اتجه بنظرك نحو الشرق.. حكمة «الجيتا»

Foto

تحتل الجيتا تلك المكانة الفريدة على خارطة الهند أم الفلسفات والحكم.


الجيتا.. فلسفة.. حكمة، هى أكمل وأكبر وأكثر ما يدين به أهل الهند. اعتبرها المهاتما «غاندى» بمثابة أم بديلة.. وقد رحلت أمه.

قال: «الجيتا اليوم، ليست إنجيلى ولا قرآنى فحسب، بل هى أكثر من ذلك بكثير، إنها أمى، لقد افتقدت أمى التى ولدتنى منذ زمن طويل، غير أن هذه الأم الخالدة قد ملأت مكانها بشكل تام وكانت إلى جانبى على الدوام، لم تتعثر ولم تخذلنى قط، وحين أمر بمحنة أو أُعانى من كرب، ألوذ بحصنها».


تحتل الجيتا تلك المكانة الفريدة على خارطة الهند أم الفلسفات والحكم.

تطلب الجيتا من كل إنسان أن ينظم نفسه بطريقة تجعله يؤمن أن كل ما يقوم به من أفعال مهما كانت بسيطة إنما هى لوجه الله، كل ما ينجزه غايته ليس النفع الشخصى، إنما فى سبيل الله، وعلى ذلك يسهل إدراج كل ما يقوم به الإنسان فى خانة العبادة. الجيتا فى واحد من تعريفاتها رسالة عن رحلة أبَدية من الكينونة إلى الصيرورة.

هى فلسفة تؤكد أهمية التناغم فى الحياة، وتسعى لإيجاد تشابه بين إيقاعات الموسيقى وتركيبة موضوعاتها.. ويقال أيضًا إن الجيتا تلخيص رائع لروح الهند الخالدة المتسمة بالوحدة الكامنة وراء التعدد الظاهرى للوجود.

أحد مَن كتبوا عن الجيتا بمزيج من الشاعرية والأسلوبية هو البروفيسور دامودار ثاكو، الذى هو لغوى بارز، استلهم رسالة افتتح بها كتابه عن الجيتا، من وحى جبران خليل جبران.. خمسة وثلاثون عامًا كرّسها هذا اللغوى لفلسفة الجيتا، بتجليات وصور جعلت من رؤيته معالجة متعددة الطبقات.

هذا الباحث أحد الذين يرون أن الموضوعية الصرفة وهْم كبير، وأن وجهة نظر الإنسان وفهمه إنما تصبغ كل ما يتناوله، وأنه مهما بلغت أكاديميته إنما ينطبق عليه نفس الحكم، وعلى ذلك فهو حين يكتب عن رأس الحكمة الهندية إنما يكتب عنها من منظوره. عظاة كثيرون تصدوا لتقديم ترجمات للجيتا عن اللغة السنسكريتية إلى الإنجليزية، أولهم هو أول حاكم عام للهند «تشارلز ستنغر» والمهاتما غاندى، وكل ترجمة اصطبغت بروح المترجم.

ويُقال عن اللغة السنسكريتية إنها من أكثر اللغات ثراءً بالمترادفات، وإنها -وبشكل مبكر جدا يعود إلى ألفى عام- كانت لها مراجعها فى أصول الكلمات. نذكر ذلك لأن «الجيتا» كفلسفة وحكمة، غنية بالتأويلات، وهى على مدار الوقت كانت تتبدل عن الجذور. الجيتا كرحلة للإنسان من الكينونة إلى الصيرورة، رحلة لا يوجد بها متسع للسلبية والتراخى والألم والبطالة، وهذه الطريقة لرؤية العالم انعكاس للطريقة التى تشكلت بها من خلال أخيلة الكلمات.

عديد من الباحثين كرّسوا الجهود لاستبيان المواءمة ما بين «الجيتا» وزماننا. واللافت هو اتجاه آلاف، إن لم يكن ملايين، ممن بلغوا أوجّ الحداثة من العيش فى مختلف بقاع الغرب، إلى الولوج إلى عوالم الحكمة الشرقية، ومن بينها «الجيتا».

هناك مقاطع من تلك الفلسفة أشبه بأحجار زوايا، منها ذلك المعنى الذى يرى أن إله العالم لا يفعل شيئًا نيابةً عنا، فالذين يكتفون بإعلان الإيمان دون العمل واهمون إن توقعوا أن تسير الأمور وفق مصالحهم وغاياتهم. إن السعى واليقظة والنشاط تأتى من تحفيز الإله لروحهم.

الإنسان اللا منضبط لا يملك لا الفهم ولا الإخلاص، ومَن لا إخلاص لديه لا سلام لديه، فكيف يفوز بالسعادة؟ مَن لم يتعلق بمثل أعلى تعوزه الحكمة والنظرة الإيجابية للحياة؛ ولذلك هو لا يعرف السلام مع ذاته، وكيف لمَن لا يملك السلام مع ذاته أن يدرك السعادة؟ للجحيم بوابات ثلاث: الشبق المدمر والغضب والطمع.

الإنسان حين يتحرر من هذه البوابات الثلاث، التى هى بوابات للظلمة، ينجز واجبه ويبلغ أسمى غاياته. هذا بعض من روح الجيتا التى على تنوع مترجميها، كانت مبعَث إلهام لعدد من الشخصيات التى لعبت دورًا، والتى الآن بدأت تتسلل إلى الإنسان العادى فى الغرب، لأنها تمثل عونًا أخلاقيا فى اللحظات الصعبة، ويقول مَن اقتربوا منها إن لها قدرة على أن تمدهم بطاقة أخلاقية وفكرية فى ما يخص القيم الكبرى فى الحياة، والتحفيز نحو الارتقاء والسمو عن صغائر الحياة اليومية إلى أفق متجاوز.

واحدة من الدراسات حاولت التصدى لمعرفة مَن هم هؤلاء المحدثون المهتمون فى زماننا بحكمة وفلسفة الجيتا، وكان الجواب أن منهم دُعاة ورهبانًا ونُساكًا وصوفية ورجال دولة وفلاسفة وأكاديميين وفنانين وأدباء وعلماء. قيل فى أسباب هذا الشيوع إن الجيتا مُعين روحى، وإنها تقدم تصورات كلية دون أن تبنى أسوارًا. وانبرى أهل الكشف الصوفى بالقول إن من بين تعاليمها ما لا يُقدر بثمن. ويقال إنه حين ترجمت إلى الإنجليزية وانتقلت إلى الغرب، أحدثت بين المثقفين ما يشبه الثورة، وكانت أول ترجمة لتشارلز ويلزكيلز، أحد مؤسسى المجتمع الآسيوى البنغالى وأول أمين مكتبة فى مكتبة شركة الهند الشرقية، ويُعد أول حاكم عام للهند «وارن هاستيغز» أفضل مثال لثائر دبلوماسى بالجيتا وعُمق أفكارها، ودعا إلى نشرها وطباعتها، وكتب: «الجيتا نموذج عظيم للأصالة وسمو المفاهيم والرشد والبيان الذى لا يضاهى».

أما نهرو، أول رئيس وزراء هندى، وإن لم يعرف عنه امتلاكه فلسفة دينية، فقد دوّن عنها هذه الملاحظات: «إن فيها توازنًا وثباتًا فى قلب اليائس، ونزعتها هى نزعة التسامى فوق المتغيرات، لا فى البحث عن الهرب، بل بالتآلف معها».

رأى نهرو فيها شيئا يتلاءم مع تطور الفكر ويتمتع بالجدية وإمكانية التطبيق فى ما يتعلق بالمشكلات الروحية التى أعيت العقل. ينظر إلى الجيتا كأعظم عمل مؤثر فى الفكر الهندى وأنها تتميز بنوع من التحرر وسعة الأفق وأيضًا بكونها غير منغلقة على طائفة بل تفتح الطريق للجميع. ونشير إلى أن «ول ديورانت» صاحب تاريخ الحضارة، رأى فيها أسمى القصائد الفلسفية فى عالم الأدب، وأعمق ما أبدعه العالم. الجيتا فى كثير من الأدبيات الغربية صاحبة فضل لأنها تمنح عُمقًا للبصيرة فى كل الأحايين والأزمنة.. إنها تبين الطريق فى ما يتعلق بالطبيعة الجوهرية والسمات الأساسية للهند الدينية.

أدباء كثيرون تأثروا بالجيتا حتى وصفها «إمريون» بأنها «أول الكتب». وكتب أحدهم: كل صباح أغسل عقلى بها وفلسفتها الكونية المذهلة، إنها أعظم النصوص الروحية فى الفلسفات القديمة وفى رسالتها يكمن المتطلب العقلى لسلام العالم العقلى الروحى، وإنها الطريق إلى التخلص من إلحاح الغرور الذاتى الرامى إلى تدمير الذات. الشاعر الإيرلندى «جى دبليو راسل» قال عنها إن «جوته» و«وردزورث» و«إمبرسون» من بين المعاصرين الذين يتمتعون بالحيوية والحكمة ولكننا نستطيع أن نجد كل ما قالوه فى كتب الحكمة الشرقية العظيمة بالغة السمو.

 
الجيتا إلهاماتها وصفت بكونها بالغة السمو والصفاء، وأحد أبرز تلاميذها «إى بى جى عبد الكلام» العالم النووى الذى جعلت أبحاثه من الهند قوة نووية، والعلم المشهور الذى كتب عن التوازن بين الأبحاث العلمية المعاصرة ودراسات الشرق الروحية «فرتيوف كابرا» التى يصفها بالقصيدة الروحية بالغة الجمال وكثيرا ما كان يقتبس منها مبرهنًا على وجهة نظره، وأبرزها أن تعدد الأشياء والمظاهر من حولنا ليس سوى تجلٍّ للحقيقة الجوهرية ذاتها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات