رواية جديدة». إذن، ما الرواية القديمة.. الحقيقية؟ «حين توقف محرك السيارة، سمعت صوت المتهمين المرحلين يصرخون: (عطشانين وعايزين نشرب وهنتخنق من الحر، واحد عنده السكر وتعبان وهيموت). اشتكوا كثيرًا.

أكثر من مرة دقوا على صاج السيارة من الداخل وصرخوا. كان واحد منا فى كل مرة يذهب إلى الضباط ويقول لهم إن المسجونين يعانون من الحر أو يطلبون مياهًا. كانوا يرفضون الطلب. لم يستجيبوا سوى مرة وحيدة فى بداية اليوم». هكذا بدأت المذبحة.

يستطرد أمين الشرطة: «فى إحدى المرات (...) قمنا بسقاية الموجودين. لم أشاهدهم، ولكن رائحتهم كانت سيئة للغاية. بعدما انتهينا طلب الضابط إغلاق الباب، قلنا إن الباب الداخلى لا حاجة لإغلاقه. كنا نشعر بدرجة الحرارة العالية تخرج لنا من عندهم.

نحن بينهم وبين الباب الرئيسى المغلق علينا جميعًا. لكنه أصر على إغلاق الباب». وهكذا حدثت المذبحة. ما بعد ذلك معروف، سيتعرض المسجونون واحدًا تلو الآخر للاختناق، حتى يأتى موعد تسليمهم و7 فقط من الـ45 على قيد الحياة! يُكتشف الأمر، فيرتبك الجميع، فيأمر الضباط الأمناء بإصابة أنفسهم بجروح، لاتهام المسجونين بالاشتباك مع الأمن، وقد كان، قبل أن يقرر هذا الأمين تغيير أقواله أمام النيابة.


قصص كثيرة لا توصف بشاعتها ستجدها فى «من الشباك» عن الأوضاع داخل عربات الترحيلات، ولا مجال للاعتراض، لو اعترض المحتجزون بشتم رأس السلطة أو الهتاف خلال سيرها، يرد السائق بـ«كبح الفرامل فجأة ومن ثم التحرك فجأة، ويكرر حركته هذه عدة مرات كأنه يرج زجاجة مياه غازية، فيتكدس المسجونون فى الداخل أو يقعون على وجوههم، مما كان يتسبب للبعض بإصابات تتراوح بين الكدمات والكسور والارتجاج فى المخ». «علقة»، هكذا نضطر للعودة إلى العامية المصرية لنجد وصفًا يصلح لوصف تجربة الترحيلة، يقول أحدهم: «طلبت من أهلى فى الزيارات ألّا يتقدموا باستشكالات جديدة على الحكم، فجسدى لم يعد يتحمل إنهاك الترحيلات»!

ويحكى آخر أنه طلب من محاميه ذات مرة مماطلة المحققين حتى يعود للسجن مع مغرب الشمس، فعربة الترحيل لا يحتمل صهدها قبل الغروب. ولأن لا شىء سيئ دائمًا، وجدت تلك العربة مَن رأى فيها بعض الإيجابيات، فهذا تغزل فى دفئها بليالى الشتاء، وهذه وصفتها بأنها «جسر آمن بين مرحلتين من الضرب»، تقصد ضرب المتظاهرين عند القبض عليهم، ثم الضرب الأعنف فى «طابور الاستقبال». كتاب إنسانى جدًّا، قد يقود أصحاب الحس المرهف إلى اكتئاب مؤقت، يحوى 20 قصة فى نحو مئة صفحة فقط، فالحكايات مكثفة، وكل كلمة، بل كل حرف، فى المكان الصحيح، قد تأخذ عليه فقط أنه تضمن حكايات السياسيين فقط مع عربات الترحيل، وتسأل بشأن الجنائيين والأشخاص العاديين، ماذا عن حقهم فى التبول والتنفس؟!


«أنا كل يوم أسمع.. فلان عذبوه
أسرح فى بغداد والجزاير وأتوه
ما أعجبش م اللى يطيق بجسمه العذاب
وأعجب من اللى يطيق يعذب أخوه
عجبى!».
صلاح جاهين

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات